أخبار عاجلة

حوار بلغة الضوء مع المسرحي العراقي محمد جليل

 

على الرغم من أن الرؤية وكشف البعد الثالث هي الوظيفة الرئيسية للضوء على خشبة المسرح إلا أن للضوء لغته التي تنافس لغة الحوار في تأثيرها على المتفرج بل واحياناً تتفوق عليها كما هو الحال في بعض الإتجاهات المسرحية الحديثة التي تعتمد السينوغرافيا في إيصال رسالتها إلى المتلقي.

يقول جوسلن ماك كيني، بروفيسور السينوغرافيا في جامعة ليد اللندنية “ببساطة السينوغرافيا لا تُعنى فقط بخلق وتقديم الصورة للمتفرج، إنما تُعنى باستقباله ومشاركته ايضاً. فبالإضافة إلى كونها تجربة فكرية وحسية فهي عاطفية ومنطقية.”

الضوء، تلك الطاقة الكهرومغناطيسية المنبعثة من المنصة على شكل حزمات ملونة تتحسسها العين ، يعد وسيلة اتصال مهمة لما يحمله معه من دلالات وإشارات موجهه للمتلقي لغرض تحليلها وترجمتها وبالتالي فهم وادراك الرسالة المُرسلة اليه بواسطتها. قد لا أبالغ اذا قلت بأن بإمكان الإضاءة أن تتفرد في السيطرة على مزاج المتلقي والتحكم بانفعلاته واستجاباته إلى الفعل الواقع على المنصة. ولكن للأسف قليلين أولائك الذين استطاعوا التحكم بإمكانيات الضوء ومنحه الحرية الكافية للتعريف بدوره في تحفيز الحس والإدراك لدى المتلقي بسبب غياب التخصص النوعي.

ولأن معابد الفن المسرحي العراقي كغيرها في الوطن العربي تأسست قدسيتها على الممثل والحوار، نجد أنه من النادر تسليط الضوء على هؤلاء القليلين الذين تمردوا على المقدس وراحوا يبحثون في الفن المسرحي عن وسائل أخرى كالموسيقى والديكور والإضاءة لبلورة إبداعهم.

محمد جليل خريج قسم الإخراج في أكاديمية الفنون الجميلة جامعة بغداد واحد من المبدعين الذين استطاعوا بمهارة وتجربة تأريخية أن يستنطق الضوء ويجعل منه وسيلة اتصال فعالة ومؤثرة على الخشبة. قال عنه المخرج التونسي المنجي بن ابراهيم وهو يعقب على عرض مسرحية – العزلة في الكريستال – استطاع مصمم الضوء أن يقودنا بعربة ضوئية إلى عالم مجهول مليء بالمفاجئات اللونية والدلالات الفكرية المحيرة.

اما الكاتب المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد في استعراضه النقدي لمسرحية “فرجة” فقد قال في وصف ضوئه بأنه جاء مناسباً تماماً لعرض احتفالي متألق من حيث توزيع اللون المتجانس والمناسب لهكذا عروض، لقد شاهدت عرضاً ضوئياً إيطالياً أنيقاً جداً.

في مسرحية “العزلة في الكريستال” قاله له المخرج المسرحي الدكتور صلاح القصب أنت لست مصمماً لإضاءة العرض بل مراقب لفضاء العرض لأنك تعمل في لوحة ضوئية متحركة.

بدأ حواري مع محمد جليل بسؤاله عما يستهويني في الضوء ألا وهي فلسفته فقال:

– إحساس المتفرج واستجابته للضوء يفوق إحساسه واستجابته للعناصر المسرحية الأخرى ومن ضمنها الممثل. بالنسبة لمحمد جليل جسد الممثل هو وسيلة لعبور الضوء بما يحمل من دلالات وإشارات إلى المتلقي لان نبض الممثل بالكاد يكون محسوساً على المسرح قبل أن يتم صعقه ضوئياً ولكن ما أن يمتص جسده الضوء وتنتعش نبضاته حتى تدب الحياة في الشخصية التي يريد تجسيدها على المسرح.

مثلاً في “الملك لير” تخيلي بأننا نسمع ولا نرى الفنان الكبير سامي عبد الحميد يردد بإمكانياته الإلقائية المتميزة حوارا للمك لير. ماذا يحدث؟ في البداية تصيبنا الدهشة وهي ما يطلق عليها الدكتور مالك المطلبي الدهشة البدائية. نعم هذه الدهشة عظيمة ورائعة ولكنها محدودة الزمن تنتهي بمجرد أن يتعرف عقل المتفرج على صاحب الصوت وهو الفنان سامي عبد الحميد. مع الضوء تستمر الدهشة إلى ما أرُيد لها أن تستمر لأن وهم العين أشد تأثيراً على عقل المتفرج من وهم الصوت، اي من خلال الضوء يتواصل إحساس المتفرج بأن من ينطق ويتحرك على المسرح هو الملك لير وليس سامي عبد الحميد. الضوء صخب وهمي حيوي مسؤول عن تنظيم الحياة على خشبة المسرح.

* هل انت منحاز للضوء على الخشبة اكثر من العناصر الاخرى؟

– الضوء ليس عنصرا من عناصر العرض المسرحي كما هو شائع، انما العرض المسرحي برمته مكمل لمنجرات الضوء على الخشبة. بمعنى آخر، عند قراءتي للنص المسرحي يتحول الحوار بأكمله إلى اضاءة بحيث يتجسد في خيالي أثناء القراءة عرض ضوئي لا وجود للعناصر المسرحية فيه ومن ضمنها الممثل. هذا ليس تقليلا من دور العناصر الأخرى او الغاء للممثل وانما هي قوة وسرعة الإحساس بإمكانيات الضوء عند محمد جليل.

