“الكتابة المسرحية في الإمارات: الواقع في مرآة الذات”

عن “الهيئة العربية للمسرح” أصدر الناقد الدكتور عبد الرحمن بن زيدان في سلسلة دراسات مصنفا نقديا تحت عنوان “المسرح في الإمارات العربية :الواقع في مرآة الذات” فيه قام بعرض مستفيض لتاريخ التجربة المسرحية في الإمارات من البدايات إلى الآن، وقام بتحليل تجارب الكتاب، والمخرجين والنقاد، يقع الكتاب في 415 صفحة وفيما يلي المقدمة التي وضعها لهذا الكتاب.

[تجربة المسرح العربي بين الممكن والممكن
المسرح العربي سجل مكتوب بذاكرة وواقع الشعب العربي، مكتوب بواقعه، كما أنه مكتوب بثقافات الأمم، مسرح فيه الممكن والمحال، فيه الواقعي، وفيه المستحيل، فيه الحلم الجميل، وفيه الكابوس المفزع، فيه الجمال، كما أن فيه القبح، فيه الذاكرة الناطقة بزمانها، وفيه الصمت المتكلم بمعناه، إنه الكتاب الذي يُسطر فيه المسرحي العربي مسرحا، وتُكتب فيه حكايات، وأزمنة مرتبطة بسياقات من سطّرها فأحسن تسطيرها، وفكر في تأثيثها فأحسن تأثيثها، ومسْرح الحياة فيها فأحيى فصولا للمتعة في زمن الفرجة فأبدع في متخيله حلمه، وواقعه.
نجد هذا المسرح يقف أمام فنون المجتمعات يريد إحياءها، ويسعى إلى دمجها في نسيج الحبكة المسرحية التي لا تفسخ علاقتها مع الحياة، وكلما وثق هذا المسرح علاقاته بمحليته المشرعة على إمكانية الدخول في آفاق لم يألفها من قبل، ليتعامل معها، ويتفاعل معها إلا ويجرد المجرد من غموضه، ويضفى الوضوح على ما كان ملتبسا، وغامضا، ومغلقا بمحدودية الرؤية، لينتقل من كونه حاجة عابرة عرضية، إلى كونه ضرورة تعبيرية عن قلق الإنسانية. 
هذا المسرح حين يضع قوانين وجوده في شكل إنجازه، وحين يتجاوزها لتجديد هويته، ويعمل على تغيير بنياته، فهذا يعني أن حيوية الفعل الكتابي في اشتغالاته قد حركت فيه الثابت بحثا عن متحول يتطلع نحو فعل يحول المتحرك أثناء حركته إلى دهشة فنية تدخله زمن الاختلاف، وتوطد علاقته بمن سيندهش بمتخيّله أثناء تلقي عوالمه الجديدة.
بهذا فالمسرح بكل المعاني والمقاييس يعتبر ذاكرة الثقافات، وذاكرة الشعوب، وذاكرة مخاضات التحول الفكري، والفلسفي في الزمن العربي، هوسجلّ التجريب المسرحي مع الكتاب، ومع المخرجين، ومع الورش المسرحية، والتقانة المتطورة، إنه الأقدر على استيعاب كل التناقضات، حين يتبع التواءات، وتعرجات كل المفارقات، ويسعى إلى فهم أسباب ذلك، فيضع في حسبانه اهتمامات الجميع في النص المسرحي، وفي الفرجة المسرحية ليبقى الحيز الفرجوي فيه منفتحا على كل الأحياز التي تكسبه فعاليات جديدة متجددة يلقح بها رؤيته، ويُجوّد بها أدوات اشتغاله.
