حكيم حرب ومختبره المسرحي في السجون

 

 

 

لم أكن لأتوقّع أنني سأعثر على كنز للكتابة والتّفكير الإيجابيّ، عندما استلمتُ صباح أمس رسالة قصيرة من المخرج المسرحيّ الجميل حكيم حرب، على صفحته على “فيسبوك”. فقد اكتشفتُ أنّ هذا الشابّ الموهوب وقليل الكلام والذي تقفز بلاغةُ الأخلاق والإبداع من عينيه، منكبّ على مختبر مسرحيّ جوال، وهذه المرّة في السجون. فما معنى ذلك؟
معناه أن حرب قد عثر على جوهر معنى المسرح وجوهر معنى الفنون: الإنسان. فمن دون هذا الجوهر سيكون من العبث والتّرف إقامة أيّ بنيان لا يكون فيه الإنسان عموده الفقريّ، بغضّ النّظر عن الموضوع وسبل المعالجة. فحتى السّياحة في ملكوت الطّبيعة وتمجيد الجمال في فطرته النّقيّة يأخذ وزنه من أنّ الإنسان هو متلقي هذا الجمال وسِفر حفظ تلك الطبيعة والإحاطة بها. فكيف إذا كان هذا الإنسان سجيناً؟ أي مُنتزعاً -لسبب أو لآخر- من سياق الحياة إلى هامشها، أو من قاعها المظلم إلى قاعها الأشدّ إظلاماً (وهل في السجن من نور؟)! ذلك أنّ قصص السّجينات في سجن جويدة تُحيل فوراً، ودون أيّ تقعّر أيديولوجيّ، إلى القهر الاجتماعيّ والنّفسيّ والبدنيّ الذي تتعرّض له المرأة في مجتمع يُذيقها الويلات قبل أن تتخايل لها الجريمة كحلّ أمثل لآلامها!
ولما كان حكيم حرب كمسرحيّ متمكّن ومتنوّر على بصيرة من الأثر الذي يمكن أن يتركه المسرح في النّفس البشريّة من خلال المتعة والتّرفيه ومن خلال الاندماج في العمليّة المسرحيّة برمّتها، فقد جاء مسرحه التجريبيّ الجوّال -وبحسب ما قرأت من ملاحظات حول ردود أفعال تلميذاته من السّجينات وذلك على صفحته على “فيسبوك”- نوعاً من العلاج لتلك الأرواح الهائمة في خلوّ المعنى، وتأهيلاً لها لحياة ما بعد السّجن والإفراج.
وإنّها لفكرة جليلة حقاً أن يتجوّل مسرح تجريبيّ تتبناه وزارة الثقافة، في مؤسّسات هي في الاهتمام المجتمعيّ في أدنى سلّمه، حيث يبدو المسرح النافذة الوحيدة لتنفّس هواء الحريّة والإنسانيّة! مع أنّ هذه المؤسّسات (السّجون) مقرّ لصفوة أخفق النّظام الاجتماعيّ في درئها عن الجريمة، وأفسد أرواحها بالجهل والفقر وضيق الحيلة والحلّ السّريع المدمّر، وألقى بعضها في اليأس المطبق!
ومن هذا النموذج المضيء والرائع في التّعامل مع الفنّ والمجتمع، أجد من نافل القول التأكيد على الدّور البطل الذي للفنون في إنقاذ الروح البشريّة من الظلاميّة والتّفكير الظلاميّ، ومن البشاعة بأنواعها، ومن الخسران في معركة الوجود مع قيم الحقّ والخير.. فلطالما جاهرنا بالقول لكي تصحو الحكومة ومؤسّساتها والمجتمع بمؤسّساته على الطّفولة والشّباب قبل أن يغرز التّعصّب والتّفكير المتطرّف وذاك المنحرف والمريض أظفاره في عقولهم الهشّة وأبدانهم الطريّة!
ولعلّه ليس متأخّراً أن نجد مبادرات إيجابيّة كتلك التي قادها المسرحيّ المتميّز حكيم حرب، فنجد مختبراً جوالاً للفنّ التّشكيليّ، وآخر للرّقص والفنون الإيقاعيّة، وثالثاً للموسيقى، ورابعاً للكتابة الإبداعيّة، وغيرها للقراءة… وهكذا. وهي دعوة لا أقترحها على وزارة الثقافة (التي أضع يدي على قلبي من أن تتخلى فجأة عن مشروع حرب هذا، فمن قبل أوقفت مشروعاً مهماً من مشاريعها وهو “التّفرغ الإبداعيّ!)، بل أقدّم الدّعوة إلى أصدقائي وصديقاتي من أهل الفن والإبداع لتحريك المجتمع من بلادته والمؤسّسة الرّسميّة والخاصة من حالة “ما خصّنا!” المتفشّية، والذّهاب إلى عمق المجتمع في ظروفه غير الإنسانيّة، والتلويح ببوارق أمل للعثور على معنى في حياة البؤس والهوان تلك!
من المؤكّد أنّ قصصاً كثيرة، كتلك التي التقى بها حرب، سوف تُثري جعبة المبدع والمبدعة كمكافأة فوريّة على ذلك الجهد الضّئيل وغير المُكلف والمتمثّل في تحريك ساكنِ حياة أفراد وفتح شبابيك صغيرة لتهوية العقل وتمرير الأمل!
وعلى ذلك أعقدُ الآمال…!!!

 

http://www.alghad.com/


عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.