أخبار عاجلة

اعزيزة.. وجيل لا يعرف إلا لعبة الموت

 

 

 

من فضاء منتدى المسرح انطلقت مجموعة من الشباب ليقدموا انثيالات وهواجس درامية شكلت لوحات احتجاجية وصرخات هستيرية يائسة على كل ما يحيط بهم من انفلات امني وموت يومي مجاني وفساد اخلاقي طال كل مفاصل حياتهم الاجتماعية وايبس فيهم جذوة الأمل وحماس الشباب وتوقهم الى العمل والإنجاز، تلك اللوحات الدرامية التي قدمت من داخل فضاء منتدى المسرح لمجموعة من الشباب كتبوا فيما بينهم هواجسهم وكوابيسهم واحباطاتهم ونظرتهم السوداوية القاتمة ومنحوا قيادة تلك الانثيالات والتداعيات الاحتجاجية الرافضة لزميلهم باسم الطيب لكي يقود تلك اللعبة الدرامية متنقلا بين غرف وباحة فضاء منتدى المسرح

والتعامل مع فضاء المنتدى ذاك المعمار البغدادي القديم سواء اكان البيت الاول الذي كان مقرا لمنتدى المسرح ثم تحول الى مقر للسينما العراقية المستقله ، أو هذا البيت الثاني الذي اختير ليكون منتدى جديدا للمسرح الا أنه على مستوى المعمار وفضاء العرض لايختلف عن البيت الاول اذ هو يتكون من باحة بيت مفتوحة بطابقين وغرف جانبية وممرات متداخله وقد تم تسقيف سطح كلا البيتين لغرض حجب ضوء النهار والتعامل مع منظومة الاضاءة المستخدمة في العروض المسرحية المقدمة داخل فضاء المكان بكل استخدامات الضوء وتحولاته, ويذكر تأريخ المسرح العراق عملين مهمين لمخرجين كبيرين تحركا اخراجيا داخل فضاء البيت الاول ، أولهما المخرج العراقي الكبير الراحل د. عوني كرومي ، وثانيهما المخرج المبدع عزيز خيون ، اذ أنهما المخرجان الوحيدان اللذان عمدا الى توظيف غرف البيت الاول كجزء من لعبة العرض المسرحي وعملا أيضا على تنقل جمهور المتلقين ما بين تلك الغرف . د .عوني كرومي في عرضه الخالد( ترنيمة الكرسي الهزاز) للكاتب المتميز فاروق محمد والعرضين الانيقين (مرحبا أيتها الطمأنينة) و (لو) للمخرج الكبير عزيز خيون .الاول للكاتب الراحل جليل القيسي و الثاني للكاتبة د.عواطف نعيم , اذ عمد هذان المخرجان الى استقبال جمهور المتلقين والتجول بهم داخل غرف البيت على جانبي الباحة ، ومن ثم اجتماع الجمهور في الباحة وتواصل العرض حتى نهايته , بل ان المخرج عزيز خيون افتتح عرضه المسرحي مرحبا من خلال استقبال الممثلة الرئيسية المجسدة للشخصية للجمهور من الباب الرئيسي للدخول وهي تسألهم عن شخص بعينه ثم تتواصل معهم في تقديم العرض المسرحي داخل فضاء الباحة وما بين الطابق الاعلى وغرف الطابق السفلي , وفي عرض (اعزيزة) وفي معمار البيت التراثي الواقع على نهر دجلة الخالد , لجأ المخرج الى ذات الآلية في التعامل مع المكان اذ دعا الجمهور للتناوب في دخول غرفه المغلقة والتي تحتوي كل واحدة منها على حكاية . وبعد ان تكتمل الحكايات وينتهي الجمهور الذي عمد المخرج الى تحديد عدده بثلاثين مشاهدا لكل يوم عرض اذ يجلس المتلقون من الجمهور على كراسي وسط الباحة حينها يقوم الممثلون ومن معهم من اصدقائهم والعاملون في العرض بصفة أدلاء ومنظمين للحركة والتجوال باللطم والصراخ والندب الذي يصل الى حد الهستيريا الصاخبة والمنفلتة ليخرجوا بعدها الى خارج الباحة ومن ثم الى خارج البيت التراثي دون تحية الجمهور الذي لايدري ما الذي يفترض به ان يفعل ، هل يتبع الممثلين ومن معهم من المشاركين في متعة اللطم والندب والصراخ والندب ام يبقى في مكانه في انتظار عودتهم لتحيتهم !! بعد ذلك تعقد جلسة نقدية لمناقشة ما قدم من قبل هؤلاء الشباب , يبدا العرض بدخول المتلقين من جمهور الحاضرين والذين حدد عددهم مسبقا بثلاثين مشاهدا ليحيطوا بالباحة وقوفا وقد تمت احاطة الباحة بشريط كالأشرطة التي يسور بها مكان الحدث في المنطقة المنكوبة ويمنع دخول المتلقين داخلها الذي اصطف فيه الممثلون وعلى وجه كل واحد منهم ارتسمت ابتسامة عريضة أما م المتلقين وبعضهم يقف بمواجهة المتلقين صامتا الا من الابتسامة وينبعث صوت طفولي يغني , يقف الممثلون وما تزال الابتسامة العريضة الفارغة من المعنى تعلو وجوههم و بعضهم يشرب الشاي (بالاستكان الزجاجي ) بعد أن ينهكه تدويرا بالملعقة , ويبدأ آخرون بتوزيع بعض علب المشروبات الغازية على عدد من المتلقين . بعد ذلك يتحرك الشباب المرافق للممثلين بصفة منظمين وأدلاء في توزيع المتلقين على الغرف ذات الحكايا , كل غرفة تمثل حكاية يقصها علينا صاحبها أو صاحبتها ويتنقل المتلقون بين هذه الغرف ليس كمجموعة ولكن كعدد يقوده المنظم لدخول الغرفة وهو يطلب منهم السكوت وكل غرفة لاتستغرق حكايتها اكثر من الدقائق الثلاث او الاربع لكن دوران المتلقين بوحدات تضم خمسة او اربعة او واحدا هي التي أضافت الى العرض وقتا مضاعفا فامتد العرض من خمس واربعين دقيقة ليصل الى الساعة والنصف وقد يزيد أحيانا ما دامت الايام المتوالية لتقديم العرض المحدد مسبقا بعدد رقمي لا يتيح فرصة المشاهدة لمجموعة كبيرة من المتلقين الذين اتوقع من بعضهم الدخول في محاورة او سؤال أو رد فعل مع الممثلين تأخذ زمنا مضافا للعرض القائم اساسا على المحاورة لان أصحاب الغرف في حكاياهم يخاطبون المتلقين بكلمات مثل ( تدري , راح اشوفك , كلي أي صوره عجبتك أكثر , تعرفون هذي اسوت ) وكل هذه العبارات هي دعوة للحوار , دعوة للسؤال , دعوة للاستغراب والتعليق , حكايا الغرف وان اختلفت مفرداتها المنطوقة هي واحدة . في الغرفة الاولى يلتقينا شاب يعاني من شعور الغربة والضياع وانعدام الشخصية لأنه تربى في عائلة مفككة ويحكي حكايته مستعينا بالصور المرسومة بشكل رسوم كاريكاتيريه , الغرفة الثانية لامرأة تمزق كل النساء تقطيعا وعصرا وهرسا وحرقا لأنهن مارسن حريتهن في الاختيار والحب وهذا لايجوز بحكم الأعراف والتقاليد وأحكام الدين وفتاوي رجالاته , الغرفة الثالثة والتي لابد وان ندخلها واحدا واحد ا فتدور حكايتها حول شاب يعمل مصورا فوتغرافيا وهو يفضي اليك بسره وهو يلتقط لك الصورة بعينيه اللتين تواجهان عينيك بأنه سينتحر لأنه خائف من الموت البشع بالسيارات المفخخة او العبوات الناسفة او كواتم الصوت الغادرة ولكنه يخشى ان لايكون موته سريعا لذا هو حائر في اختيار وسيلة الموت !! الغرفة الرابعة فيها شاشة عرض تعرض لك احداث الحادي عشر من سبتمبر وما جر ذلك من كوارث ومحن حلت على اوطاننا العربية من موت مجاني وترويج لربيع عربي لم نمسك منه الا مجازر موتانا ونهب ثرواتنا وتسليط الفاسدين على رقابنا . هنا الصورة تعتمد خيال الظل الساقط على الشاشة البيضاء المشوشة لايصال الفكرة والمتلقي يتم استقباله وإجلاسه على كرسي وضعت على سطحه نظارات سوداء وكيس من الجبس ويطلب منه ان يضع النظارة ويقرقش الجبس ويتسلى وهو يتفرج على انعكاس صور الموت والقتل والقصف ولعلي الوحيدة بين الحضور التي اختارت جلستها ورفضت وضع النظارة أو أخذ كيس الجبس أو المقرمشات ,ومن غرفة العرض السينمائي لمشاهد الدمار والموت الى غرفة اخرى ملأى بالشموع التي وزعت على مستويات مختلفة حيث يواجهنا شاب بملابسه الداخلية وأمامه آلة طابعة قديمة يريد من خلالها ايصال رسالة الى المخرج أو ولي الامر ليسأله لماذا يموت الكومبارس ويبقى اللاعبون الكبار في الترف والحظوة , ومن غرفة هذا الشاب المتسائل الى غرفة اخرى لابد لدخولها منفردين وحين ولجتها واجهني شاب منكسر في غرفة بسيطة الاثاث ولعلها الغرفة الوحيدة التي احتوت بعضا من مفردات ديكورية وايضا رفضت دعوته لاجلاسي حيثما يريد واخترت المقعد الذي أريد وبدأ الشاب بسرد حكايته عن مرضه المعدي والخطير وهو ليس وباء الايدز او ايبولا ولا مرض السرطان بل هو مرض معد اسمه النفاق والحسد والغيرة وكره الناجحين , ومن صاحب المرض العصري النفاق والكره الى غرفة اخرى يشغلها معلم يوجه التلاميذ بمنهاج دراسي جديد يعلم الطلبة الدارسين كيف يتخلصون من القيم والمثل وروح المواطنة وكل تلك المصطلحات الجديدة التي اصبحت ميديا الاعلام الحديثة تزرعها وتبثها بين ابناء الوطن العربي الواحد , لاوطن ,لاحدود ,لا التزام , لامعرفة ,بعد ذلك تأتي غرفة صاحبة النبوءة التي تتنبأ لنا بكل ما سوف يحدث وهي تصعد السلم بالمقلوب ووجهها نحونا ساخرا ومتهكما وصولا الى نهاية السلم والى نهاية كل ما يمكن ان يمدنا بالامل ,ان يمدنا ولو بالقليل من الثقة والايمان بذواتنا وبالقادم لنا عله يكون أفضل الا أنها سلمتنا صكوك نهايتنا بعدها خرجنا نحو صورة لبغداد هي عبارة عن كولاج يجمع أهم معلم معرفي وجمالي فيها الا وهو ساحة التحرير وجدارية جواد سليم مع مدينة عصرية متطورة بأضوائها ومعمارها وزينتها ومن الصورة ننتقل الى غرفة جانبية مظلمة يفتح فيها الضوء لتواجه عبر المرآة صورتك المنعكسة عليها بكامل هيأتك ، جمالها او قبحها ، صدمتها أو توقعها . ولعلي الوحيدة التي نطقت معلنة أن ما رأته عبر المرآة كان جميلا لأنه يمثلني أنا ,ثم يعود الجمهور للجلوس داخل الباحة على كراسي وضعت بطريقة متناظرة واخرى متقابلة لتحيط بمجموعة الممثلين الذين سقطوا بيننا على الارض امواتا ويدور بينهم مخرج العرض وهويؤدي حركات رياضية ويسأل من معه بالعرض من المنظمين عمن لم يجهز بعد فيأتيه الجواب ان هناك واحدا وسوف يحضر ولن يتأخر ويواصل هو حركاته الرياضية ثم يرتمي على الارض متدحرجا لاكثر من مرة , يأتي بعد ذلك شاب ليخبرهم بالمفاجأة التي أعدها وهي أنه سوف يموت وهنا تنطلق الزغاريد وينزل من كان في الطابق العلوي لينظم للاخرين ويعم الفرح الجميع ويبدأ الشاب بتوجيه الشكر الى الجهات التي أسهمت في موته من وزارة البيئة الى وزارة الداخلية الى وزارة التعليم , وأنا كمتلقيه دعوته لتوجيه الشكر الى وزارة الثقافة فشكر وزارة الثقافة . ثم بعد ذلك بدأ فاصل اللطم والصراخ والندب الذي كان هستيريا وانضم كل المنظمين في تقديم العمل الى حلبة اللطم والصراخ وحتى أصدقاء المخرج والممثلين ممن حضروا لمشاهدة العرض وتحول اللطم الى حالة لطم حقيقي على الوجوه والصدور وتعالت الزغاريد مع الندب وهم يزفون الشاب الذي أعلن أنه سيموت وخرج الجميع مهرولا الى خارج الباحة وبقي المتلقون ينظرون لبعضهم وقد أدركوا أن العرض انتهى وأن عليهم أن يلحقوا بالممثلين ليروا أين ستكون التحية على أن لايلحقوا بهم وهم يلطمون أو يصرخون أو يهرولون.

 

 

د. عواطف نعيم

http://www.almadapaper.net/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.