مسرحيون أضاءوا الخشبة بنصوص ثرية

يقتضي الحديث عن النص في مسرح الإمارات مراجعة عامة بين البعد التاريخي والواقع الراهن في ضوء المتغيرات التي طرأت على الحياة المسرحية، منذ إرهاصاتها الأولى مع ما كان يقدمه الراحل المرحوم علي بو رحيمة من فصول تمثيلية عام 1950 بمدرسة القاسمية بالشارقة، إضافة إلى أول نص كتبه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بعنوان «وكلاء صهيون»، أو تلك النصوص التي كتبها واثق السامرائي،

 

 

أو جمعة غريب، مروراً بمرحلة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

لا يمكننا أن نعقد قراءة نقدية لتلك النصوص التأسيسية في مراحلها المختلفة، أولاً لعدم توفر معظمها، وثانياً لأننا بصدد تقييم الراهن المتحرك انطلاقاً من التراكمات الكمية التي شهدتها مجمل الحلقات المتتالية للحياة المسرحية في الإمارات، وما تم فرزه في السنوات الأخيرة من نصوص مغايرة لكل تلك المراحل على الرغم من أنني لا ألغي عدداً من النصوص والكتّاب الذين أثْروا مراحل عديدة من الحياة المسرحية، إلا أن كل مرحلة مرهونة بظروفها وبالمتغيرات التي تعيشها والإنجازات التي تمت.

ندرة النص

لقد عانى المسرح في الإمارات في العقدين الأخيرين من القرن الماضي من ندرة النص المحلي، مثلما عانى من أن معظم المطروح من النصوص لم يرتق لمستوى جيد يتلاءم وما شهدته تلك السنوات من حراك مسرحي متطور ومتجذر، وحركة واسعة شديدة في عنفوانها، بل إن الحماس كان يصطدم بندرة ومستوى النصوص المسرحية.

كانت المتغيرات الاجتماعية، أو ثورة الأسمنت والبناء التي شهدتها تلك الأعوام، وتغير وسائل الإنتاج ونمط الحياة وانتشار المدارس النظامية تشكل ثورة حياتية واقتصادية كان لا بد للمسرح أن يتواصل معها ويكون بمستواها، وعليه فقد ظهر عدد من الكتّاب الذين حققوا فعلاً إنجازات مرحلية سدت نقصاً كبيراً في الإنتاج المسرحي، وأعطت هوية واضحة للمسرح في تلك المرحلة، ووقفت بنجاح إلى جانب المسرحية العربية التي كانت تُقَدّم بنصّها وشكلها، أو بعد إعدادها.

إضافة إلى ما كان يطرح من نصوص عالمية وظّفت لصالح المجتمع المتغير بكل ما فيه من وسائل وبُنى طالت حتى بناء الإنسان ذاته.

 

تجارب

ولعلنا هنا نذكر باعتزاز تجارب لمسرحيين بعضهم واصل المسيرة مع المسرح، وبعضهم انتقل إلى أنشطة أخرى، أو اعتكف أو تراجع أو اختار الظل حياة له. من الذين لم يواصلوا وكانت لهم أعمال يشار لها في تلك الفترة على سبيل المثال: د. سليمان موسى الجاسم، عبيد الجرمن، سعيد بوميان، ظاعن جمعة، عبدالله الأستاذ، ناصر النعيمي، عبد الرحمن الصالح، أما الذين واصلوا الكتابة حتى الآن فمنهم: عمر غباش، أحمد راشد ثاني، ماجد بو شليبي، سيف الغانم، إسماعيل عبد الله وغيرهم كثيرون.

ظهرت العديد من المسرحيات اعتبرت محطات جيدة تسجل للعديد من الكتّاب؛ فعلى سبيل المثال: مسرحية السلطان لناصر النعيمي، وهي مسرحية تاريخية لم يحاول النعيمي تكرار تجربته الأولى أو يطورها، وظلت يتيمة، في حين قدم د. سليمان الجاسم (غلط غلط) و (سبعة صفر) .

وقد أحدثت الأولى ضجة لجرأة طروحاتها وإسقاطاتها لأهم قضايا وإشكالات تلك الفترة في حين كتب عبد الله الجرمن (الخوف، ومجانين ولكن) أما الراحل المبدع أحمد راشد ثاني فقدم عدداً من المسرحيات التي شكلت ظاهرة متطورة للنص المسرحي مثل: الأرض بتتكلم أوردو، للأرض سؤال، العب وكَول الستر، قفص مدغشقر.

حركة شبابية

في خلال عشرين عاماً مضت، نضجت حركة شبابية لكتابة النص المسرحي، ومع التداخل الزمني، وتواصل مجموعة من الكتاب الذين بدأوا قبل هذه الفترة وتداخلت أزمانهم وأعمارهم وتجربتهم نستطيع القول: إن الساحة المسرحية أفرزت مجموعة من الكتّاب استطاعوا أن يحققوا قدراً كبيراً من المنجز في توفير نص جديد، عبر رؤى واعية وفق التحولات التي شهدتها الدولة، والثورة التقنية والمعلوماتية حتى تحققت وأصبحت جزءاً من هذا العصر. ظاهرة الكتّاب الشباب لم تقتصر على أحادية الاتجاه، إنما جمعت بين العددية والمنافسة والتطور والتنوع.

