«الواشي».. مجرّد من «الحشو»

 

بعمل مختزل لجماليات المسرح وعناصره، قدّم المخرج رامي مجدي، نصّ مسرحية الواشي، في مهرجان أيام الشارقة المسرحية، إذ كان درساً مجانياً في المسرح الخالي من «الحشو» والبهرجات الزائدة على الحاجة، وافتقار في العلامات والتقشف على الخشبة، الذي أسهم في تقديم الواشي بإخراج يتوافق مع النص.

ويعدّ نص الواشي من النصوص المعقدة والصعبة للكاتب المسرحي الألماني برتولد بريشت، لكن تمكن رامي مجدي من تقديم معالجة إخراجية، وصفها نقاد بـ«الدرس في المسرح»، خصوصاً أنه قدم مسرحاً تجريدياً وليس تجسيدياً، عرض خلاله عمليات الترهيب والتخويف الذاتي التي يمارسها الفرد على نفسه، انعكاساً لما تمارسه السلطات الأمنية عليه في ذلك الوقت، تحديداً في عصر هتلر والحركة النازية.

وتدور أحداث المسرحية الفائزة بجائزة مهرجان الشارقة للمسرحيات القصيرة، التي تنظمها دائرة الثقافة والإعلام في مدينة كلباء سنوياً، كأفضل عرض متكامل، وفاز هاني الطمباري بجائزة أفضل ممثل، تدور في ألمانيا تحديداً في فترة الحكم النازي، إذ مع استبداد السلطة وانتشار القهر والبطش والمعاناة الإنسانية وتقييد الحريات والترهيب والتخويف، وحال المرتزقة الذين يستغلون المواقف ظهر من يسمون بالوشاة، الذين يتبرعون بالوشاية عن أي شخص من أجل الحصول على مكافأة، أو ربما حريتهم والخلاص من بطش كاد أن يطالهم.

بستار مفتوح وشخصيات حاضرة قبل وصول الجمهور، بدأ مجدي لعبته الإخراجية «الواشي»، بحوارية بين الزوج شارل (الممثل هاني الطمباري) والزوجة (الممثلة دينا بدر)، والطفل هنري (أنس عبدالله)، فشارل يصرّ على موقفة السياسي ضد هتلر والحركة النازية، جراء ما تمارسه من بطش واستبداد على الشعب الألماني، ولأنه يخشى التفوه بكلمة خارج منزله، فإنه بات يعبر عن رأيه أمام زوجته وابنه، وجراء ذلك الضغط وحالة الكبت كانت تلك الحالة تنعكس على علاقة شارل بابنه هنري، فكان لا يكف عن الصراخ عليه، وتقييد حريته.

ولأن الأم تسعى إلى السيطرة على المنزل، فكانت تهدأ شارل وتصالح هنري بحلوى أو مال ليشتري به ما يريد أثناء لعبه مع أصدقائه خارج المنزل، وما أن يغادر هنري المنزل، تتصاعد وتيرة الأحداث وتتكشف مخاوف شارل من أن يستدرج رجال الأمن ابنه، أو ربما يلعب ابنه دور الواشي، ويخبرهم بالحوار الذي سمعه حول رأي والده بهتلر، فتزداد المخاوف الذاتية التي تنعكس إلى حالة من الرعب والفوضى في المنزل، والخوف من الرد على الهاتف، أو حتى فتح باب المنزل.

بعد حالة الصراع النفسي والخوف من الواشين، يبدأ الأب بتوسيع دائرة شكوكه ونقصان الثقة في من حوله، بدءاً من زميله في العمل، مروراً بابنه هنري، وصولاً إلى زوجته، وأمام تلك المخاوف يدقّ جرس الباب ليصادف هنري ومعه رجال الأمن، الذين حضروا للقبض عليه، بتهمة عدم الولاء للقائد هتلر، الذي جسّد دوره الممثل ماهر مزوق، فيما لعبت ولاء حامد دور الخادمة، ليكتشف لاحقاً أنه كان يحلم.

ولعل المشهد الأخير وظهور الطفل الحقيقي، الذي لم يتجاوز السنتين على المسرح، كان مفاجأة للجميع، إذ إن شارل وصلت به الحالة إلى أن يشك في صغيره ويتخيله طفلاً ضخماً مخالفاً تماماً لما هو في الواقع. ويحسب للمخرج قدرته على التعامل مع نص حيّر مخرجين متمرسين، وأبعدهم عن تناول نصوص برتولد برشت، ربما لأن نصوصه غاية في الصعوبة، وتحتاج إلى القراءة المستفيضة مع الاشتغال على استيعاب الفكرة ومعالجتها برؤية تظهر قوة تلك النصوص.

 

المصدر:

    سوزان العامري ــ الشارقة

http://www.emaratalyoum.com/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.