أخبار عاجلة

المسرح فتح لي باب الغيب وباب التاريخ


أسئلة د. مصطفى رمضاني إلى د. عبد الكريم برشيد

السؤال لأول : هل راجعت موقفك من الملحمية البريختية أم ما زلت مصرا على ذلك؟

أنا ثابت على الثوابت دائما، أما المتغيرات، فمن الممكن أن أغيرها وأجددها مع الزمن، وثوابتي المبدئية هي إنسانية الإنسان، وهي حيوية الحياة، وهي مدنية المدينة،

وهي التعبير الحر للإنسان الحر في المجتمع الحر، ولقد  كنت دائما ليبراليا متحررا، ولم يسجل علي يوما أنني كنت اشتراكيا أو ماركسيا، فأنا لا أومن بالطبقية، ولا بالصراع الطبقي، لأن رؤيتي الإنسانية لا تقبل التقسيم، والانحياز إلى نصف الإنصاف على حساب النصف الآخر ليس مهمتي، ولأنني قد حرصت دائما على حرية الإبداع المبدعين، فإن كثيرا من شعارات السبعينيات من القرن الماضي لم تخدعني، ولم أومن لا بديكتاتورية الدولة ولا بالعادل المستبد، انطلاقا من هذه المبادئ كان اختلافي مع بريشت، والذي لم يكن اختلافا مع الشخص في ذاته، ولكنه كان اختلافا مع المنظومة العقائدية والفكرية والجمالية التي ظل يمثلها كثير من الكتاب والشعراء ومن الفنانين في كل العالم، خصوصا في سبعينيات القرن الماضي.

 

أنت تسألني هل مازلت عند موقفي ( القديم) من الملحمية البريشتية، أما أنا، فإنني أسأل نفسي السؤال التالي: هل مات بريشت وهو مقتنع حقا بهذه الملحمية الشرقية؟

يعرف الجميع أن بريشت لم يكن يبدع انطلاقا من فلسفته الخاصة، لأنه ـ وبكل بساطة ـ لم تكن لديه أية فلسفة خاصة، لقد كانت كل مسرحياته ذات بعد مدرسي تطبيقي، وكانت مرجعيته الفكرية تتمثل أساسا في الفكر المادي الجدلي، وهو بهذا يختلف عن كل المسرحيين العالميين الكبار، والذين عرفهم القرن العشرون، فبيرنديللو مثلا يبدع انطلاقا من فلسفته في نسبية الحقيقة، أما يونسكو وبيكيت وأداموف فيبدعون انطلاقا من فلسفتهم العدمية والعبثية، أما سارتر وألبير كامو فقد كتبا للمسرح انطلاقا من فسفتهما الوجودية.

وأنت تعرف، والكل يعرف أيضا، بأن الذين خاصموا الاحتفالية، في بداية ظهورها، قد فعلوا ذلك تحت راية الملحمية، ولم يكن ذلك اقتناعا منهم بهذا المسرح، ولكنه كان فقط لمعاكسة التجربة الاحتفالية، ولأنهم كانوا في حاجة إلى أرضية فكرية وجمالية، وخيل لهم أنها من الممكن أن تكون في هذه الاحتفالية.

السؤال الثاني: هل شعرت يوما بأنك لم تأخذ حقك اجتماعيا، بعد هذا الرصيد المسرحي الذي خدمت به الثقافة المغربية والعربية؟

لو تم إنصافي لكنت قد انتهيت منذ أزمان، ولكنت فد شعرت بأنني قد أديت عملا، ونلت عنه أجرا، وانتهى كل شيء، وما هكذا فهمت دوري في الحياة والمسرح، لقد آمنت دائما بأنني مناضل وجودي، وبأنه لا يحد يطالب بثمن لوجوده، تلك خطوات كتبت علي في الحياة، ومن كتبت عليه خطوات مشاها، وأعرف أنني لم أكن أمشي، ولكنني كنت أجري، لأن الأمر يتعلق بسباق المسافات الطويلة جدا، وما ميزني دائما هو طول النفس، وهو عدم الاعتراف بشيء يسمى الهزيمة، وهو الثقة بالنفس، في حدود المعقول والمقبول طبعا، وعلى امتداد عقود طويلة ظللت أقول لنفسي الكلمة التالية ( قل كلمتك وامش إلى الأمام)

إنني لا أنتظر الجزاء من أي أحد أو من أية جهة، وأعرف أن قدري هو أن أكتب وأكتب، لأنني أساسا كاتب ومفكر، ولأنني بهذه الكتابة الصادقة أعبر عن وجودي الصادق، فهي عنوان وجودي، ولذلك فإنني أقول دائما ( أنا أكتب إذن فأنا موجود) ولا شيء يرعبني أكثر من أن أصل إلى لحظة لا أستطيع أن أكتب فيها، ولأنني كاتب مختلف، ولأنني أعيش في زمن مختلف وفي مكان مختلف، فإنني أحرص على أن أكتب كتابة مسرحية مختلفة ومخالفة.

