مع عجلة بيتر بروك .. المسرح الوجود والحلم

 

 

 

(المسرح الوجود والحلم) تعبير ليس لي. لقد استعرته من موضوع تناوله الاستاذ الصديق المرحوم (جبرا ابراهيم جبرا) في كتابه القيم (الفن والحلم والفعل) وما استعارتي لعنوان المقالة الا رغبة مني في ان استعير كذلك اجزاء من الموضوع نفسه لانني وجدت.

وأنا اقرأ الكتاب.. واعود الى قراءة بعض اجزاء منه اكثر من مرة ان التاكيد عليه – على هذا الموضوع بالذات- حاجة ماسة لنا نحن المسرحيين في ظرف يمر فيه المسرح وهو اقرب الى النزوات الذاتية لدى بعضنا ظنا منهم انهم يقودونه الى موقع الصدارة في الاقتراب من جماهير الشعب، متكئين على مقولة  (المسرح مدرسة الشعب) ناسين ان مثل هذه الحالة ليست حالة (لعب) على الشعب وانما هي حالة كبيرة الدلالة عظيمة الاثر عميقة التاثير عليه.

في مثل هذا الظرف اجزت لنفسي اقتباس فقرات من موضوع (المسرح الوجود والحلم) مدركا ان الصديق جبرا لن يغضب ما دام القصد من ذلك نبيلا ومفيدا للمسرح والمسرحيين وليس سطوا من اجل الارتفاع على اعمال الاخرين كما يحدث في اكثر من مناسبة!! يقول الاستاذ جبرا:

( وبقيت للمسرح تلك الصفة التي كانت لصيقة به منذ البداية. رغم تغيير الاساليب والمضامين.. صفة الايعاز الى الذهن بأن يكتسب معرفة. او ادراكا. او نفاذا لكل حالة شأن في الانسان والمجتمع. وفي صفة تشتد اثرا كلما رافقتها القدرة على اثارة حس اللعب في المشاهد و وحس المتعة. مع حس المشاركة،  واذا تذكرنا ميل الانسان الى الملل. كان لابد للمسرح ان يتجنب السقوط في تلك الخطيئة الماحقة، كان عليه ان يتجدد باستمرار وان يكون دائما مثيرا للذهن والعين معا).

ويتـــساءل الكاتب بعد ذلك ويجيب .

(المسرح مدرسة الشعب – نعم- ولكن ما الذي لدى المسرحيين ان يعلمونا اياه بالضبط؟)

هذا هو السؤال الحقيقي الذي طرحه ضمنا كل عصر (بوسعنا ان نذهب الى كتب الدين. وكتب السير وكتب السياسة وكتب العلم وكتب علم النفس – الى اخر القائمة الطويلة لمصادر المعرفة التي يمكن ان ينهل منها الشعب..

ما الذي يقدمه المسرح ولا تستطيع الكتب ان تقدمه؟ ولماذا هذا الخروج المراسيمي في الليالي من الدار حيث الراحة والتلفزيون ووسائل التسلية كلها. الى مكان يسمي نفسه .. (مسرحا) نخالط فيه جماهير من الناس لا نعرفهم. لرؤية ممثلين يتحاورون ويتحركون ضمن نطاق خمسين او ستين  مترا مربعا، ونزعم لانفسنا اننا برؤيتهم وسماعهم نرى ونسمع العالم، او في  الاقل جزءا منه على نحو لا تيسره لنا وسائل المعرفة – ولا وسائل التسلية- الاخرى؟

هنا السر وهنا السحر، وكلاهما لابد  لهما من اناس يكتبون ويخرجون ويمثلون ويعرفون كيف يتعاملون مع السر، وكيف يطلقون الرقى: فهي ترفع الحجب عن الفتنة التي يبدو اننا في بحث دائم عنها، وما تكاد تتبدى  لنا حتى نقــــــــع في دائرتها.. هل نريد ان نتــــــــعلم ام نريد ان نفتن؟

ام نريد ان ننقل الى القلب من نوازع الشر والخير ونوازع الخطايا كلها. ونجرب  كيف يتمزق الانسان بينها جميعا؟

انتعلم او لنحلم، ام نضاعف طاقة الحياة  في شرايينا، ام كلها معا؟ امزيدا من الواقع  نطلب، ام مزيدا من الحلم؟ وهل نخلص من الواقع والحلم لنقع راضين مستسلمين. في شراك من كوابيس الاخرين؟

ام لعلها كوابيسنا نحن؟!

كيف تكون الحياة مكثفة (حلوة مرة) ولاهبة ومنعشة، وجارحة وشافية ان لم نفعل ذلك كله؟

هذا هو المسرح اذا. ولنحسن التعامل معه مهما يكن الثمن، فانه ليس كبيرا اذا كان له ان يغدو لنا وسيلة للمزيد من المعرفة، مع مزيد من الحياة ولاسيما اذا استطاع في خاتمة المطاف ان يقول لنا انه الوسيلة التي صنعتها اجيال من عباقرة الرؤيا، لو وضعنا في قلب الوجود الانساني مع كل معضلاته واحلامه).