وإذا كانت مكونات هذا المسرح منسوجة بلغات، وممهورة بعلامات، ومتحركة بثقافات، وتراثات، وأساطير، وتواريخ عديدة تنكتب في هذه الأحياز بتجريب مسرحي مبدع، وتولد صورته زمن الفرجة، فإنه يبقى الظاهرة الاجتماعية، والنفسية، والسياسية الأوفق، والأنسب، والأمثل القادرة على معرفة الكيفية التي يحتضن بها كل الأجناس الأدبية، والفنية، ويعرف كيف ينفرد – فيما بعد – بخصوصياته الأدبية، والفنية، والتخييلية، بعد أن تكون مضامينه في بنياته، وعلاماته قد تحولت إلى حياة جديدة تسير نحو وجود غير موجود – من قبل – في التجارب المسرحية، فيتحول إلى كلام بوّاح بكلام صريح العبارة يبقيه – دائما – وثيق الصلة بواقعه، وبسياقاته، وبمتخيله، لأنه كلام، وعلامات، وصمت غير ساكت، يوجد في مشاهد دالة على مخاضات لا يجعلها هذا السياق مصمتة، لأن حضوره الحيوي لا يتحرك في فراغ، ولا ينطلق من فراغ، ولا ينطق تجاربه من فراغ، لأنه ظاهرة مسرحية إنسانية تدوم بدوام معرفة مسرح المعرفة بعالمه، وبالعالم الواقعي، والافتراضي الذي يحرك فيه هذه المعرفة.
وإذا كان المسرح العربي حاضرا بعوالمه العجيبة، الغريبة، الصادمة، المفرحة، المبكية، الكوميدية، والمأساوية، العبثية، والواقعية، والملحمية، ويتوزع بين قسوة الحياة، وقسوة التعبير عنها مسرحيا، وإذا كان ضعفه وقوته هما صورة من العالم الذي يتأسس على دهشة العوالم التي تخرجه من حصار الغموض، والرتابة، وركود الكلام، وموت اللقاء، وتسهل عليه معانقة غرابة السحر الفني الجمالي الممتنع، ومعانقة الإمتاع والمؤانسة، ليكون تحفة للنظار، ومتعة للناظر، فإنه يبقى الضوء الذي يحرك ظلمة الكلمات حتى تغادر ظلمتها، تحركه الحوارات حتى يبني بلاغة ما تنطق به هذه الحوارات، وتوطد العلاقة ما بين بنياته، وبين العلامات والإيقونات بهذه الحوارات، لإنه يبقى مسرحا عربيا يجرب بناء سحره بما يجرب أثناء هندسة البناء الجمالي الممتع، ويكتب رؤيته بما يكتب، لأنه – دوما – لا يريد أن يبقى واقفا أمام الأبواب الموصدة، ينتظر من يمد له يد العون المعرفي ليستمر بقوة ليست قوته المعرفية، ويبني كيانه خارج شروط بنائه، كما أنه لا يريد أن يبقى حبيس الآفاق المسدودة التي تعزله عن رحابة العالم، ورحابة الدلالة وأفق المعنى في كلامه، لأن المسدود في الدلالة، وفي الرؤية، يعني الرتابة التي تقتل فيه روح التجدد حين تفرض الحصار على كل عملية تواصل ممكنة بينه وبين من يريد أن يعيش لحظاته السحرية.
إن المسرح العربي لا يتجدد إلا باقتحام المجهول ليبني مجهوله في معلومه، ويقطع رهبة المفاوز وسراباتها لوضع بوصلة توصله إلى شط المعنى، فيقارب القضايا، ويفك غموض المفارقات، ويبني مفارقاته الخاصة التي منها ينطلق، وإليها يعود إلى نقطة البدايات، ومن هذه البدايات يعيد النظر في وسائل العمل، ويقوم بتفحص ما كتبته الكتابة، ويجس نبض التفاعل مع العالم وهو يتطلع إلى الأزمنة الآتية التي تحتفل بكتابة رؤيته بالمفارقات وهو يختار ما يناسب فعل تطوير ما يمكن تطويره.
من هذا التطلع كان تاريخ المسرح العربي يكتب بإيقاع متفاوت المستويات تجربته المسرحية المختلفة في تحولاته التي هي سليلة تعرفه على نظريات المسرح، وهي نتيجة تعرفه على أشكال ممارسته المسرحية في كل الأزمنة، وفي كل الأمكنة التي عرفت تألق الحضور المسرحي بحضور الحوافز الذاتية منها والموضوعية التي حركت كل الإيقاعات التي كتبت العالم الجمالي لجمالية المسرح العربي بمعنى وجوده الجميل.
إن مسرحا عربيا يحمل معنى الوجود المعرفي في تشكل بنياته وخطاباته، هو مسرح يتكلم بمعانى ما يتحدث به هذا الوجود بهذه الحوافز، ويتحدث بما يتحدث به الوعي التاريخي، والفني، ولا مناص من كون كل خطوة يخطوها هذا المسرح، ويحقق بها وجوده بين باقي التجارب، والأجناس الأدبية الأخرى، إلا وتدخل ضمن المفردات التي يكتب بها ضجيج العالم من حوله، ويسمع إلى صخب تناقضات مجتمعه العربي، ويجس نبض قلق الإنسان بما هو معنى لهذا الوجود. 
