أخبار عاجلة

التواصل الوجـــــــــــــــــــــداني للممثل (1)

على الممثل أن يتقن التواصل الوجداني الحقيقي اذا تحدثنا عن الممثل من خلال الحركة والصوت، لكن كيف يتحرك الممثل؟ وكيف يخرج صوتا؟ هناك تكمن صعوبة توضيح ذلك بل ويستحيل ان نسرده، فكيف يمكن ايصال الايماءة بواسطة الكلمات لشخص لا يراها؟ وكيف نفسر خصائص الالوان الانسان ولد أعمى؟ فعندما تقول سيدة انني احب اللون الازرق لأن فيه شيئا سماويا، تكون بذلك قد عبرت عن افكارها بشكل رائع.

لكن لن يستطيع الاعمى فهم الكثير من هذه الكلمات كما يقول «سيرجي راديلوف» في تعريفه للممثل «وهو جسد يتحرك وصوت ينطلق، وشيء ما ينمو في الداخل من خلال الفعل المسرحي»، وهو عبار عن تصرف نفسي وعضلي اي انه ذو جانب عضلي نفسي. مع ان الجانبين مرتبطان ببعض، ويشكلان وحدة متكاملة، فالفعل العضلي هدفه احداث تغيير في الوسط المحيط بالانسان، وتحققه يتطلب صرف طاقة عضلية بالدرجة الاولى. وتأخذ الصفة الرياضية كل الافعال التي يقوم بها الممثل تجاه زميله الممثل على خشبة المسرح ومنها على سبيل المثال:
الدفع، والعناق، والجذب، والجلوس، والطرد، والمداعبة، واللحاق، والعراك الخ. اما فيما يخص الافعال النفسية والتي تهدف الى التأثير على النفس البشرية اي على الشعور، والوعي، والارادة، والتأثير.. في هذه الحالة لا يقتصر على وعي الشخص الفاعل ذاته وهذه الفئة من الافعال النفسية لها اهمية مسرحية. وبواسطة الافعال النفسية يتحقق الصراع الذي يشكل المضمون الجوهري لأي دور مسرحي، وقلما يمر يوم على الانسان دون ان يطلب من شخص اخر شيئا ما، كأن يطلب اعطاءه شيئا بسيطا كالكبريت، أو يطلب منه تحريك كرسي للجلوس، أو يشرح موضوعا لشخص ما، او يحاول قناع شخص ما، او يعاتب، او يمزح، او يرفض طلبا لآخر، او يتمعن في شيء ما، او ان يعترف بخطأ من انسان ما، او يحذر شخصا ما من قضية ما، او يحبس في نفسه، او يمدح، او يذم.. الخ وكل هذه الافعال تدخل ضمن مسمى الافعال (نفسية عضلية). ومن مجموع هذه الافعال يتكون فن الممثل، مثلما يتكون من مجموعة الادوات الموسيقية. واهم قضية في المسرح ولادة الفعل المسرحي عند الممثل والتي تتكون من النقاط الاربع التالية:
1 – على الممثل ان يمتلك القدرة على تهيئة نفسه للفعل، يقول ستانسلافسكي: الشيء المهم ليس في الفعل ذاته، ولكن في الولادة الطبيعية لدواعي الافعال» لذا يجب على الممثل في مراحل تحضير الدور عدم تنفيذ الافعال عضليا بل الوصول للفعل النفسي ثم الانتقال من مهمة وفعل اخرين، الى الاكتفاء بإيقاظ الدوافع للفعل وترسيخ هذه الدوافع بالتكرر. لذا يجب على الممثل ان يمتلك القدرة على البحث وايجاد العلاقات التي يتطلبها الدور، وان يجعل منا علاقات خاصة.
2 – يجب على الممثل ان يمتلك القدرة على التصرف والنظر الى كل ما يقع ويحدث على خشبة المسرح، حسب قواعد اللعبة المسرحية والدور.
3 – يجب على الممثل ان يمتلك القدرة على تقبل المفاجآت وتقدير هذه الواقعة بشكل سليم، انطلاقا من وقائع الحياة المسرحية.