أذكر في مسرحية الحارس للدكتور شفيق المهدي استفزني زميلي الفنان فارس دانيال وجعلني أشعر للمرة الأولى بأن الممثل بإمكانياته العالية تفوق على الضوء بسبب الأداء المتميز لفارس. كان فارس أكثر جنوناً من الضوء. وقتها شعرت بالخيبة والهزيمة وتعهدت لنفسي بأن أجعلها أول وآخر هزيمة في مباراتي الضوئية على الخشبة.

* متى وأين استنطق محمد جليل الضوء؟

– مارس ضوئي جنونه في مسرح الصورة للدكتور صلاح القصب لأنه وجد لنفسه مساحات واسعة من الحرية للتعبير عن دلالاته الفلسفية. اما رغبتي بالعمل مع الفنان المرحوم هاني هاني وقاسم محمد فقد ظلت مكبوتة لإنني لا أميل إلى الواقعية المفرطة في العرض كونها تحد من مهام وإمكانيات الضوء على الخشبة وتحاول اختزاله بالرؤية والتعريف بالزمان والمكان فقط. ولكن رغم واقعية العمل في “ترنيمة الكرسي الهزاز” للدكتور الراحل عوني كرومي، وجد الضوء مساحة واسعة لتشظي دلالاته بسبب غياب الديكور بحيث أنه استطاع أن يهزم الممثل ويجعل من رغبة محمد جليل حقيقة غير قابلة للشك.

في هذا العمل انفلق العرض المسرحي إلى شقين، الأول ضوئي يحاصر المتلقي ويستفز أحاسيسه وإدراكه، والثاني لغوي يأخذ فيه الممثل نصيبه من العرض دون أن يؤثر على حرية الضوء.

* كيف يكون محمد جليل متميزاً عن الآخرين في هذا المجال، لقد قلت لي بأن المخرج المسرحي جواد الأسدي طلب بإلحاح من أخيه البحث عن مجنون الضوء محمد جليل لمساعدة الفنانة نادرة عمران في تصميم الإضاءة لمسرحية – المجنزرة ماكبث – في بغداد على مسرح الرشيد.

في تمرد الضوء ونسفه للشائع والمألوف المخزون سلفاً قبل بداية العرض المسرحي في عقل المتلقي وفي تقبل الجديد واستحسانه يجد محمد جليل سر نجاحه وتفوقه في هذا المجال. الضوء الأحمر هو الضوء السائد في المسرح العراقي للدلالة على العنف. والضوء الأصفر يدل على اليأس والإحباط أنا حولت الأحمر إلى أزق وتقبل المتفرج مني هذا اللون بعد أن عرضته للدهشة وأضفت له مخزوناً معرفياً جديداً عن الدلالات الضوئية للون.

إن مشاهدة العروض المسرحية بنفس النمط الضوئي المتعارف عليه له تأثير سلبي على استجابة المتفرج للعرض لأنه يتسبب في انعدام المتعة في إضافة وعي معرفي جديد. أنا أبحث بعد كل عرض مسرحي على عبارة “الله محمد جليل” قد تكون هذه نرجسية ولكن قليلاً من النرجسية لا يضر إذا كانت لصالح العمل.

* لماذا هجر محمد جليل المجال الذي شهد له الكثير فيه بالتميز؟

– في التسعينيات هجرت الإضاءة بسبب عدم وجود مخرجين قادرين على استفزاز رغبتي في العمل. هروب معظم المخرجين المبدعين خارج البلد مثل المخرج ناجي عبد الأمير والدكتور عوني كرومي، أما من بقي في الداخل فقد فضلوا التوقف والصمت لتفادي القيود التي فرضتها السلطة آنذاك على المسرح الذي صار وسيلة من وسائل التعبئة الجماهيرية او بروبكاندا النظام. وبعد ست سنوات من الإنقطاع عدت في مهرجان جرش المسرحي في الأردن في عملين قبل هجرتي إلى اميركا.

* هل يأخذك حنيين العودة إلى عالم الضوء مرة اخرى؟

– لا .. لأننا لا نستطيع استرجاع الأمس، وما أعنيه بالأمس هو ناجي عبد الأمير، عبد الخالق المختار، ماهر هاشم، هؤلاء الذين أكدوا ما بناه ابراهيم جلال ويوسف العاني وعوني كرومي. كانوا ثمار الأساتذة الكبار وللأسف لا وجود لهذه الثمار مرة اخرى. إذا عدت أجد صعوبة في التعامل مع الجيل الجديد بسبب فقدان اللغة المشتركة والتباين الحاد في المعرفة. أول ما يفكر فيه الجيل الجديد في العمل هو المادة وأول ما يفكر فيه جيلنا هو الإبداع لذلك من الصعوبة خلق مسار للتواصل بين هذين المفهومين. ليس هذا فحسب وإنما من الصعوبة جداً الآن إيجاد من يتوافق خياله الإخراجي مع خيالي الضوئي. الخبرات الموجودة حالياً فقيرة وتميل بطبيعتها إلى تبني اتجاهات سلطوية بطريقة أو بأخرى. المسرح هو تمثيل للحياة فإذا انحسرت حرية الرأي في الحياة فمعناه انحسار الإبداع على الخشبة.

* كلمة أخيرة للفنان محمد جليل؟

– هل نسترجع ذواتنا ام نتركها تنحل في الضوء؟ محاولات دائمة لمعرفة النفس

 

بقلم: كافي علي

http://www.middle-east-online.com/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.