هناك طبعا تجارب مسرحية عربية كان قلقها يتفاوت من تجربة إلى أخرى، وكان وعيها بوجودها يتباين حسب المرجعيات التي تملكها كل تجربة مسرحية تريد أن تطل على هذا القلق دون أن تكون جزء من حالاته، ودون أن تكون نبضا إبداعيا يعكس معاناته، وهناك تجارب أخرى أرادت أن تسبر أعماق ما هو إنساني للنهل من مرارة هذه المعاناة السوداء، وهناك – طبعا – تجارب مسرحية عربية أخرى عرفت كيف تقوم بتدبير علاقاتها مع كل الحالات الإنسانية لتحولها إلى إبداع أصيل بأصالة التجربة، وبأصالة مرجعياتها، فكان همها الوحيد من التجريب المسرحي هو أن تسهل على تجربتها أن تتكلم بدلالات الوعي بالوجود، والوعي بهواجس المجتمع، وهناك تجارب أخرى لم تتمكن من التحرر من طوق البدايات التي كبّلت ممارستها المسرحية داخل ما هو معروف، وسائد، وسطحي، فظلت وفية للثوابت التي رسخت صورة هذه البدايات، دون آن تعي أنها تظلم نفسها، وتظلم كل متلق بما تنتج، وتظلم الثقافة المسرحية العربية، وبالمقابل، هناك تجارب أخرى كسرت طوق بدايات الإعلان عن ميلاد المسرح في خارطتها الثقافية، وبدأت تتأهب معرفيا لتكون ضمن الفعل المسرحي العربي المتحول على الرغم من حداثة تجربتها المسرحية في الزمن المسرحي العربي.
هذه الحداثة لم تبعد هذه التجارب المسرحية عن أصولها التراثية، ولم تنسها عتاقة ظواهرها المسرحية، وثقافتها المتراكمة عبرالعصور، والراسخة الوجود عبر الأزمنة، وهذا ما عزز قدرتها المسرحية على مواصلة فعل تأسيس مسيرها المسرحي بالشكل الذي يناسب خصوصياتها المحلية، ويلبي حاجة في نفس هذا التجريب المسرحي الذي لا يريد أن ينسحب من كل مكونات مجتمع عربي يعرف كيف يقدم ذاته بفنونه، ويدري كيف يحقق كل أشكال التواصل فيه بمسرحه.
لقد تحكمت الأحياز الجغرافية في هذه الحداثة، وضبطت إيقاع التواصل مع الذات ومع العالم، ولم تترك أي فرصة تمرّ إلا وتقترب من هذه الظواهر للانخراط في فعل التأسيس المسرحي الذي راهن عليه كل كاتب مسرحي عربي لتكون صورة الذات متجلية في صورة ما ينتجه إبداعه المسرحي بعد أن يكون قد تشبّع بجدوى التفاعل مع التجارب المسرحية التي رسخت كيان ما تنتج، فجعلت المسرح ظاهرة ثقافية لا تتأصل إلا بمعرفة الكيفية التي تستوعب دلاليا عالما يعيش مخاضاته، فتصبح هذه المخاضات محركا أساسا لفعل الكتابة، والتخييل، والتجريب المسرحي أثناء الجمع بين الدال ومدلوله في البنية المسرحية.
الجغرافيا بالمعنى المجازي والمادي تظل رحم تفاعل كل السياقات الثقافية العربية، وحاوية كل الذهنيات، وحاضنة كل أشكال الوعي الجمعي المتحرك بتصادم الحضارات، والمُحتكّة بكل التفاعلات الثقافية، هذه الجغرافيا التي بها تتحدد كل العلاقات الموجودة بين الشعوب، وهي حين تصير امتدادات مفتوحة على جغرافيات أخرى، وحين تجدد العلاقات بين ثقافات الشعوب الأخرى، فهذا دليل على أن قنوات التواصل مع باقي المحيطات، والأحياز الأخرى قد شرعت تؤتي ثمارها، وبدأت تؤهل الجديد كي يتجدّد، وبدأت تساعد الموروث على التحرك لنسج إمكانات تحيين القديم بالجديد، وتجديد الجديد بالحديث، فتهمل المهمل، وتنطق المسكوت عنه، حتى يأخذ موقعه في هذه الأحياز ليكون المسرح العربي صورة هذه الجغرافيا، ويكون حقيقتها، ويكون تاريخه الذي يؤرخ لكل التفاعلات، وللوضعيات السياسية، والفنية، والحضارية، والاقتصادية، ويكون في نهاية المطاف ظاهرة حيوية متحركة في الزمن وفي المكان.
في هذه الأحياز يكون المسرح العربي – وهو يمتلك خصوصياته التفاعلية بوعي، وبتبصر – حاضرا بما يقدمه من نتاجات، ويكون الصوت المعبّر عن قضايا سياسية، ومجتمعية، وحضارية شائكة، لأنه يبقى المسبار الحقيقي الكاشف عن وجود حرية التعبير، ووجود ممارسة ديمقراطية حقيقية في المجتمع المديني المتحضر، كما يمكنه أن يكون كاشفا حقيقيا عن غياب هذا التعبير، وهذه الديموقراطية، وهذا المجتمع.
بكل تأكيد أن المسرح العربي يعيش موزعا بين الإشكالات الكبرى التي تؤرق المبدعين المفكرين في الوطن العربي، وتؤرق المثقفين العرب، من بينها مسألة تحقيق الفرادة، ومسألة الوصول إلى إنجازالخصوصية العروبية لهذا المسرح، ومنها البحث عن الوسائط التي تقربه من كيفية ارتباطه بالبحث المتجدد عن الظاهرة المسرحية العربية شكلا ومضمونا، بنية ودلالة، طبيعة ووظيفة، بكل ما تفرضه هذه الظاهرة من شروط الحيوية، والتجدد، والتعلق بها لجعلها منطلقا لتأصيل هذا المسرح وتحديثه.
من الدعوة إلى تأصيل هذا المسرح كثرت النظريات المسرحية العربية الداعية إلى مراجعة الهيئة التي يوجد عليها هذا المسرح، وتناسلت البيانات المسرحية، وكثرت النداءات التي تحرض فنيا، وفكريا، وسياسيا على إيجاد صيغة مسرحية عربية خارج المنظومة المسرحية الغربية الوافدة على الثقافة العربية، وهناك من فتح باب الاجتهاد الفني في التجريب المسرحي، ودعا إلى تطعيم هذا المسرح، وتلقيحه بالنظريات الجديدة التي فتحت باب الحداثة على مصراعيها فكريا، وفنيا، لتعيد النظر في كل مكونات هذا المسرح.
وهناك إشكالات أخرى تتعلق بحيوية هذا المسرح ضمن الطروحات التي تسابق الزمن من أجل ترسيخ منظومات فكرية أخرى تكون مكونا أساسا لرؤية هذا المسرح العربي وهو يريد أن يفهم واقعه وتاريخه، من بينها، قضايا ترسيخ فكرالاختلاف، والهوية، والاختلاف الذي لا يفسد للحوار قضية، ومسألة معالجة العديد من الثنائيات الضدية، أوالثنائية المتواصلة الامتدادات، من بينها العلاقة بين الماضي والحاضر، الأنا والآخر، الأصالة والحداثة، الشرق والغرب، التراث الشفوي والثقافة الشعبية، مقابل الثقافة العالمة، ومنها مسألة توظيف هذا التراث أثناء صياغة عالم الكتابة المسرحية بقناع هذا التراث. 

[ قناع التراث في المسرح مدخل لكشف الواقع 
لا يتخذ الإبداع في فنونه السردية والفنية، والاستعراضية أبعاده المدهشة إلا حين يكون التراث فيه قوة رمزية تُفعل حيوية الكتابة بصور الكلام، وبدلالات الحوار، وببلاغة الجسد، وبأبعاد التشكيل بالخطوط والأشكال، والألون، وبالغناء حتى تمتلك بلاغة هذا الإبداع عمقها، وتتميز بشاعريتها، وتحصّن قوتها الدلالية بقوة هذا العقد التشاركي بينها وبين كل المفردات التي تكون بنيتها المتراصة في الشعر، وفي الرواية، وفي المسرح على وجه الخصوص، وتقرّب ما يجمع هذا الإبداع من سمات تدل فيها كل بنية من بنياته على انتمائها إلى مجالات هذا الإبداع لتصنفها حسب النوع، وحسب الجنس الأدبي، أو الفني الذي تنتمي إليه.
نقل هذا التراث من سياقاته الموجودة سلفا، وإخراجه من عالمه المغلق، ومن تركيباته الموروثه، وانتقاء بعض لحظاته الدالة على عمقها الإنساني، كثيرا ما يتخذ منه الإبداع المسرحي العربي مصدرا لإبداع حيوي يكسب به شرعية الانتماء إلى تجريب مسرحي يحفز على تحريك الفعالية الكتابية حتى تنجح خطاباتها في إبلاغ ما تريد إبلاغه دون اللجوء إلى الخطاب المباشر الذي لا يحمل لا صفة الإبداع، ولا أسلوب بناء النوع الأدبي والفني، ولا القدرة على التميز.
تكوين لحظات الإبداع المسرحي العربي بالتراث تجعل هذا التراث إبداعا للحظات التراث بما يناسب السياق الثقافي العربي الجديد الذي يكتسب فيه حياة أخرى، ومعاني أخرى، وأسئلة وجودية أخرى، هي بالضرورة رؤية الكاتب الذي يخفي رؤيته العميقة تحت قناع التراث، ويفصح بالإيحاء عن اللحظات المتوترة في أزمنته التي لا يمكن التعبير عنها، وصوغها إلا بقناع بلاغة التراث.
من هنا فإن قناع التراث في المسرح العربي يعني أنه قد تحوّل إلى كتابة زمن جديد، لإبداع جديد، بمعاني جديدة، ويعني أنه يقدم دلالات شفيفة لا تقدر الكتابة المباشرة، الباردة، المفككة، البوح بمعانيها، ذلك أن وضع هذا التراث كقناع مجازي على المكتوب، لا يعني ضعفا عند رجل المسرح، أوضعفا في الممارسة الكتابية، ولا يعني أنه توشية للموضوع من أجل التزيين، بل هو تركيب وظيفي بين الدلالات المختلفة لمفردات التراث، ورموزه الحية في الذاكرة الجمعية لكتابة المتن الجديد، وهذا يعني أن هذا القناع سيصير عاملا مساعدا يعين على توحيد الدلالات المستجلبة من الماضي بالدلالات المحايثة للحاضر حتى تتحقق الأبعاد الدرامية في الدراما، وتجعل الكاتب المسرحي يكتب رموزا لا تتماهي مع رموز التراث المغلق، بل تجعله يرسم رموزا تتوزعها معاني الذاتي وصولا إلى كل ما يقارب كينونة الإنسان في التاريخ، وفي المجتمع، وفي كل التوترات التي تنقله من زمن انحسار التعبير في المغلق إلى رحابة القول، والتبئير، والتركيز على كل ما ينفع جمالية التعبير ولا يضر العملية الإبداعية فيما تحققه من تغيير.
وهذه العمليات نجدها في كل مسرح عربي يتحقق بهذا التركيب الوظيفي للتراث ودلالاته التي تصير هي دلالة الآن وما بعد الآن، وتصير صورة من بين صور الزمن في المكان دون التخلي عن شعرية هذا التراث، ودون التخلي عن دلالاته العميقة التي تسعف الإبداع بامتلاك قوة دلالية جديدة تقيه من السقوط في كل ضحالة، وتسطيح يمكن أن يوصل التراث إلى موت التراث، وليس إبداع لحظاته في لحظات التجربة المسرحية الجديدة.
يمكن التوكيد هنا أن المسرح العربي في جل أزمنته الإبداعية ظل موصول الصلة إلى تراثاته، وظل مرتبطا بمعانيه المختلفة، وهوارتباط وجد فيه كتاب المسرح مسعفا حقيقيا من ضلال التقليد، والاقتباسات الكسولة من نصوص غربية، وهذه صلة وضعت حدّا لتيهانهم وراء المواقف الرافضة للتعامل مع ما يقدمه هذه التراث مبتعدين عن الموقف السلبي من التراث .
