عبد الناصر حنفي يكتب: نحو تمثيل عادل لنوادي المسرح في المهرجان القومي

 

أثناء التحضير لانعقاد الدورة الأولى لمهرجان المسرح القومي (2006)، كانت نوادي المسرح قد بدأت تتعافى بالكاد من تبعات كارثة محرقة بني سويف، كان هناك بعض التعاطف في دوائر صنع القرار المسرحي، مثلما كان هناك شعور بالانزعاج الشديد لدى المسئولين الكبار مما إعتقدوا أن النوادي قد سببته لهم من إحراج بالغ، لكن الجميع توافقوا على أن ظاهرة النوادي لن تستعيد شيئا من حيويتها قبل عدة سنوات وأن هذا قد يكون أفضل للجميع.

هذا الشعور المعادي للنوادي والداعي لتأبينها وفقط، لم يقتصر التعبير عنه على مجرد آراء تطرح بين أروقة المكاتب أو داخلها، وإنما تحول إلى سياسات وقرارات رسمية، فجرى حينها تقليص الميزانية للنوادي وإستنفاد جزء كبير منها في أنشطة أخرى (مثل المهرجانات)، فضلا عن خفض وضعيتها الإدارية من إدارة إلى قسم، وصدرت مكاتبات رسمية بذلك، وهو ما مثل إشارة واضحة إلى كبار وصغار المسئولين في المواقع والمحافظات بان هذا النشاط لم يعد على رأس قائمة أولويات هيئة قصور الثقافة، وأن عليهم تحجيمه قدر الإستطاعة.

في تلك الفترة إذا كانت حركة النوادي وكل المنتمين “الحقيقيين” لها يخوضون ما إتضح، مع مرور بعض الوقت، أنه صراع وجود، وليس مجرد جهد يسعى لإستعادة حيوية النشاط، ولذلك بدا أن فتح معركة جديدة وجادة حول تمثيل النوادي في المهرجان القومي أمرا من قبيل الرفاهية التي تستلزم طاقة كانت مستنفدة حتى آخر قطرة منها في “معركة الوجود”.

وفي هذا الإطار -بالإضافة إلى أمور أخرى- جاءت لائحة المهرجان القومي (التي حاولت أن تكون مفصلة قدر ما استطاعت فيما يتعلق بمعظم كيانات مسرح الهواة) خالية من أي ذكر خاص للنوادي، مكتفية بالحديث عن نصاب عام لعروض التسابق المخصصة للهيئة العامة لقصور الثقافة.

وبرغم كل ماسبق، وبإعتباري كنت حينها مديرا للنوادي، فقد خضت صراعا شرسا داخل الإدارة العامة للمسرح وخارجها من أجل الحصول على نصاب ملائم  للنوادي ضمن العروض المشاركة بالمهرجان:

جادلت، وغيري، في مواجهة إدارة المسرح، والصقور من مخرجي فرق الشرائح، أن عدد عروض النوادي يزيد عن عدد عروض الشرائح، وبالتالي يجب توزيع مشاركات المهرجان بينهما بالتساوي، على الأقل.

كما جادلت أيضا أن لائحة المهرجان خصصت عرضين أو أكثر لبعض من كيانات مسرح الهواة والتي لا يمكن مقارنة عدد عروضها المنتجة كل موسم بإنتاج النوادي، وبالتالي يجب الاعتراض رسميا لدى إدارة المهرجان ومطالبتها بمعاملة نوادي المسرح بما يليق بإنتشارها الجغرافي، وتوسعها الإنتاجي، ومنجزها الجمالي.

لكن النتيجة النهائية لم تسمح سوى بتخصيص –شبه ودي- لعرض وحيد لنوادي المسرح، وهكذا، شارك عرض “يمامة بيضا” (إخراج الصديق محمد طايع) في الدورة الأولى للمهرجان، والذي طاله ما طاله بسبب هذه المشاركة.