إضافة إلى أن معظمهم من جيل شباب واعد يمثلون بمجموعهم تجربة متكاملة. لم تأت التجربة الجديدة من فراغ، إنما جاءت عبر مخاض طويل من التجارب التي جمعت النجاح والفشل، بل إن التجربة المعاصرة استندت إلى تراكمات الفترة التأسيسية، لذا نجد أن هؤلاء الكتّاب الشباب يمثلون طليعة مسرحية، ولعل معظمهم لم يتجاوز العقد الرابع من عمره، وعلى الرغم من شبابيتهم فإن الناتج النوعي والكمي يشكل ظاهرة جديرة بالدراسة.

 

منهج وأسلوب

لقد حاول كل واحد من الكتّاب الشباب إيجاد منهج وأسلوب تخصص به، وإن حاول البعض الآخر أن يجرب في كل الأساليب والمناهج، فمثلاً ناجي الحاي يمتلك أسلوبه الخاص ومنهجه الذي حاول أن يخضع عناصر التراث وحكاياته الشفاهية ليسقطه على الواقع المعاش دون انفصال.

ونرى ذلك بوضوح في مسرحياته التي نشير إليها إشارة فقط لأن العرض لا يستوعب تحليلاً دقيقاً وقراءة ما، تتجسد رؤاه أكثر في (حبة رمل، سفر العميان، زكريا حبيبي، خرزة الجن) وغير ذلك .

أما باسمة يونس فهي صوت واعٍ زاوج بين كتابة النص القصصي والكتابة للمسر ح لتقدم أيضاً منهجاً مغايراً قد يلتقي بمنهجها القصصي، إلا أنه بالضرورة يرتبط مع الواقع الحديث ارتباطاً بخيوط عديدة مع نسيج المجتمع الوسيط، لذا شاهدنا لها العديد من مسرحيات تصنف كأعمال ناضجة وممتعة مثل (بنت النوخذة، مساء للحب، عروس البحر، آخر ليلة باردة، البديل)، وباسمة أيضاً لا ننسى أنها امرأة لنجدها مع كل امرأة تطرحها في مسرحياتها أو حتى قصصها والتي بدأت مع مجموعة عذاب عام 1987.

جمال سالم يمتلك منهجه هو الآخر، وأسلوبه الذي يتحرك في إطاره، وهو أيضاً لا ينفصل عن تاريخ المنطقة وتراثها، ويتخذ من بعض خيوط التراث رابطاً أساسياً، في طرحه الجديد، وهو متميز أيضاً في كتابة نص جديد يمثل تطوراً فنياً بين زملائه مثل مسرحياته الموسومة (سجون خمس نجوم، طارش والعنود، فراش الوزير، مال الله الهجان، دار الهوى دار، بهلول والوجه الآخر، براجيل، يا ساهر الليل، شمبريش) وغير ذلك.

أما د. حبيب غلوم، الذي يجمع ما بين الإخراج والكتابة والتمثيل، فهو أيضاً امتاز بقدرته على التركيبات المسرحية للنص والتوفيق الدرامي مثل مسرحية ( عائشة)، أما مسرحية (ماذا بعد؟) فتعتبر نموذجاً لطروحاته وتجربته، إضافة إلى أنه يمتاز أيضاً بكتاباته المتخصصة في المسرح عبر دراساته الأكاديمية.

 

الإخراج والكتابة

صالح كرامة هو أيضاً يجمع ما بين الإخراج والكتابة، وهو أيضاً كاتب قصصي، وأديب وله أسلوبه وطروحاته التي يمتاز بها، وهو أيضاً لا تقتصر كتاباته على منهج واحد في المسرح فهو يكتب للأطفال مثل مسرحية (حورية) كما يكتب لمسرح الكبار مثل مسرحيات (يا ليل، سراب ، حرقص، عيناها وغيرها).

إسماعيل عبدالله أحد العناصر التي بدأت في الثمانينات يجمع ما بين الإخراج والتأليف المسرحي والتمثيل، إلا أنه في السنوات الأخيرة ركز على كتابة النص المسرحي ويمتاز بالغزارة في الكتابة رغم عدم تأثيرها في النوع بشكل عام على سبيل المثال لا الحصر، بعضٌ من هذه المسرحيات تعتبر علامات في كتابة النص المسرحي في الإمارات مثل خبز خبزتوه، البشتخته، اللوال، غصيت بك يا ماي، حاميها حراميها، زمان الكاز، بقايا جروح، قوم عنتر، الذي نسي أن يموت، مولاي يا مولاي، بين يومين، مجاريح، البقشة، البوشيه، صهيل الطين وغيرها.

