مهرجان ربيع المسرح المحترف بصفاقس: العرض الأول لمسرحية ثروة: لا مسرح تحت الحصار

 

 

 

ضمن فعاليات مهرجان ربيع المسرح المحترف بصفاقس الذي انطلق منذ الثلاثاء 22 افريل واختتم مساء أمس السبت كان الموعد مع العرض الأول لمسرحية «ثروة» إنتاج مركز الفنون الدرامية والركحية بصفاقس وإخراج حاتم حشيشة.

«ثروة» من تمثيل حمادي الملولي ونجم الدين بلغيث والياس اسماعيل وفضيلة بن عكاشة وجميلة خنفير، وساهم في توظيب الركح الاخضر عبيد ومحمد الهمامي توظيب تقني و الفيديو لصبري بوعزيزي والصوت الخارجي وظّبه الممثل الازهر بوعزيزي.

في اتحاد الفضاء بالموسيقى
ينطلق عرض مسرحية «ثروة» بصوت ايقاع قوي، نقر على الدف يتصاعد ويعلو كانه صوت دقات القلب متسارعة، يدخل الممثلون لتتناغم حركاتهم مع صوت الدف القوي يتراقصون بعبثية فكأننا أمام إحدى نصوص مسرحية السد وكأننا أمام صوت يندفع بقوة ويقول «هلهبّ هلهبّ أصبحت صاهباء» وكلما ارتفعت الموسيقى زادت الشطحات فوضى وجنونا، تشتعل الأضواء ليكتشف الجمهور الديكور البسيط طاولة وخمسة كراسي وستار شفاف يقسم الركح نصفين، مع خلفية ariere plan افتراضية تتغير بتغيير المواضيع، وحكاية «ثروة» هي قصة شابين وكهل يتشاركون السكن في منزل ملاصق لزاوية على ملك مطلقة تدعى ثروة، تتوطد العلاقة بينهم إلى أن تنتهي بمقتلها فيتبادلون التهم ومع كل تهمة يكتشف الجمهور قصة الأشخاص والغوص في ذكرياتهم الأليمة فلكل واحد منهم حكاية فجرتها موت ثروة.

الرقص والإيقاع كانا من مقومات الحبكة الدرامية في مسرحية ثروة فالأحداث تدور في زاوية لذلك استغل المخرج الموسيقى الصوفية ليبني أحداث عمل مسرحي حضرت فيه السخرية والنقد فكان الموعد مع الكوميديا الساخرة التي نقدت أكثر من موضوع في فضاء بسيط وزادت السينوغرافييا وخاصة الخلفية المتغيرة للمسرحية جمالا، فالمتفرج في تفاعله مع الأحداث ينتظر تغير الخلفية الافتراضية في إطار من التشويق، ففي المشاهد الرومنسية التي تجتمع الصحبي بثروة تكون الخلفية مزينة بلون احمر خافت مع موسيقى هادئة للإشارة إلى علامات الحب، وحين ينقب مفيد عن الآثار تصبح الخلفية سوداء قاتمة كما تجارة الآثار وعند التحدث إلى مقتل ثروة تظهر شمعة كبيرة منيرة ثم تنطفئ تدريجيا في إشارة إلى النهاية، باتحاد الضوء والموسيقى حضرت عوالم الفرجة واكتملت.

تتشابك القضايا في فضاء واحد
«ثروة» كوميديا سوداء في البداية يبدو الوضع طبيعيا مجموعة من الشباب يكتري منزل ثروة المطلقة، وبتقدم الأحداث يكتشف الجمهور أن وراء كل شخصية حكاية وتتضح قصصهم بعد موت ثروة، فالمسرحية قائمة على مجموعة من الاتهامات وراء كل اتهام تتضح قصة الشخصية، فثروة « فضيلة بن عكاشة» المغدورة امرأة تزوجت صغيرة من المولدي لتنجب ابنتها دنيا وبعد 20 عام يتضح أن المولدي لا ينجب الأبناء فمن هو والد دنيا هكذا يتساءل الممثلون، لتكون ثروة مهددة بالموت في كل لحظة، والصحبي « حمادي الملولي» المعلم السجين السياسي عاشق ثروة وجد نفسه بعد سنين من البطالة والسجن يتمتع بالعفو التشريعي العام ولكنه يجد صعوبة في الاندماج من جديد يعشق ثروة فيقتلها حبا و»من الحب ما قتل».