إن هذا المسرح لا يعطيك إلا بالقدر الذي تعطيه، وأنا أعطيته حياة واحدة وعمرا واحدا، ولكنه هو أعطاني كل حياة الناس وكل أعمارهم، وفتح لي باب الغيب وباب التاريخ، ولهذا فقد كنت دائما راضيا عنه، وكنت راضيا عن نفسي أيضا، لأنني عشت فيه تلميذا نجيبا، وكنت قريبا من روحه ومن جوهره أكثر من قربي من أشكاله وقشوره.

والأخطر، هو أن نفعل في المسرح دائما بشكل جديد ومتجدد، وأن نكون متفاعلين مع شخوصه وقضاياه، ومع أسئلته ومسائله الوجودية الكبرى، وأعتقد أن هذا ما كنته وأكونه في عالم وكون هذا المسرح، ولهذا فقد تحققت لي المتعة والمعرفة فيه، وكنت راضيا على مساري الإبداعي والفكري فيه.

لقد آمنت بأن هذا المسرح هو الوجود الحق، وبأنه لا شيء أخطر فيه من ألا نوجد فيه، وأن لا نفهمه، وأن لا نكون مناضلين وجوديين، ولهذا فلم أقل يوما بأنني مسرحي محترف.. وأحترف ماذا؟ وهل وجودنا حرفة؟ وهل حياتنا التي نحياها حرفة؟ وهل الكلمات التي ننطقها ونكتبها حرفة؟ وهل الخطوات التي نمشيها على خشبة هذا المسرح الكبير والذي يسمى الحياة حرفة؟

لقد أسست أفكارا في هذا المسرح، نطقت بها شخصيات من التاريخ ومن الحكاية ومن الخرافة ومن الأسطورة ومن الواقع اليومي، ولقد حاولت دائما أن أكون صادقا مع نفسي ومع مسرحي ومع زمن الناس ومع الحياة ومع التاريخ، وأن أظل وفيا لفلسفتي التي ارتضيتها في مسرح حياتي وفي حياة مسرحي، ولو أنني في مواقفي التي أتعبتني قلت غير ما قلت، لما كنت أهلا لأن أحمل اسمي ورسمي.

وأنا لا يهمني إلا ما أعطيت أنا، أما ما يعطيه الناس فتلك مسألة تخصهم وحدهم، ومع ذلك، فإنه يمكن أن أشهد بما يلي: إن الناس في كل العالم العربي قد أعطوني الحب الصادق، وفهموني وأدركوا محتوى رسائلي، وأعتقد أن هذا هو أعز ما يطلبه الكاتب الذي يكتب، أي أن يجد القارئ الذي يفهمه، ولهذا القارئ ـ الجمهور أقول اليوم شكرا، لقد كنت نعم الرفيق في الطريق، ولولاك ما كنت أقطع كل هذه الأدغال والصحاري والفيافي والقفار الموحشة.

لقد أعطاني هذا المسرح راحة الروح، وصالحني مع نفسي ومع العالم، وحقق لي شيئا من التوازن النفسي والعقلي، وجنبني أخطر أمراض العصر، والتي يمثلها القلق والحمق والجنون. لقد أدركت بالمسرح وفي المسرح الحقيقة المرعبة التالية، وهي أن الخلل الأكبر موجود في نظام هذا العالم، ولهذا فقد انخرطت في جبهة المصلحين، وليس في عصبة المفسدين.

وفي المقابل، كانت هناك أصوات ظلت تصرخ في وجهي، وظلت تكيل لي الشتائم، وتسميها نقدا، وظلت تعاكس مشروعي الفكري والإبداعي، وظلت تتصيد لي الأخطاء وتقولني ما لم أقل، ولقد آمنت بأن هذا من حقها، وبأن من واجبي أن أواصل السير، وأن أحاورها حوارا يشبه المتحاورين، وتكون أدواته وحججه في مستوى فهمهم، وهذا ما جسدته في كتاب (الاحتفالية مواقف ومواقف مضادة ) في الكتاب الأول والكتاب الثاني معا.