دفع هذا التوكيد بهؤلاء الكتاب المسرحيين إلى أن يقطعوا التردد والتيه بالحسم الفعال في اختيار العناصر التراثية كي يكتبوا نصوصهم المسرحية لتقديم هذه المعاني إلى كل مستقبل محتمل يريدون منه أن يجد فيها متعة أثناء قراءة النص المكتوب، أوأثناء تلقي العرض المسرحي، ويجد فيها جمالية التعبير التي يغادرون بها – معه – كل اللحظات التي تشوش على دفق دلالات هذا القناع التراثي الذي لا يمكن اعتبار التعامل معه، وتوظيف معانيه نوعا من الهروب من الواقع، أو التخفي وراء شخصياته، أو تكرار ما قاله مضمونه، بل اعتبار هذا التراث منطلقا جديدا لكل إبداع مسرحي سيتحول بالضرورة إلى إبداع آخر يقدم صورته في تجلية دلالات ما يريد الكاتب المسرحي العربي قوله أثناء تقديم موضوعه.
تعدد أقنعة التراث في المسرح العربي لا يعني في كل تجلياته سوى تعدد المواقف، وكثرة الأسئلة حول أشكال التعامل معه لفهم الواقع المعيش، كما يعني تعدد مستويات التعامل مع دلالاته، وخلفياته تحريك الساكن فيه، ويعني أن المقصود من اللجوء إليه هو الاحتماء به من قسوة المنع، والمصادرة، ويعني التساؤل حول كل من يمنع التساؤل حول الوظيفة الإيديولوجية، والاجتماعية والسياسية التي كان يقوم بها هذا التراث عبر الأزمنة.
وحين يتعامل المسرح العربي مع التراث، ويضعه قناعا يخفي واقعا مريرا، أو يخفي وضعية سياسية متوترة، أو ينطق به خطاب نقده السياسي للمؤسسات، فإنه تعاملٌ يبحث عن بلاغة هذا التراث بحبكة قناع التراث بما يناسب هذا الواقع، أو يختلف عنه، أو يتجاوزه حتى يصل إلى أقاصي الإفصاح عن القول الذي لا يخفي المحجوب، ولكنه يظهر ما وراء هذا المحجوب، ولا يغطي ما يغطيه الواقع، بل يعري ما يجنه كلام هذا الواقع، ولا يلون بألوان باهتة ذابلة كلام المكتوب، بل يختار اللون المناسب للقول المناسب بغية تحويل قناع التراث إلى قوة تعبيرية تجعل التجربة المسرحية العربية حية بآنفتاحها على التراث وهي توظف قصصه، وأساطيره، وحكاياته، ومرويات وظواهره الاحتفالية، وطقوسه التعبيرية بالغناء والرقص، والتصوف، والشعر، لتوظف جماليات التعبيرات التي يؤثث بها الحكواتي أزمنة الفرجة.
هذا النوع من اللجوء إلى قناع التراث لتحديد إنتاجية المسرح العربي هي الخاصية التي تميز التجربة المسرحية العربية من الخليج إلى المحيط، مع اختلاف في زوايا النظر، وفي أشكال ومستويات تناول هذا التراث، والتعامل مع مفرداته، وفي أشكال توليد المعنى من أرحامه، وإدماجه في أرحام البنيات الدرامية الجديدة، وجعله يتكلم بما يريد أن يجعل منه الكاتب دراما متخيّلة بصيغة التجربة التي يختارها لبنية ما يكتب، وليس تجميلا يقف عند حدود التجميل، والتزويق، والادعاء بمسألة توظيف التراث توظيفا خاليا من الغايات والأهداف.
إن قناع التراث، واللجوء إلى هذا التراث في اللحظات العصية من الزمن العربي لا يمكن قراءته إلا كون حضوره في المسرح يبقى عملية إبداعية لها مبررات ودوافع سياسية، واجتماعية، وإبداعية، تدفع إلى تبني هذا النهج الذي يدعو إلى التعامل معه تمثلا، وتمثيلا، وإعادة كتابة، وتدلّ على أن هذا الإبداع في كل مجالاته الحيوية، وتجاربه المتحركة، لا يمكن أن يتقوى، ويتحدى سلطة المنع، والرقابة، وتتبع أنفاس الإبداع والمبدعين، إلا بالتزود من زاد التراث، واختيار فصيحه، والتعبير به عن غموض الواقع المعيش في الزمن الإبداعي المتوتر خارج سياقاته التاريخية، والمعتكل داخل سياقاته المسرحية، إنه الجامع – في نهاية المطاف – بين المتوتر وبين هذا المعتكل لتقديم رؤية أخرى يمتزج فيها ما يجليه قناع التراث بجمالية التعبير بهذا التراث عن القضايا الكبرى التي لا يمكن أن تكون إلا كبرى لأن المسرح العربي الحقيقي لا يشتغل على ما هو عرضي، وزائل، ووقتي، واستهلاكي، بل يشتغل على القضايا الكبرى حتى يبقى شاهدا بإبداعه على كيفية التفكير في التاريخ بهذا المسرح الذي يتخذ من التراث قناعا يفتح به مغالق هذا التاريخ بعد ان يكون هذا التاريخ قد فتح مغالق الكتابة ومسدودها بوعي الكاتب وكفاءته، وموهبته، وقدرته على التفكيك وإعادة البناء. 