وحتى هذا العرض الوحيد لم نستطع الحفاظ عليه دائما، فلأن الأمر برمته متعلق بقرار داخلي، فقد إختفت مشاركة النوادي في بعض الدورات نتيجة تغيرات مزاجية تجاهها من قبل من تولوا الإدارة العامة للمسرح.

والآن، وبينما أشاهد عروض تسابق الدورة الحالية، وبعضها قد لا يزيد مستواه الفني عما قدمته عروض للنوادي فشلت في التصعيد للمهرجان الختامي للموسم الحالي، أشعر بحسرة شديدة أننا –جميعا- لم نتمكن من الدفاع عن تمثيل عادل للنوادي في هذه المسابقة، وما زاد من تفاقم هذا الشعور المرير هو تقرير الصديقة “عبير علي” حول أعمال لجنة مشاهدة وإختيار عروض المهرجان، والذي نشرته في نشرة المهرجان منذ عدة أيام، ويتضح منه المصاعب التي واجهت تلك اللجنة في إختيار العروض مع تقلص إنتاج مسرح الهواة هذا الموسم، وخاصة فيما يتعلق بالمسرح الجامعي الذي كان الأكثر تأثرا بظروف عدم الإستقرار، وربما يمكننا معاينة أثر هذا الأمر بالعودة إلى عروض المهرجان، والتي ضمت أربعة مخرجين لكل منهم عرضين (أي 20% تقريبا من عروض المهرجان ككل) بالإضافة إلى عروض هي في الأصل أعدت كمشروع تخرج لممثلين (ومعروف بالطبع البنية “الغرضية” والإجرائية التي تهيمن على مثل هذه المشاريع). ولكن مقابل هذا المأزق الذي واجهته هذه اللجنة، ونتج عنه تلك الإختيارات المربكة والمرتبكة، كانت نوادي المسرح قد أنجزت، منذ أشهر قليلة، خمسة مهرجانات إقليمية ضمت قرابة المئة عرض، وتم تصعيد حوالي عشرين منها إلى المهرجان الختامي الذي ينتظر أن يقام في الشهر القادم، ولو أن اللجنة كان بمقدورها الإلتفات إلى بعض هذه العروض لكان ذلك قد أعفاها من بعض الإختيارات المثيرة للجدل، ولكن للاسف لائحة المهرجان لا تسمح لهم بذلك، بينما ضوابط المسرح بالهيئة العامة لقصور الثقافة تمنع شباب النوادي من التقدم أمامهم للمشاهدة بوصفهم هواة، بإعتبار أن الهيئة وحدها هي صاحبة الحق في ترشيح عروضها لأي مهرجان.

وهذه الملاحظة تلخص أمامنا أزمة شباب النوادي سواء في التعامل مع المهرجان القومي أوغيره من الفعاليات المسرحية خارج الهيئة، ولذلك ينبغي أن نتوقف عندها قليلا، فأصل الأزمة أن لائحة المهرجان القومي تعاملت مع عروض الثقافة الجماهيرية وكأنها كتلة إنتاجية واحدة تتبع جهة واحدة، بينما تتعامل “الهيئة” مع عروض النوادي وكأنها من إنتاجها بالكامل، وكلا هاتين القراءتين لا تتسمان بالدقة كما سيتضح فيما يلي:

أولا: عروض “الهيئة” ليست كتلة إنتاجية واحدة تخضع لذات النظام الإنتاجي مثلما قد نجد في البيت الفني للمسرح، فهناك عروض الفرقة المركزية، أو فرقة السامر ذات النظام الإحترافي “تقريبا” والتي تعادل وأحيانا تفوق بعض فرق البيت الفني سواء في حجم ميزانيتها أو عدد عروضها كل موسم (وقد حذفت لائحة المهرجان هذه الفرقة تماما من إهتمامها بإشتراطها أن يكون الترشيح منصبا على العروض الفائزة في مسابقات الهيئة)، مثلما أن هناك نظام إنتاج الشرائح لفرق القوميات والقصور والبيوت، والذي تتباين مخصصاته الإنتاجية داخل النظام نفسه ولكن طبقا لقواعد موحدة، ثم بالأخير هناك النوادي، حيث ميزانيات ضئيلة للغاية، ونظام إنتاج تسوده روح وطرائق الهواة أكثر من الضوابط  بل و”القوانين” الرسمية.