هذه فقرات مضيئة من (المسرح الوجود والحلم) مع مقدمة متواضعة لي كانت المدخل الى هذه الاضاءة الكريمة فشكرا للاستاذ جبرا..

14/12/1986

قليلا عن بيتر بروك

(1)

يحفل المسرح بالمبدعين في شتى انحاء العالم، فليس الابداع وقفا على بلد دون آخر، وليس اشعاعا ينبعث من فنان دون اخر، وانما هو عطاء غني يحمل معه عمق التجربة وبعد الرؤية ومحاولة الاكتشاف لكل ما هو جديد ومؤثر على سياق العمل المسرحي وفنونه.. وهكذا لمعت اسماء في اوربا وامريكا اللاتينية وفي الهند والصين وافريقيا وفي اقطار عربية.. لكن الاسماء ظلت تضيق حين نأتي لنبحث عن عمق التأثير الذي اشرنا اليه ليكون هو المعيار لهذا الابداع، وحين ندخل هذه الاسماء في اطار سعة التأثير الذي يأخذ اكثر من سبيل ومجال حتى يشمل المسرح بعالمه الواسع الشاسع.

من بين هذه الاسماء (بيتر بروك) احد كبار المخرجين العالميين في وقتنا الحاضر.

بل يقول عنه (اريك بنتلي) ومعه مسرحيون كثيرون.. (انه اهم فناني المسرح في العالم الناطق بالانكليزية!).

ولد بيتر بروك عام 1925 واخرج شكسبير وهو دون العشرين عاما! ويقول عنه (فاروق عبد القادر) في مقدمته لكتاب (المساحة الفارغة) كما اسماه – ان بروك وبعد ان درس في اكسفورد وراح يخرج مسرحيات شكسبير، تميز – ويعني اخراجه – بالقوة المنظرية والبصرية والمهارة الفائقة في الاهتمام بكل التفاصيل.. واصبح بروك واحدا من اشهر مخرجي المسرح الانكليزي حين اخرج عددا من الاعمال لجان انوي وهيوارد ريشاردسون وغيرهما في نهاية الاربعينيات.

واستمر بروك يخرج مسرحيات متعددة متعاونا مع (جون جيلجود) و (بول سكوفيالر) لكنه ومنذ ان اخرج (قطة على سطح صفيح ساخن) لتنسي ويليامز في باريس عام 1956 راح ينهج نهجا آخر في ممارسة عمله المسرحي متنقلا بين باريس ولندن اضافة الى الولايات المتحدة الامريكية ليستقر في الستينات لمدة سنوات في انكلترا حين تسلم مسؤولية الاشراف على مسرح (الرويال شكسبير كومباني) حيث بلغ شهرته واوج تأثيره.. حين ظلت اعماله تثير الجدل الواسع بين المسرحيين وغير المسرحيين حتى صارت تلك الاعمال علامات لا يمكن تجاهلها في سياق المسرح الغربي الحديث.. ومن بين هذه الاعمال: (الملك لير) و (اوديب) و (ماراصاد) والمسرحية التي تعكس افكاره عن المسرح وطريقة العمل فيه اكثر من اية مسرحية اخرى وهي مسرحية (يوأس).. التي اشترك في تأليفها واعدادها مع اعضاء الفريق الذي يعمل معه مستفيدا من تجارب المسرح العالمي.. ضمن تجارب (جون ليتلوود) في التأليف الجماعي، وتجارب المسرح الحي ومسرح الواقعة – كما يسميه المترجم فاروق عبد القادر – وتجارب جروتوفسكي وبيتر فايس.. كل ذلك من اجل ان يحقق تصوره لمسرحه الذي يسميه مسرح (المواجهة) بعد هذه المرحلة رأى بروك ضرورة الخروج اكثر واكثر عن محيطه وعن تجاربه هذه، فراح يتعرف على الانماط المسرحية التي تعيش او التي ظهرت في مجتمعات تختلف عن مجتمعه او المجتمعات التي عمل فيها، فزار مع لفيف من اعضاء فرقته، عددا من اقطار اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية يدرسون ويجربون ويرتجلون..!

وراح بروك ينشر افكاره في مطبوعات المركز العالمي للمسرح التابع لليونسكو في باريس حيث يعد واحدا من الاعضاء المهمين في هذا المركز.. وما زال بيتر بروك يجرب ويبحث ويتساءل.

فماذا يمكن لنا ان نأخذ منه وماذا يمكننا ان نضيف من (بعض تجاربه حالات تفيدنا على صعيد التطبيق في تجارب مسرحنا؟

انها محاولة للاطلاع والتعرف وتلك ابسط المحاولات..

3/7/1988

قليلا مع: بيتر بروك..!

(2)

في مسرحنا العراقي تجارب غنية يمكن لنا ان نضعها في مصاف افضل التجارب المسرحية العربية، بل ان عددا من مخرجينا قد خاضوا المحاولات المبدعة التي يمكنني وبدون تردد ان اشير اليها باعتزاز يرقى بها الى مستوى العالمية لاصالتها اولا ولانها تجاوز الكثير من المحاولات المبدعة في اكثر من ميدان مسرحي متقدم – ثانيا – ان لمخرجينا طرائقهم واساليبهم في الاخراج وان لبعضهم صيغا صارت متميزة بخاصيتها ومنطلقاتها في بناء وخلق العملية المسرحية عن المخرجين الاخرين.. وراح كثيرون ينتفعون منهم ليوحدوا طرائق اخرى مستوحاة منهم ومطورة لها.. من هذا المنطلق ومن معرفتنا لما شاهدناه من مخرجينا المبدعين نحاول ان نظل قليلا مع مخرج تحدثنا عنه بايجاز كي نتعرف عليه وعلى بعض من تصوراته الاخراجية بل والمسرحية عامة كي يكون معنا في الصورة ونكون معه في تصوراته ومن هذين الموقعين تتم الفائدة المطلوبة. يروي لنا بيتر بروك حادثة طريفة ذات دلالة مهمة فيقول.

دخلت الى صالة البروفات وتحت ابطي مجلد فخم كتبت فيه كل ملاحظاتي ورسمت تصميم وخطوط الحركة كما اتصورها لكنني سرعان ما ادركت ان هذا ليس الطريق الصحيح..

لقد كنا اجرينا المرحلة الاولى من الحركة التي ارمز لها بالحرف (أ) في اوراقي ولكن كان واضحا لي الا احد في مكانه الملائم وان الحركة (ب) لا يمكن ان تحدث وسقط قلبي واحسست رغم كل استعدادي انني قد ضعت! هل كان علي ان ابدا من جديد؟ واطوع هؤلاء الممثلين حتى يلائموا افكاري؟ كان حدث في داخلي يغريني بأن افعل هذا لكن صوتا آخر اكد لي ان النمط الذي اعددته هنا في اوراقي اقل اثارة وحيوية من هذا النمط الذي سيفتح امامي ثريا بالطاقة مليئا بالتنويعات الفردية متشكلا من حماسة الافراد وتكاسلهم واعدا بايقاعات مختلفة مفتوحا عن امكانات كثيرة غير متوقعة. لقد كانت لحظة فزع وانني اظن اليوم وانا استرجعها ان مستقبلي كله كان في كفتي الميزان. توقفت ثم تحركت مبتعدا عن كتابي الفخم! متجها نحو وسط الممثلين. من يومها لم انظر ابدا الى خطة مكتوبة فقد ادركت مرة وللأبد – حماقة فكرة ان النموذج المجسم يمكن ان يكون بديلا للانسان)!

لقد ادرك بروك اذا وهذه حقيقة خالدة ان جمود الرؤية وفق تصور احادي وفي اطار غير متحرك يحد بل يقتل ابداع الانسان الفنان وان ليست هناك عملية (خلق) دون ان يكون للانسان المبدع وهو الممثل دور فيها.. ويقول: (لست ثمة صياغات نهائية وليست ثمة مناهج انني استطيع ان اصف تكنيكا او تدريبا ولكن اذا حاول احد ان يستنتج هذا الوصف فلا شك عندي ان النتيجة لن ترضيه وانني استطيع ان اعلم اي شخص كل ما عرفته عن قواعد المسرح وتكنيكه في ساعات قلائل اما الباقي فهو الممارسة وهذا ما لا يمكن ان يقوم به فرد وحيد):

ان المخرج في مثل هذه الحالة بل وفي حالات التطبيق المسرحي ليس شرطا ان يكون (معلما) جيدا والعكس صحيح ايضا.. هناك معلمون جيدون يقدمون للطالب المادة العلمية والفنية الجيدة والعميقة لكن ذلك لا يوفر القدرة الاخراجية المبدعة حين توضع تلك المعلومات في علبة مقفلة تقدم جاهزة لمجموعة من فنانين لهم تصوراتهم وخلفياتهم وابداعاتهم فذاك ما يميت كما اعتقد وكما استنتجه بروك من تجربته.. اقول تميت الخلق الذي يتألق خلال العملية المسرحية التي تكون حالة جماعية يكمل بعضها بعضا.. وهذا ما نعتقد به وما ندعو اليه في مسرحنا بصورة خاصة..

 

يوسف العاني

http://www.azzaman.com/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.