لا بد من الإشارة إلى تجربة عمر غباش الكتابية إلى جانب اضطلاعه بالإخراج فهو من المخضرمين في كتابة النص المسرحي من النص الأول في بداية الثمانينات، أغنياء ولكن، وحتى النصوص التي تشكل تطوراً لتجربته الكتابية أمثال: شما، قشور القلب، عرسان وعرايس، وغيرها.

عبدالله صالح هو الآخر ساهم في كتابة العديد من النصوص المسرحية مثلما جرب في الإخراج والغناء والموسيقى والتمثيل، وكتابة الشعر باللهجة المحكية، فهو يحاول أن يكون شاملاً، في فنون المسرح، له عدد من النصوص أذكر منها: القصيدة الأخيرة، انتظارات، السردال، بيت القصيد، وغير ذلك.

مرعي الحليان ممثل يمتاز بحضور متميز على الخشبة فاجأنا بنصه الذي أعتبره خلاصة لتجربته (باب البراحة) في اعتقادي لو أنه لم يكتب غير هذا النص فهو جدير بالدراسة والتحليل على بساطة النص وتركيباته وتجلي حواراته وعمق وصدق طروحاته، ومرعي يكتب أيضاً للأطفال مثلما كتب للكبار، مثل (التراب الأحمر، بومفتاح في المجلس الوطني) وغير ذلك.

الأصوات الجديدة

أما الراحل سالم الحتاوي فيمكن طرحه أنموذجاً للأصوات الجديدة، التي مارست الكتابة للمسرح في العقدين الماضيين، وعلى الرغم من قصر السنوات التي قضاها بين كواليس المسرح كاتباً فقد أنتح حوالي 23 نصاً مسرحياً، تعتبر معظمها في طليعة نصوص هذه الفترة، ونموذجاً متطوراً للنص المحلي، وكاتباً موعوداً للمسرح العربي غير أن القدر لم يمهله لاستكمال مشروعه الكتابي، يقول عنه المخرج محمود أبو العباس:

“إن نصوصه بقدراتها التي حاولت وضع رؤى متنوعة في بنائه يدفع بالقارئ إلى استخدام آلية في التفكير، تفصح عما هو متاح في التجريب ومن محاولة في الارتقاء بالصورة المسرحية إلى التجلي مع الصورة الشعرية التي دفعت الحتاوي بنبضها لتكون مسرحيات مقلقة للذي يتعاطى معها في الخروج من مأزق الواقعية إلى التفاصيل الدقيقة التي تحكم الذاكرة التجريبية”.

تنوع

إن سالم الحتاوي لم يقتصر على كتابة النص المسرحي للكبار فقد كتب للأطفال أيضاً، فكان أحد أهم الكتّاب المؤثرين في المسرح المحلي من خلال ما يطرحه في نصوصه من خصوصية تختلف ليس في ما يطرحه من فكر إنما في أسلوب الطرح واختيار حواراته، فهو لم يكن إلا في طليعة كتّاب جيله على الرغم من غزارة إنتاجه.

والذي تحدد في سنوات محدودة، فقد ترك لنا على سبيل المثال.. أحلام مسعود، الملة، ليلة زفاف، زمزمية، عرج السواحل، الياثوم، زهرة، الجنرال، إنها زجاجة فارغة، جوهرة، جنون البشر، هود يا أهل البيت، دور فيها يالشمالي، مرادية، خلخال، صمت القبور، وقد كتب للأطفال أيضاً أذكر ما وصلنا منها (أرض الخير، جزيرة الطيبين، الأميرة والساحرة والعجوز، زهور والمنظرة المسحورة، مملكة السلام، ياسمين والمارد الشرير).

إن تجربة سالم الحتاوي ثرية بما ترك من ثراء وسخاء وبجهده والشباب استطاعوا أن يسدوا نقصاً هاماً في المسرح المحلي، وبالتالي فإن التجربة بعمومها قد أفرزت ظاهرة إيجابية في الكتابة، لا ندّعي أن كل النصوص جاءت بمستوى ممتاز إنما لا بد من التفاوت في المستويات لكنها بمجموعها تسجل ظاهرة إيجابية وحالة متطورة جاءت نتيجة حتمية إفرازاً للتراكمات التي حققتها المراحل والمحطات السابقة التي مرت بالمسرح في الإمارات، على الرغم مما يعانيه المسرح العربي عموماً من انحسار.

أزمة النص

المسرح في الإمارات في العقدين الأخيرين من القرن الماضي عانى من ندرة النص المحلي، مثلما عانى من أن معظم المطروح من النصوص لم يرتق لمستوى جيد يتلاءم وما شهدته تلك السنوات من حراك مسرحي متطور ومتجذر، وحركة واسعة شديدة في عنفوانها، بل إن الحماس كان يصطدم بندرة ومستوى النصوص المسرحية.

 

المصدر:

  • عبد الإله عبد القادر

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.