ثانيا: لا يمكن القول بثقة أن عروض نوادي المسرح من إنناج الهيئة وحدها، فالعرض يبدأ بمبادرة من مجموعة من المسرحيين التي تنتخب نفسها وتحدد مشروعها، وترسم لنفسها طريقا، ودور الهيئة التنظيمي يبدأ بعد ذلك، بالموافقة على مشروع مكتمل المعالم فعلا، ثم صرف ميزانية زهيدة تخصص للخامات المستخدمة في الإنتاج وفقط، ولو قارنا هذه الميزانية بالتكلفة الحقيقية المفترضة لإنتاج العرض، طبقا لضوابط الهيئة!، من أجور ومكافآت للمخرج، ومصمم الديكور، ومنفذيه، والشاعر والموسيقى، والعازف والمغني، والممثلين، وطاقم المساعدة الإخراجية .. إلخ (وكلها تكلفة غير مدفوعة تتحملها مجموعة عمل العرض) فسنجد أن الهيئة في النهاية تتحمل نسبة تتراوح بين 5% إلى 10%، من تكلفة الإنتاج، فضلا عن أن نظام النوادي وقواعد الهواة التي تسوده يتيح للهيئة التحلل من إلتزامها القانوني بأداء حق مؤلف النص، وهو الأمر الذي لا تستطيع إقترافه في اي نظام إنتاجي آخر دون الوقوع تحت طائلة القانون.

وفي عام 2006، وكمدير للنوادي حينها، أطلقت مبادرة لتصحيح هذا الوضع، والإعتراف بحالة الشراكة الإنتاجية بين الهيئة ومجموعات عمل عروض النوادي، مع وضع الضوابط والإجراءات التي تضع إلتزامات مشتركة على “الطرفين”، لكن هوس الإستحواذ لدى المسئولين قتل هذه المبادرة بعد وقت قليل وأعاد الوضع كما كان.

وهذا الوضع قد عرض شباب النوادي لإحراجات أخلاقية قاسية كنا نستطيع تجنيبهم عبئها بسهولة ، فنتيجة لرغبتهم الدائمة في المشاركة بعروضهم في اي محفل مسرحي، يسقطون أسم الهيئة ويتقدمون بعرضهم وكأنه لا يخص سواهم، وهو ما حدث كثيرا، وبالأخص مع المهرجان القومي الذي لا تسمح لائحته لهم بفرصة المشاهدة مثل غيرهم من الهواة ما دام اسم “الهيئة” على العرض.

إن ظاهرة نوادي المسرح –في نظر الكثيرين- هي الحركة الأم لمسرح الهواة في مصر، إن لم تكن هي الظاهرة المسرحية الأهم في مصر خلال العقود الأخيرة، وما تتعرض له لا يليق أبدا بما تتمتع به من حضور ووزن نسبي الساحة المسرحية، وعلى إدارة المهرجان القومي أن تتقدم خطوة للأمام فتحدد نصابا ملائما لمشاركة عروض النوادي في مسابقتها، أو تتراجع خطوة إلى الخلف وتمنح شبابها حق المشاهدة مثلهم مثل زملائهم من الهواة، أما الهيئة العامة لقصور الثقافة، فلا أمل يرجى منها طالما ظلت روح الإستحواذ البيروقراطي مهيمنة على طريقة تعاملها ونظرتها لعروض شباب نوادي المسرح.

 

عبد الناصر حنفي

http://elbadil.com/



عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.