أما مفيد «نجم الدين بلغيث» فهو يتيم الأبوين، عاشق للكنوز مهنته التنقيب عن الآثار والمتاجرة فيها يقتل ثروة لأنه اكتشف أنه ينقب عن الكنوز في الزاوية ويريد التفرد بالربح، مفيد يستجمع قواه ويقتلها فللكنوز والمال السطوة أمام كل المشاعر الإنسانية.

أما شهد «إلياس اسماعيل» فيكتشف الجمهور انه ابن المعلم حسين الذي عذبه في صغره وكان الطفل يحمل وزر أخطاء أصدقائه يحب دنيا ابنة ثروة ويحلم ان يتزوجها وفي تقدم الأحداث يكتشف أن دنيا أخته فهي ابنة المعلم حسين أيضا ويقتل هو الآخر ثروة أمه التي أنسته وجيعة أيامه.

تتصاعد الأحداث وتتشابك القضايا المطروحة ففي مدة تتجاوز الساعة والنصف نقد المخرج حاتم حشيشة أكثر من موضوع من الخيانة الزوجية إلى المتاجرة بالآثار فوضعية السجين السياسي في المجتمع والعلاقات الأسرية الهشة والتعليم، مواضيع اجتماعية احتضنها فضاء عرض واحد هو «الزاوية» المقسومة بستار شفاف ليكون الواقع والمنشود.

التعليم في تونس إلى أين؟
«التعليم بح، لازم ثورة لنرجع للتعليم هيبته» هكذا تكلم السحبي الذي جسد دور المعلم في مسرحية ثروة التي تزامن عرضها مع إضراب المعلمين في صفاقس ليبقى التلاميذ طيلة اليوم في الشارع حائرين هل سيدرسون آم لا، إضراب المعلمين يطرح أكثر من سؤال عما يقدمونه للتلاميذ فالكتاب المدرسي بات شبه خال رغم كثرة عدد الكتب، والمطالبة بإصلاح التعليم هو مطلب جماعي طرح منذ الثورة وبلا يزال مطلبا ينتظر الدراسة فالمناهج المدرسية تتطلب مراجعة وإعادة نظر.
اختلفت المواضيع المتناولة وجميعها تمس التونسي وتكشف عن باطنه المخفي فللموسيقى إيقاعها وقدرة سحرية تحث المرء على البوح واعتمد المخرج أيضا على «الراوي» فبين الفصول يكون احد الشخصيات راو لتفسير حدث أو تقريب آخر.

حاتم حشيشة مخرج المسرحية
دام العمل ستة أشهر
بعد العرض التقت «المغرب» المخرج حاتم حشيشة وصرح أن فكرة المسرحية انطلقت من بحث مركز حول الفضاء والجسد ليتواصل العمل في الورشات ثم كانت المسرحية، وأشار انه سعى إلى نقد ومناقشة مجموعة من المواضيع التي تهم المواطن بديكور بسيط وسينوغرافيا ابسط وكان فضاء الزاوية الأنسب لأنه مع الموسيقى الصوفية يكون البوح بالإسرار والغوص في باطن الشخصية وتحليلها في اتحادها مع النغم، وأشار إلى أن مدة العمل على «ثروة» تجاوزت ستة أشهر مع مجموعة من أساتذة المسرح.

هوامش:
مع تقدم العروض ازداد إقبال الجماهير أكثر على المسرح، وهي بادرة فللمسرح جمهوره في صفاقس.
احتضن المسرح البلدي بصفاقس جميع عروض المهرجان لعدم جاهزية ركح مركز الفنون الركحية والدرامية بالجهة فهل ستتدخل الوزارة لإصلاح التجهيزات الضوئية والتقنية لمركز الفنون الركحية بصفاقس الذي عود الجمهور بأجود العروض والأعمال؟.
تواصلت «شطحات» أعوان الحراسة ولا مبالاتهم بقدسية قاعة العرض ما جعل احد الشباب يكتب في الخارج «عمل ممتاز ولكننا لا نريد مسرحا تحت الحصار».

 

 

: مفيدة خليل

http://www.lemaghreb.tn/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.