4 – يجب على الممثل ان يمتلك القدرة على الوصول بنفسه الى الفعل العضوي بمساعدة الانتباه (التركيز) المسرحي من خلال الايمان المسرحي والعلاقات المسرحية السليمة، وكل هذا يتمحور في الاسئلة التالية:
– ماذا أفعل؟ (الفعل)
– ولماذا أفعل؟ (الهدف)
وهذان السؤلان يقعان تحت اطر الوعي، اما الثالث فهو:
– كيف افعل (الاداة)
عملية ولادة الفعل تتكون منه:
هي القدرة على:
– القدرة على تهيئة النفس للفعل.
– القدرة على التصرف.
– القدرة على تقبل المفاجآت.
– القدرة على الوصول الى الفعل.
الافعال النفسية
تنقسم الافعال النفسية الى:
– ايمائية.
– كلامية.
والايمائية تنقسم الى ايمائية الافعال وهي إرادتيه، وايمائية المشاعر وهي لا ارادية بمعنى ان الافعال النفسية تنقسم بالنسبة لموضوع التأثير الى:
1 – خارجية: وهي تلك الافعال الموجهة الى موضوع خارجي اي الى وعي الممثل بهدف تغييره والتأثير عليه.
2 – داخلية: وهي الافعال الموجهة الى تغيير الوعي الذاتي للشخص الفاعل نفسه، مثل التفكير في مسألة ما، وحلها، وزنها، فهمها، تحليلها، تقديرها، او ضبط المشاعر الذاتية (الرغبات والانفعالات) وكل فعل يصل الانسان فيه الى تغيير وعيه، فعندما ينفذ الممثل المهمة المسرحية، اي عندما يقوم بالفعل تجاه زميله، فإنه لا بد وان يتعرض هو ذاته لتأثر هذا الزميل ومن هنا ينتج الفعل التبادل والصراع، ولهذا على الممثل ان يتقن التواصل الوجداني.
الموضوع التالي كأنه منفصل
التركيز كما هو معلوم كلمة لها كبير الاثر في كل فن من الفنون وبخاصة المسرح، وهي تلك الخاصية التي تسمح لنا بتوجيه كل قوانا المعنوية والعقلية نحو غرض واحد محدد. والبقاء على هذه حالة الى المدة التي تروق لنا، بل ابعد احيانا مما تحتمله قوانا، حتى يتمكن المثل بواسطة الثقة في السيطرة على النفس وهي الخاصية الاساسية للممثل والتمثيل وغاية تركيز الممثل في المسرح خلال النفس الانسانية – في خلق الدور. حيث لا يبدأ الممثل عملية الخلق الا بعد ان يفرغ من الدراسة والتدريبات، ثم خلق الدور في البداية بطريقة البحث والتنقيب، وليلة الافتتاح يبدأ الخلق بطريقة انشائية اثناء التمثيل، فاذا كان الحث والتنقيب غاية التركيز لديه. هي ذاته وذات من يحيط به، وفي المرحلة الثانية الانشائية ينقب في ذاته وحدها. والذي يعني انه كي يستطيع التمثيل يجب ان يعرف كيف يركز الحواس على شيء محسوس ماديا، ففي المسرح كما يقال لا مكان على الاطلاق للتعليم او الواعظ، انما التدريب والتمثيل اي النتيجة النهائية لعملية طويلة ومعقدة.
وعلى الممثل ان يتدرب على كل ما في كيانه، فن المسرح يتطلب نوعا خاصا من التركيز – كما يقال، اذا كان لربان السفينة وبوصلته، وللعالم ميكرسكوبه، وللمهندس المعماري رسومه، كلها اشياء خارجية مرئية يتناولها بتكريز، فللممثل كيانه وحواسه، حيث لا نستطيع ان ندرك قيمة التركيز الا بالنفاذ في اعماق كياننا.
ايضا يحتاج الممثل الى تركيز روحي على العواطف التي لا وجود لها، يخترعها او يتخيلها، وهذا يلزم التمرين الثاني ذاكرة العاطفة (الانفعالية) لكن كيف تبدأ التمرين الثاني ذاكرة العاطفة (الانفعالية) لكن كيف تبدأ التمرينات؟ تبدأ التمرينات من اجل ترقية الحواس الخمس البصر، والسمع، والشم، والذوق هي مفتاح عملية الخلق.