إنني راض عما أعطيت لحد الآن، ولكنني أحس بشيء غير قليل من القلق، عندما أفكر في الذي يمكن أن أعطيه غدا، وهل سيكون في نفس ذلك العطاء الذي كان؟ وهل يمكن أن يضيف إليه شيئا جادا وجديدا؟

السؤال الثالث: لماذا خفت صوت جماعة المسرح الاحتفالي؟

تعرف، بأن تأسيس جماعة المسرح الاحتفالي ـ في أواخر السبعينات من القرن الماضي ـ لم يكن مقصودا لذاته، ولم يكن حركة استعراضية، ولم يكن بهدف إيجاد لوبي ضاغط في المسرح، أو إيجاد قوة ما، ولكنه كان فعلا جديدا وجادا لدعم حركة مسرحية جديدة وجادة، حركة كانت في درجة النشأة الأولى، أي كانت مجرد فكرة، ومجرد تصور، ومجرد حلم، ولقد كانت تلك الفكرة في حاجة لمن يؤمن بها، تماما كما كان ذلك الحلم في حاجة لمن يقتسمه معنا، وبهذا فقد كان في حاجة إلى دعم مادي ومعنوي، وهذا ما جعل هذه الجماعة تعلن عن نفسها وهي متشكلة من الكاتب ومن المخرج ومن الممثل ومن الناقد ومن الباحث ومن المؤرخ المسرحي.

وعندما وصلت هذه الجماعة إلى البيان السابع ـ في أواسط التسعينيات من القرن الماضي ـ وعندما تبلورت تلك الفكرة المؤسسة الأولى، وعندا تناسلت، وتعددت، وتفاعلت مع محيطها الاجتماعي والسياسي والفكري والجمالي، فقد كان ضروريا أن يفضي ذلك التراكم المعرفي إلى التغير الكيفي، وبهذا فقد كان ذلك الذي كان، وأصبحت تلك الفكرة اليتيمة فكرا متكاملا، وارتقى ذلك المسرح الاحتفالي درجات الارتقاء الوجودي ليصل إلى عتبة ما أصبح يسمى ـ بعد ذلك ـ بالاحتفالية، والتي هي أكبر وأوسع وأرحب من ذلك المسرح الاحتفالي المحدود، والذي أصبح جزء فقط، من منظومة فكرية وفلسفية كبيرة، ولعل هذا هو ما جعل هذه الاحتفالية تستقل بوجودها، وأن يصبح لها كيانها الخاص، وأن تكون عصية على المحو وعلى الاختراق وعلى التجاوز، لأنها راهنت ـ منذ البدايات الأولى ـ على الثوابت والأساسيات المبدئية في الوجود والموجودات، لقد راهنت على الحرية والتحرر، وعلى الإنسان والإنسانية، وعلى المدينة والمدنية، وعلى الحياة والحيوية، وعلى الجمال والجمالية، وعلى الحق في الفرح والاحتفال.

لقد كان ممكنا لهذه الجماعة أن تصبح مذهبا حزبيا أو تكتلا فئويا أو تصبح جمعية مهنية أو طريقة صوفية، ولكن هذا ما لم يحصل، لأنه مناف لطبيعتها ومبادئها، ولو أنه حصل ما كان لهذه الحركة الفكرية والمسرحية أن تكون مخلصة ووفية لثوابتها الفكرية التي قامت عليها، والتي هي الحرية والاختيار والمشاركة والحوار والاقتسام، وهي التطوع الإرادي، وهي خدمة القيم الرمزية، وليس خدمة المعابد والهياكل الإدارية، ولا هو حراسة الأصنام والأوثان والمجردات الوهمية.

في الفكر الاحتفالي لا وجود إلا للإبداع والمبدعين الحقيقيين، ولا وجود فيه إلا للذين يمشون في الطليعة وفي الأمام، أما الذين يصطفون في الصفوف المذهبية والحزبية والعقائدية، فإنه لا يمكن أن تكون له أية علاقة بروح الاحتفالية وبجوهرها وفلسفتها، ولأننا مارسنا حقنا في الاختلاف، فقد خاصمتنا بعض الأحزاب المغربية وبعض المقاولات الصحفية، اعتقادا منها بأننا ضدها، مع أن الحقيقة غير هذا تماما، فنحن ضد التبعية، وضد الشللية، وضد الفئوية، وضد القبلية، وضد الشعوبية، وضد الشوفينية، وضد الانغلاق على الذات، ولو أن هذه الجماعة الاحتفالية أصبحت جمعية، وأصبح لهذه الجمعية مراكز ومقامات ومصالح، فهل كان من الممكن أن تعمر كل هذه العقود الطويلة؟

إن التخلي عن الجماعة إذن، هو انتصار للمبادئ والمعاني والأفكار، وذلك على حساب الأسماء المجسدة في أجساد والمشخصنة في أشخاص، لأنه غدا ستمضي كل الجماعات، ولا يبقى في الساحة إلا الأفكار.

