هل يمر المسرح المصري بحالة من التراجع الفني؟ وهل تخلى عن دوره الحقيقي في إثارة الوعي ونشر ثقافة التنوير، باعتباره إحدى الأدوات الثقافية المهمة

 

هل تراجع المسرح المصري؟

هل يمر المسرح المصري بحالة من التراجع الفني؟ وهل تخلى عن دوره الحقيقي في إثارة الوعي ونشر ثقافة التنوير، باعتباره إحدى الأدوات الثقافية المهمة

 

 

 

المساهمة في بناء الحضارة؟ وإذا كان الأمر كذلك فما أبعاد الأزمة وطرق حلها؟ وهل بإمكان الجيل الجديد من الكتاب والمخرجين والممثلين إعادة الاعتبار للحركة المسرحية بعد أن هجر عدد كبير من المسرحيين خشبة المسرح إلى فنون درامية أخرى أكثر جماهيرية في السينما والتلفزيون؟ أسئلة كثيرة طرحناها عبر هذه المواجهة بين الكاتب المسرحي والسيناريست محفوظ عبد الرحمن والمخرج والناقد المسرحي د .عمرو دوارة

 

محفوظ عبد الرحمن: المسرح الجاد انتهى

 

يرى الكاتب المسرحي والسيناريست محفوظ عبد الرحمن صاحب الأعمال المهمة في التلفزيون والمسرح المصري أن المسرح المصري  الآن  يمر بحالة حرجة تهدد بوقف نشاطه حيث لا يوجد تخطيط واضح لمساره بعد إغلاق عدد كبير من المسارح وهجرة الكتاب والمخرجين الحقيقيين منه إلى فنون درامية أخرى كالسينما والتلفزيون، وأن ما يقدم من أعمال لا تمت إلى المسرح الجاد بصلة، مما يتطلب وقفة حقيقية لدراسة ما لحق به من تدهور .

 

كيف ترى حال المسرح المصري الآن؟

 

المسرح تراجع بشكل كبير في الثلاثين عاما الأخيرة، ثم انهار بعد ثورة يناير 2011 تماما، لأنه لم يعد هناك أحد يدرك قيمة المسرح خاصة العاملين فيه، فقد تحول الأمر إلى مجرد وظيفة يؤديها العاملون في المسرح من أجل أن يقبضوا رواتب في نهاية الشهر . أما رسالة الفن فلم تعد موجودة .

 

إضافة إلى ذلك لا يوجد عندنا  في مصر الآن  تخطيط واضح للعملية المسرحية، فلا يوجد “رجل مسرح” كما كان في السابق من أمثال جورج أبيض وسلامة حجازي وكرم مطاوع مع تغير الأجيال، فهناك شخصيات تؤمن بالعمل المسرحي وأهميته في تطور تقدم الشعوب، حتى لو عرض عليهم العمل في أي مجال فني آخر كالسينما أو التلفزيون فإنهم يرفضون، لأنهم مقتنعون برسالة الفن وأنه الوعاء الحقيقي لمادة التغيير والإصلاح في عقلية أي مجتمع .

 

وإذا أردنا نهضة مسرحية حقيقية فعلينا أولاً أن نبدأ بالتخطيط الفعلي لهذه النهضة، وأول درجات هذا التخطيط ألا نبني على السابق، بمعنى أن تكون لنا رؤيتنا الخاصة التي تتوافق مع اللحظة الراهنة .

 

ما أسباب التراجع من وجهة نظرك؟

 

السبب الرئيس هو عدم إيمان المسؤولين وكذلك الجمهور الحالي بأهمية المسرح وقيمته . وهذا كان موجوداً في السنوات الماضية لكنه ازداد في الفترة الأخيرة حتى وصل إلى درجة التجاهل التام، فالمسؤولون يعتبرون الثقافة بشكل عام  جزءًا من الزينة والبهرج الزائد، على خلاف ما نرى في الغرب فالرجل الإنجليزي والرجل الفرنسي على سبيل المثال يعتبر المسرح جزءاً من برنامجه اليومي أو الأسبوعي، فلا بد أن يشاهد هو وأسرته عرضا مسرحياً ويعتبر ذلك جزءاً من تطوير ذوقه، وهنا تصبح الثقافة والفن منهج حياة .