لذا يجب ان يتم التركيز بكل كيان الممثل على حواسها حتى يجعلها تعمل صناعيا عن طريق حل المشكلات (الافعال الهيئة، الافعال العالية) لان تدريب الممثل يتكون من اجزاء:
– الجزء الاول: هي تربية جسده، الجهاز الجسماني بأسره تربية كل عضلة وعصب حتى يستطيع المخرج ان يحصل افضل النتائج من ممثل هل جسم كامل النمو والمرونة.
– الجزء الثاني: جزء عقلي ثقافي فالمرء لا يستطيع ان يناقش شكسبير او بريخت او غيرهما الا مع ممثل يعرف قيمة المؤلفين. يعرف تاريخ الرسم والنحت والموسيقى.
يستطيع ان يعي في ذهنه على الدوام ولو بصورة تقريبية اسلوب الحقب وخصائص كبار الفنانين. وهذا التدريب الذهني يتيح للممثل القدرة على اداء اكبر عدد من الادوار وأكثرها تنوعا لان الممثل يحتاج الى ذهن يفكر بسرعة كسرعة البرق مركزا الى حد كبير في لحظات الشك.
وهنا يكون دور الملاحظة التي تنمي كل جزء من اجزاء جسد الممثل وليس البصر او الذاكرة وحده، وكل هذا يجرنا الى تدريب آخر له اهمية قصوى وهو الايقاع.
التمرين يجب ان يستهدف امرين عند الممثل:
– العقل.
– الجسد.
الايقاع ليس في الوجود شيء خال من الايقاع، حتى الحجر له ايقاع اذن لماذا التدريب على الايقاع؟ السبب هو ان الممثل قد يكون غير متطور او في حالة ركود. لذا فالتدريب على الايقاع كفيل ان ينميه ويوقظه، ومن خلال متابعتي لمسرح لدى المخرجين والمسرحيين كنت المس سوء فهم بين الايقاع ومقياس السرعة، فالإحساس يجب ان يتنامى من الايقاع وليس من مقياس السرعة الذي يتضمن ثلاث سرعات (البطيء، والمتوسط والسريع) وفي هذا كما هو معلوم تضييق شديد على عكس الايقاع ذي الحركة الدائمة اللانهائية. وكل المخلوقات الحية تحيا على الايقاع في الانتقال من شيء محدود الى آخر أكبر منه. والممثل لا يستطيع ان يصور الكل اذا لم يصبح هو جزء منه. الايقاع هو التغيرات المنظمة المحسوبة التي تطرأ على كل العناصر المختلة التي يتضمنها العمل الفني شريطة ان تثير كل هذه التغيرات انتباه المتفرج.
لهذا يحتاج الممثل الى كل ما يساعده على ملاحظة كل شيء غير عادي، وخارج على المألوف في الحياة اليومية، ويبدأ بتحليل الظاهرة ودراسة ما وراءها من اجل ان يبني ذاكرته الخازنة لكل المظاهر الظاهرة للروح الانسانية، وتجعله حساسا للصدق والقدرة على الاقناع، وتنمي ذاكرته الحية والعضلية وتسهل له تلاؤمه مع اي عمل قد يطلب منه ان يقوم فيه بأي دور وتفتح عينيه لتقدير مختلف الشخصيات والقيم، وفي النهاية تزيد من ثراء حياته الداخلية بالاستهلاك الكامل المتسع لكل شيء في الحياة الخارجية. ففي الحياة العادية نظن اننا نرى كل شيء، بينما لا نستوعب اي شيء. اما في المسرح حيث علينا ان نعيد خلق الحياة فلا مجال لمثل هذا التكاسل. اذ اننا مضطرون الى ان نلاحظ المادة الخام التي نعمل لها.
فالإلهام ما هو الا نتيجة للعمل الشاق، فالشيء الوحيد الذي يحدث الالهام في الممثل في النهاية لا يصنع بين عشية وضحاها، وعلى الممثل ان يقبل الحقيقة التي تقول:
«ان مهنة التمثيل تستغرق عمرا».
المسرح يجعلنا نشعر ونفكر، وهناك من يرى ان دور الفن هو لهذا الهدف لحث الشعور وانتاح الرأي وتعميق تجربة الحياة. وهناك مناقضون لهذا الرأي حيث يرون انه تبسيط واحلام يقظة، وان المسرح كغيره من الفنون للتسلية الجديدة ومشاركة في الشعور وما يؤثره، فالاتصال يختلف عندما تمارس المشاهدة في المسرح، ان هذا الفعل القرار الذي يهيئنا لتلقى التأثير على نطاق اوسع واعمق مما نشاهده في الحياة العادية. في المسرح الحقيقي: قلق دائم لا على مصيره الشخصي وانما على مصير المسرح ومأساتنا نحن المسرحيين متشابهة يعبر عنها «جواد الاسدي» في إحدى لقاءاته قائلا:
المسارح كلها مهدمة ليست في بيروت فحسب، بل في كل العالم العربي وعلى المسرحي في ظل هذه الظروف المتعثرة ان يتحول الى كائن ابدي يحضر في الذات الفردية والجماعية، بهدف انشاء مسرح يتحول يوما بعد يوم الى شواذ في البينية العامة».
ومن هنا يأتي الاحساس بالبعث المريع، كأننا نتحول داخل اعمالنا المسرحية الى شخصيات تشبه ابطال «بيكيت» أو «يونسكو» شخصيات عدمية وعبثة آيلة الى الهلاك، ولكنها تحتفل بعدميتها وجنونها ونشازها. هنا تكمن المشكلة في مجتمع ليس لديه اي احتفاء بالمسرح في وقت يجهد فيه المسرحيون ليثبتوا فكرة المسرح. ذاك هو التناقض الفظيع، ففي ظل الاستحواذ المخيف للإعلام الفضائي وسرعة ايصال الصوت والصورة عندي حدث من اي مكان في العالم، هذه الوضعية يترجمها في شيء من المرارة الصحافي البريطاني المعروف «روبرت فيسك» قائلا: ماذا كان بوسعي قوله لجريدتي من العربية السعودية اثناء الدقائق الاولى من الحرب في حين كانت شبكة C.N.N قد نقلت من بغداد مباشرة بداية الصراع، واذكر انني شعرت بإحساس قوي كأنه ألم عضوي، عندما ادركت ان ايام الصحافة المكتوبة القديمة والجميلة قد انتهت وحلت محل عملنا القديم متابعة التلفزيون مباشرة مع العلم ان هذا يجعل الانباء اكثر قبولا للتلاعب من اي وقت مضى.
من الممثل؟ وما هو فنه؟ وعم يعبر؟ وكيف؟ ولمن الممثل أو الشخص باعتباره وحدة سيكوفزيائية، في مجال العلاقات المتبادلة بين الروح والجسد او النفس والجسد. حتى لو رفضنا هذا الاساس فذلك لا يشكل خلافا فما من احد ينكر وجود الظاهرتين معا – الفيزنائية والسيكولوجية – في الانسان. ففي قطعة الخشب يرقد التمثال الذي سينحت منها. والشيء الضروري الوحيد لنحت التمثال هو ادراك الخصائص المتأصلة في الشخص الواقف على خشبة المسرح (الممثل) ما هي تلك الخصائص والمزايا التي يؤدي بها عرض لجوهره السيكوفيزيائي بالنسبة لتصور الجمهور؟
لذا تم تقسيم التالي:
1 – الصوت.
2 – الحركة.
3 – العاطفة.
وقد يعترض احد ما على فكرة العاطفة بالقول: ان نبضات القلب المصحوبة بالتأثر العاطفي هي الحركة المعبرة عن الاحساس العاطفي، فالجبين البارد واليدان الساخنتان التي هي نتيجة للتأثر ليست بالتأكيد صوت ولا حركة.. هي تحتاج الى اللمس كي ندركها، وقضية اللمس مزعجة للممثل. لكن كل ممثل بالضرورة يعرف بان جهده الحقيقي الخلاق ينقل للمشاهد رسالة تتجاوز نطاق صوته وحركات جسده.
لهذا لابد من الاصرار على العاطفة التي يصعب حصرها تناسب مباشرة من الممثل الى المشاهد لوضعنا الممثل في ظروف موضوعية وحددناه تمثيليا: لماذا يتحرك الممثل؟ لماذا يصرخ؟ ما الذي اثاره فسنغير المجموعة السابقة على النحو التالي:
الحركة – ايماءة
الصوت – الكلمة.
الانفعال – الفكرة.

 

http://www.alayam.com/


عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.