السؤال الرابع: أين تجد ذاتك أكثر، أفي الإبداع، أم في النقد، أم في التنظير؟

جد نفسي في كون هذا المسرح اللامحود، وفي فضاء ذلك المسرح وجدت كل شيء، وجدت الشعر والنثر، ووجدت القصة والرواية، ووجدت الرسم والموسيقى، ووجدت الرواية والملحمة، ووجدت الحكاية والأسطورة، ووجدت الواقع والتاريخ، ووجدت الإبداع والنقد، ووجدت الفكر والعلم، ووجدت الفن والصناعة، ووجدت الكائن والممكن، ولهذا فقد صعب علي أن أنحاز إلى جانب واحد من هذا المسرح، وذلك على حساب الجوانب الأخرى المتعددة والمتنوعة، ولهذا فإنني أقفز على كل التقسيمات والتصنيفات المدرسية المعروفة والمألوفة، وأقول ما يلي: أنا المواطن المسرحي وكفى، وفي دولة هذا المسرح تلتقي كل العلوم وكل الفنون وكل الصناعات عند ملتقى الطرق، وتفترق عند نفس المفترق.

لقد شاهت المسرحيات قبل أن أقرأ النصوص المسرحية، وتفاعلت مع الأسماء والأحداث والحالات فيها قبل أن أعرف القواعد والتقنيات، ودخلت مسرح العالم قبل أن أخل عالم المسرح، ووجدت نفسي أندهش أمام الناس والأحداث، وأمام المشهد والأشياء، ومارست التفكير الحر أولا، ثم نقلت فعل هذا التفكير إلى المسرح ثانيا، سواء في التأليف أو في الإخراج أو في النقد أو في التنظير، ولهذا فقد كنت عينا ترى، وكنت أذنا تسمع، وكنت قلبا يعي، وكنت عقلا يفكر، وكنت خيالا يتصور، وكان لي في كل المشاهدات رأي وموقف، وهذا الرأي ـ الموقف هو الذي يسميه الدارسون النقد، وهل هو فعلا كذلك؟ وكان لي تصور لمسرح آخر ممكن الوجود، وهذا الفعل هو الذي يسميه الباحثون التنظير، وهل هو فعلا تنظير أو مجرد نظر عقلي لعالم المسرح ولمسرح العالم؟

ومارست فعل الكتابة أيضا، ولم يكن في نيتي أن أكتب نصوصا مسرحية وكفى، لأن طموحي كان دائما ـ وما يزال ـ أكبر من هذا بكثير، لقد اشتغلت دائما من أجل تأسيس المسرح الممكن أولا، وكان ذلك اقتناعا مني بأن فعل التأسيس يبدأ أساسا بالعلم وبالفكر وبالفن وبالصناعة، وأن الصناعة مرتبطة بالممارسة العملية، ولذلك فقد أسست فرقة مسرحية في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وكان ذلك بمدينة الخميسات، واشتغلت في الفرقة مخرجا وكاتبا وشاعرا وناقدا ومنظرا وإداريا أيضا، ولم يكن صدفة أبدا أن تحمل تلك الفرقة اسم النهضة، وأن تنخرط في المشروع النهضوي العربي، وأن تؤكد على مبدأين أساسيين هما: التأسيس والتحديث.

ولأن المسرح ـ في معناه الحقيقي ـ أكبر وأخطر من أن يكون مجرد فرجة مشهدية، ولأنني أومن بأن التفرج على مآسي الآخرين ـ من خلال ( صندوق) المسرح ـ ليس مطلوبا لذاته، فقد أكدت دائما على أن يكون المسرحي الحقيقي مناضلا كونيا بالضرورة، وعلى أن يكون في صف الحق والحقيقة وفي صف الجمال والكمال، وفي صف التلاقي والحوار، وفي صف العقل والعقلانية، وفي صف الفن الذي يزيد الوجود جمالا وكمالا وبهاء.

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.