 

أما السبب الثاني فهو عدم وجود مسارح مجهزة بطريقة تليق بالعرض المسرحي، فقد أغلق كثير من المسارح لأنها غير مطابقة للمواصفات، وبعدها تم اهماله، مثل “المسرح القومي” بعد احتراقه منذ أكثر من خمس سنوات، ولم ينته إصلاحه وترميمه حتى الآن، وهو أهم المسارح المصرية وأعرق وأقدم المسارح العربية على الإطلاق، وعلى خشبته ظهر وتألق رواد الفن المسرحي في العالم العربي .

 

مع أن مهمة الدولة أن تبني مسارح جديدة وتأتي بفرق محترفة أو هواة للعرض عليها، الآن بصراحة عندنا حالة من قتل الموهوبين، فالفنان الحقيقي إذا أراد تقديم عمل فإنه يصطدم بالبيروقراطية الإدارية، ما يجعله يحجم عن تقديم كل ما لديه من أفكار بناءة ورؤية ذات طابع تجديدي . ولذلك نرى الموظفين الآن هم من يسيطرون على الحركة المسرحية بعد إحجام الفنانين الجادين . مما يجعل العملية المسرحية تتحول إلى “سبوبة” يستفيد منها الموظفون فقط .

 

ماذا عن دور الكتاب القدامى الذين قدموا تجارب راسخة أسهمت في نهضة المسرح المصري في عقود سابقة؟

 

الكتاب الحقيقيون  بمعنى دقيق  تم طردهم، وإقصاؤهم وتهميشهم بشكل سافر، فليس هناك كاتب حقيقي لا يعاني مما يحدث، ودعني أتساءل: ما الذي يدفع مثل هؤلاء الكتاب للمجازفة بأسمائهم وتاريخهم الثقافي في الدخول في مثل هذه المعارك البيروقراطية، ولهذا تجد عدداً كبيراً منهم يتجه إلى كتابة السيناريوهات للتلفزيون وللسينما .

 

وعليك أن تعلم أنه كلما كبرت قامة المؤلف كان العدوان عليه أكثر شراسة، قديماً كان المسؤولون يأتون إلينا ويطلبون منا كتابة أعمال مسرحية، الآن لو ذهبنا بأنفسنا لتقديم مسرحية مكتوبة ليتم عرضها فإنها ترفض لأسباب غير فنية، بالطبع المثقفون الحقيقيون محاربون بجميع الأساليب .

 

وإذا أرادت الدولة أن تبني مسرحاً جديداً فعليها أن تستضيء بما كان يفعله “أحمد حمروش” في الستينات  وهي الفترة الأهم والأكثر ازدهاراً في تاريخ المسرح المصري  كان “حمروش” الذي أشرف على المسرح القومي وقتها صانعاً للمواهب في الإخراج والكتابة حيث كان يشجع الكتاب الجدد الذين أصبحوا بعد ذلك نجوماً مثل ألفريد فرج وميخائيل رومان وصلاح عبد الصبور ويوسف إدريس وعلي سالم ونجيب سرور وغيرهم .

 

لكن البعض يرى أن هناك أملاً معقوداً على بعض الفرق الجديدة التي تعمل بشكل مستقل، فما رأيك؟

 

الهامش الوحيد  الآن  هو مسرحيات الهواة لكنها تجربة لم تكتمل بعد، والنهضة المسرحية الحقيقية لا تقوم إلا على تجارب المحترفين، هؤلاء الهواة هم نواة لتشكيل المسرح، لكن يعيبهم أنهم يبدأون جيدا ثم ينهارون بعد ذلك، نظرا لقلة الموارد المالية ولضعف الإمكانات ومع ذلك هم ظاهرة إيجابية في وسط ظواهر سلبية كثيرة .

 

ما رأيك في المسرحيات التي قدمت عن ثورة يناير؟ وهل استطاعت أن تعبر عن الحدث؟

 

للأسف الشديد تابعت معظمها، ورؤيتي لها أنها مسرحيات ضعيفة فنياً، فالمفروض أن يعبر المسرح عن المجتمع ويهتم بقضاياه في إطار فني، وليست مهمته أن يسجل ما يحدث بشكل دوري، فهذا الدور منوط بالصحف والقنوات المرئية والمسموعة، إنما ينتج البعض نصوصاً بها محاكاة للثورة، ويحاول أن ينقل الحدث كما هو من دون وضع أي تيمات فنية واضحة تدل على الجهد الفني، لذا معظم هذه الأعمال تأتي بعيدة عن الرؤية، فالآن وبصدق  من الصعب جدا أن تجد مسرحية تشاهدها من دون أن يصيبك اكتئاب .

 

كيف نخرج من هذه الأزمة؟

 

لا بد من تفعيل دور الدولة الثقافي، من خلال زيادة ميزانية المسرح بحيث يمكن استيعاب المواهب الحقيقية . كذلك لا بد من البحث عن النص المسرحي الجيد، والبحث عن الممثل الجيد، فدولة بلا ثقافة ولا مسرح لا مستقبل لها .

 

* * *

عمرو دوارة: هناك جيل مسرحي جديد

 

يؤكد المخرج والناقد المسرحي د .عمرو دوارة أن هناك تجارب كثيرة تقدم الآن على خشبة المسرح المصري لكن أصحابها بحاجة إلى خبرة وإلى تمويل كاف من المؤسسة الثقافية، خاصة مع وجود مواهب حقيقية في الأقاليم المختلفة والتي بحاجة إلى رعاية حقيقية حتى يسهموا  بشكل فاعل  في الحركة المسرحية . ويشير دوارة إلى أنه يحاول هو وأبناء جيله تقديم رؤية مسرحية جديدة والتي قدمها من خلال أعماله في مسرح الدولة ومنها “عصفور خايف يطير” و”سوق الشطار” و”السلطان يلهو” وأخيرا “وهج العشق”، والعرض الذي يجهز له حاليا وهو “بلد وركبها عفريت” .

 

هل هناك تراجع للمسرح المصري؟

 

ليس هناك تراجع بالشكل الكمي فهناك مسرحيات كثيرة تعرض، لكن ليس لها مردود فني ملحوظ، نظرا لعدم الدعاية الكافية لها، ولغياب الاستراتيجية الثقافية التي تجعل من العرض المسرحي عرضاً متواصلاً مع الجمهور العادي، خاصة أن الناس أصبحت مهمومة بأشياء أخرى سياسية واجتماعية، واللهاث وراء لقمة العيش، ومن هذا المنطلق فقد فقدنا جمهور الطبقة الوسطى، المسرحيون الجدد حاولوا مغازلة الجمهور الجديد بتقديم تقنيات تواكب هذا الجمهور ففقدوا جمهور المسرح الحقيقي من الطبقة المتوسطة وطلاب المدارس والجامعات .

 

أما المسرح الإقليمي فيحاول تقديم عروض تجريبية وبعض الفرق الجديدة كمسرح الحلقة ومسرح الشارع لكن للأسف كثير منها يجيء بشكل عشوائي، وليس لها تأثير حقيقي .

 

وأنا هنا أتساءل لماذا تم إيقاف المسرح التجريبي؟ الذي لم أدافع عنه قبل ذلك، لكن أنا ضد إلغاء أي مهرجان فني، كذلك أتساءل لماذا تم إلغاء المهرجان القومي للمسرح؟ وقد كتبت أكثر من مرة أطالب باندماج المهرجانين تحت اسم “مهرجان القاهرة الدولي للمسرح” فمصر جديرة بأن يكون لديها مهرجان دولي للمسرح بما عندنا من خبرات ثقافية وما تمتلكه من مقومات فنية في هذا الجانب .

 

الآن هناك دعوات يراد بها باطل ومنها إلغاء النشاط الثقافي والفني، فكيف يتم ذلك وكيف يقال في بلد عمره الثقافي يوازي عمره الحضاري؟

 

كيف ترى جيل الشباب من كتاب ومخرجي المسرح؟

 

بحكم تحكيمي في كثير من مسابقات النصوص المسرحية ومشاركتي في لجان تحكيم المهرجانات المسرحية فإنني أفاجأ بمستوى عال من التأليف المسرحي وأسلوب راق في الكتابة خاصة بين أدباء وكتاب الأقاليم في محافظات مصر المختلفة، الذين هم في حاجة حقيقية إلى رعاية ثقافية، فعلى الدولة أن تتبنى هؤلاء، وتعمل على تنمية مواهبهم الإبداعية . كذلك هناك جيل متميز في الإخراج، يبدأ من مرحلة “المسرح الجماعي” وهو جيل مخلص ومحب للمسرح لكن يصطدم بالإدارة وفوضى الموظفين بوزارة الثقافة، فالمسألة في النهاية هي سوء الإدارة، فلا مجال حقيقي لتقديمهم، أو تقديم فرص تدريبية لهم .

 

ومن خلال عملي في الجمعية المصرية لهواة المسرح التي تم تأسيسها عام ،1982 وأقامت حتى الآن 25 مهرجاناً مسرحياً خرج مئات من الموهوبين في المجالات المسرحية المختلفة في التأليف والتمثيل والإخراج، وقد قدمنا للمرة الأولى منذ أكثر من 15 عاماً الفنانين خالد صالح وخالد الصاوي وعبلة كامل وغيرهم الكثير، وهذه المهرجانات كانت تتم بشكل بسيط وبجهد ذاتي، ومع ذلك لا يخلو أي مهرجان منها من فرق عربية متميزة، إضافة لتكريمها عددًا كبيرًا من مبدعي العالم العربي .

 

وأظن أن التكريم لحظة إنسانية رائعة تدل على الوفاء والاعتراف بالجميل، خاصة إذا ما جاء هذا التكريم من خلال أحد المهرجانات، وبناء على ترشيح لجنة متخصصة يتسم أعضاؤها بالنزاهة والحيادية والموضوعية، والمكرم لا يمكن وصفها إذا جاء هذا التكريم تتويجاً لرحلة عطاء فني ومشوار شاق وصعب بذل من خلاله أقصى الجهود بحب واقتناع ومن دون الانتظار لمقابل، وكان دافعه الأساس هو الحرص على إرضاء الضمير، إضافة إلى حب الوطن والإيمان بقيمة العمل وأهميته، وهذا ما حاولنا أن نفعله في الجمعية ومهرجاناتها المتتالية التي جاءت من دون دعم مؤسسي، ومع ذلك حققت نجاحات متعددة، أولها إقامة جسر من التواصل بين المسرحيين العرب، والتعرف إلى التجارب الجديدة في مجال المسرح، ما يفيد الأجيال الجديدة، كذلك إقامة عدد من الورش الفنية التي تساعد الشباب في الوقوف على التقنيات الحديثة في هذا الفن، وكذلك إقامة الموائد المستديرة لمناقشة الرؤى المستقبلية للنهوض بالعملية المسرحية .

 

هل ترى أن التجارب التي تقدمها الفرق المسرحية الجديدة قادرة على تقديم خطاب مسرحي يمكنه تجاوز الأزمة؟

 

هذه الفرق مثّلت حين ظهورها منذ سنوات بارقة أمل، نظراً لأن كثيراً من أعضائها مجموعة مخلصة للفن وللعمل الجماعي، وقد حاولت هذه الفرق الوقوف في مواجهة استلاب المسرح المصري، من خلال إعادة قراءة الشخصية المصرية عبر تاريخها الطويل، فبعضها اتجه إلى التاريخ المصري الحديث مثل “فرقة أتيلييه المسرح”، وبعضها اتجه إلى الفلكلور الشعبي وتقديمه بصورة حديثة كما حدث في بعض العروض فرقة الورشة، وبعضها استخدم تيمات شعبية مثل “فرقة المسحراتي” وبعضها قدم مسرحيات تمزج بين الرؤية الغربية والرؤية الشرقية، لكن مع ذلك كثير من الفرق التي ذكرناها تمت محاربتها، ما جعلها تعمل بجهود فردية، رغم ضغوط الحياة .

 

وفي هذا الصدد يحضرني نموذج الفنانة الشعبية والمسرحية صباح شاهين، وهي فنانة موهوبة ظهرت في التسعينات وقدمت عدة عروض تنتمي للمسرح الغنائي، وهي فنانة شاملة كانت تمول عروضها بشكل ذاتي لكنها اعتزلت لأنها لم تستطع مواصلة عروضها . وأنا هنا أتساءل: لماذا تم إهدار مثل هذه المواهب التي كان من الممكن أن تضيف لحركة المسرح المصري، وكان بإمكان مثل هذه المواهب أن تمثل رافداً للتجديد، لكن انسحاب الدولة عن تمويل الثقافة الجادة، جعل كثيرًا من هذه الفرق تعمل بشكل فردي، مع العلم أن الفعل الثقافي لا بد أن يقوم في إطار مؤسسي برعاية كاملة من الدولة . وعلى كل حال فأنا متفائل بمستقبل المسرح المصري رغم كل المعوقات التي تواجهه الآن .

 

 

القاهرة – عيد عبد الحليم:

http://www.alkhaleej.ae

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.