من هذه القضايا الكبرى – إذن – ومن القدرة على امتلاك فهم التراث، والإحاطة علما بمكوناته، ومن سعة علم من يتعامل مع رموزه، وخطاباته، ومن القدرة على فصل الحدود بين الأزمنة التي يتم انتقاؤها من كل تراث، وما يسعى الكاتب إلى بنائه بالتناص، أو بإبداع نصوص موازية لهذا الموروث اللساني، فقد غدا المسرح العربي موجودا بجماليات التراث كقناع جمالي يكتب الأزمنة العربية، ويكتب عن خللها، ويفضح عورات مستغلي الظرفية العربية لتعطيل الحداثة العربية المنتظرة، أو توقيف الحداثة الممكنة للزمن العربي، وهذه من بين قضايا وجود القناع المُسيس في مسرح عربي بدلالاته الجديدة مما يؤكد أن قناع التراث في المسرح العربي ليس بريئا، وهو يقدم خطاباته، لأنه قناع مسرح منتم إلى تاريخه بجمالية هذا القناع .
هذه الطروحات، بكل أسئلتها الموجودة، أوالمؤجلة، وبكل أشكال المسرح الموجود بها، أوالغائب بغيابها، جعل مستويات الإجابات تختلف من تجربة إلى تجربة، وجعل مقاربتها، والاقتراب من إشكالاتها يختلف من قطر إلى قطر، وجعل التفاوت متفاوتا في مستويات التعامل مع هذه القضايا المسرحية الملحة، وذلك نتيجة مجموعة من الاعتبارات، والمبررات منها:
ـ حداثة التجربة المسرحية الطارئة على البنية الثقافية في العديد من الأقطار العربية.
ـ شكل تقبل الظاهرة المسرحية الموزع بين القبول والتحريم.
ـ مستوى التعامل مع المسرح لغياب تقاليد تحدد شكل هذا التعامل.
ـ غياب المؤسسات الحاضنة للفعالية المسرحية، لغياب المشاريع الثقافية التي تضع المسرح من بين أولويات التواصل الثقافي لتثبيت الفنون الراقية بهذا المسرح.
إذا كانت هذه العناصركلها تشكل الناظم المشترك في وجود المسرح العربي المختلف، إبداعا، وممارسة، وتنظيرا، ورؤية للواقع العربي، فإننا سنعتبر ما سبق ذكره تمهيدا للحديث عن المسرح في الإمارات العربية المتحدة، وهو حديث سيبقى مشروطا بشروط بدايات هذا المسرح ذي الصلة الوثيقة بالممهدات التي وضعت النواة الأولى للصيغة المسرحية الوليدة في تاريخها الحديث، وأعطتها أول مساحة ممكنة للتحرك، وأول نبراس فني للتفكير في الصيغة المسرحية التي تتوافق مع هذه البدايات، لجعلها تفتح بوابة المسرح أمام الجيل المؤسس الذي أخضع حماسه لخصوصية هذه البدايات، ومكنه من وضع هذه النبتة في تربة ثقافية لم تكن تعرف المسرح كممارسة، وتراكم، وفعل كتابي له قواعده، وأسسه الراسخة في الكتابة المسرحية، هذه البدايات التي تجعلنا نصوغ حولها الأسئلة التالية:
ـ كيف كانت بداية هذا المسرح؟ 
ـ وكيف كان فعل استمراره وشكل إنتاجه؟
ـ وكيف أعطى هذا الاستمرار نصوصا مسرحية كانت تتكئ على الواقع وعلى التراث الإماراتي لكتابة واقعها حول الإمارات؟

 

http://www.almustaqbal.com

 

 

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *