ملتقى الشارقة يطرح إشكالية المؤلف المسرحي الغائب

 

ما بين الدورة الأولى لملتقى الشارقة لكتاب المسرح الذي تنظمه سنويا دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة ودورته الرابعة التي انتهت مؤخراً، يبرز سؤال جوهري يتعلق بالتأليف المسرحي، وهو السؤال الذي يجب أن تنبني عليه رؤية واضحة للفعل المسرحي في أي دولة من الدول، ذلك أن المسرح كمنظومة حضارية متكاملة لا يتقدم من دون وعي ثقافي أساسه التفكير، هذا التفكير القائم في متن النص المسرحي بصفته عملا إبداعيا فيه من الابتكار مثل ما فيه من الإبداع والرؤية الشاملة للكون والحياة .

ثاني الأسئلة المؤرقة في هذا المجال، أن هناك ظاهرة في غير بلد عربي، دأبت على التعامل مع النص المسرحي بوصفه نصا قابلا للعرض والمشاهدة، وتكاد تخلو في الوقت الحالي ظاهرة وجود مؤلفات مسرحية لتقرأ، شأنها شأن الكتب الأدبية والثقافية من رواية وقصة ونقد وغيرها، في الشق الأول، بات واضحا ومن خلال معظم المشاركات التي قدمت في الملتقى سعيها لمناقشة أعمال مسرحية جاهزة للعرض، أو أنها عرضت واستحالت مادتها الفكرية – إن وجدت – ترجمة جديدة وفق رؤية المخرج، وربما اشتراطات الرقيب ومقصه، فكان المؤلف المسرحي في آخر سلم العناية ومتروكا بالكامل لآليات عمل اللعبة المسرحية التي تقلب المعنى أو تتحايل عليه أو تقدم رؤية مختلفة وبعيدة عن النص ومحمولاته الدلالية والفكرية .
في الدورة الثانية لملتقى الشارقة لكتاب المسرح، تمت مناقشة محاور عدة أبرزها: “الكتابة المسرحية الجديدة” وذلك استكمالاً لموضوع الدورة الأولى 2011 التي ناقشت موضوع “النص المسرحي في مسرح ما بعد الدراما”، كان هدف منظمي الملتقى تقديم مقاربة وصفية للكتابة المسرحية الراهنة من جوانب متعددة، في ضوء راهن المسرح العربي، ورغم ايجابيات هذه العناوين التي ناقشت مضامين الكتابة المسرحية الجديدة وأشكالها، باستقراء نصوص لكتاب المسرح المرموقين في الإمارات، ناهيك عن مناقشة مضامين وتحولات الكتابة المسرحية الجديدة في مصر، والكتابة من خلال الفرجة المسرحية، أو كتابة المخرج والدراماتورغ بالتطبيق على نماذج الراهن المغربي، وغيرها من الموضوعات، جاءت الدورة الثالثة لتناقش محاور مهمة مثل: “تاريخ الكاتب في المسرح العربي”، بمشاركة ثمانية كتّاب من الإمارات والجزائر وسوريا والسعودية والأردن، وكانت إدارة الملتقى قد لفتت إلى سعي الدورة الجديدة إلى إبراز وجهات نظر معاصرة، عن تاريخ الكتابة المسرحية في الوطن العربي، ومقاربة موقع الكاتب في بدايات المشهد الثقافي العربي، والوقوف عند أبرز الإشكاليات التي كان عليه أن يجابهها أو يتخطاها دفعاً وتطويراً لتجربته، سواء في ما يتعلق بالجوانب التقنية للكتابة بوصفها ممارسة ثقافية وإبداعية أو في ما يخص قضايا المجال الاجتماعي العام، وفي هذا السياق ناقشت جلسات الملتقى وبمشاركة كتاب وخبراء عرب عناوين مثل: “الكتابة المسرحية وعروض الأداء الشعبي”، و”الكتابة المسرحية الإماراتية: البداية والامتداد”، و”الكتابة المسرحية العربية: جدل الاصالة والمعاصرة” و”الريادة في الكتابة المسرحية العربية” وغيرها .
خلاصة الدورة أكدت أن المسرح العربي الراهن يجنح كثيرا نحو مسرح الفرجة وليس مسرح النص، وأنه بتأثير من تيارات المسرح الغربي، ورواج فنون الأداء الجسدي الحديث، وتطور السينوغرافيا، ودخول الوسائط المتعددة في صناعة الفرجة، أصبح المخرج والدراماتورغ هما ما يشكلان النص المسرحي، بعيداً عن الكاتب الذي أصبحت نصوصه غريبة عن خشبة المسرح، وعما يحدث في القاعة .
وربما تكون هذه النتيجة من الخلاصات المهمة التي انتهت إليها فعاليات الملتقى في دورته الثانية، ذلك أن بعض الباحثين نعى إلى حد ما ذلك العهد التي كانت تنتج فيه نصوص مسرحية عظيمة تستقطب الكثير من القراء، وتقدم ثقافة مسرحية إلى القارئ العربي فتتكون لديه أرضية واسعة من الفهم قبل دخوله صالة العرض المسرحي .
إن التباين ما بين المستويين، ما كان سابقا وما أصبح سمة عصرية تستثمر النص لغرض الفرجة والمشاهدة وتكاد تسطو على الفكرة بالكامل، هي سمة ملحوظة ومتكررة في المسرح العربي الراهن الذي يجب أن يقف طويلا لاستدراك وتمعن وقراءة مشاكله، من أجل وقف تلك الصورة التي بدا فيها النص مجرد وسيلة فقط لانطلاق المخرج في صناعة نصه الخاص وفرجته الخاصة، التي غالبا ما تخلو من حاجة فنية واجتماعية فكرية، وتغرق في الظاهرة الشكلية والهامشية على حساب الرؤية الجمالية المعمقة .
في الدورة الرابعة للملتقى الذي خصص لمسارح الدول الإسلامية في إطار إعلان الشارقة عاصمة للثقافة الإسلامية كان التركيز على غياب الكاتب المسرحي الذي هو الأساس في تطور الدراما المسرحية فناً، وقدمت تجارب الدول الإسلامية المستضافة فكرة عن تطور الكتابة المسرحية في بلدانها، غير أن اللافت في هذه الدورة هو استعادتها لملخصات الدورة السابقة التي تتحدث عن تاريخ الكاتب في المسرح العربي، وهو تذكير في محله، لا سيما إذا عرفنا أن موقع هذا الكاتب يبدو هامشيا في الوطن العربي، قياسا إلى غيره من المشتغلين بالمسرح بخاصة “المخرج” و”الممثل” و”الناقد” ليس ذلك فحسب، بل إن نظرة إلى القوانين واللوائح الإدارية والنظامية التي تعتمدها العديد من المسارح القومية أو العمومية أو الوطنية في كثير من العواصم العربية، توشك أن تكون خالية من أي التزامات تجاه الكاتب المسرحي .

 

عثمان حسن:

http://www.alkhaleej.ae/a

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *