أخبار عاجلة

الكتابة المسرحية الجديدة.. أحلام الفيس بوك والخيال الآمن…شباب سوريون وإبداعات تنتظر «الخشبة»

 

بعد سنوات طويلة قضاها المسرح العربي عبر معظم تجاربه في استظهار مسرحيات العالم وتدريسها في أكاديمياته الناشئة تجنح تجربة الشباب العرب نحو تقديم مائدة جديدة للسرد المسرحي، مائدة قادرة على مجابهة الواقع بأدواته ذاتها، فالتجربة التي قدمتها دار «ممدوح عدوان- دمشق» في مجلد ضم ثمانية نصوص مسرحية لكتاب من لبنان ومصر وسورية والمغرب وفلسطين وحمل عنوان «مسرحيات عربية من الألفية الثالثة» لخص عبرها مشروعاً هاماً للكتابة الجديدة، حيث جاءت هذه الخطوة بمبادرة من المجلس الثقافي البريطاني بالتعاون مع مسرح رويال كورت في لندن.

 

 

مع بزوغ الألفية الثالثة افتتحت العديد من مختبرات الكتابة الجماعية، كان أبرزها ورشة الكتابة التي قدمت تمارينها اللافتة على إنجاز النص المسرحي في دمشق قبل أربع سنوات، لتنتقل بعدها إلى تونس والقاهرة، مختبرةً جهدها في تأمل جماعي بين عدد من الكتاب الشباب «واحد وعشرون كاتباً وكاتبة»، عملوا خلال هذه الورشة تحت إشراف الكاتبين البريطانيين ديفيد غريغ وأبريل دي إنجليز إلى جانب مديرة القسم الدولي في مسرح الرويال كورت إليز دودسون، من هنا كان على الكتّاب المشاركين اختبار تقنيات جديدة في كتابة الدراما المسرحية، كتابة أخذت على عاتقها النبش في المسكوت عنه، في التابوهات الأكثر تعقيداً بالنسبة لجيل اكتشف نصه الجديد على ورق الفيس بوك، جيل وضع وجهاً لوجه أمام سطوة العائلة وبطريركيتها المزمنة، لذلك أتت نصوص هؤلاء بعد تمارين طويلة على الجسد لكبح الانفعالات الداخلية، والخروج مجدداً بمقترح مسرحي يتيح أكبر مساحة ممكنة من البوح، بعيداً عن تقعير الأدب المسرحي المترجم، وبالذهاب مباشرةً إلى العامية كخيار نهائي للتعبير عن اغتراب الشباب العربي في مجتمعاتهم المنتمية بقوة لنهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.
في الدخول إلى معمل النصوص الثمانية المقدمة في هذه الورشة لا يمكن إلا أن نجد ذلك الأثر النفسي لمسرحيات البريطانية سارة كاين، فالكاتبة البريطانية المنتحرة عن عمر 32 عاماً تحضر بقوة في كتابات النصوص، متخذةً من التداعي والهلوسة منهجاً جريئاً وصارخاً لصياغة مفرداتها الخاصة، كما تحضر لقاءات شاب سوري بحبيبته في نص «انسحاب» لمحمد العطار، حيث نقرأ سيرة مطولة لعلاقة تقف عند عزلة الاحتجاز في المكان والوقوع في الفخ، علاقة تقف دائماً على حواف «عناقاتها المحطمة» حالة من الحب واللاحب، تضع كلاً من الشاب وحبيبته أمام مرايا المكاشفة المريرة لعجز غريب عن التعبير والفعالية الجسدية بين شريكين لغرفة تصغر كلما اتسع العالم بين العاشقين، أيضاً يبرز نص موضوع العلاقات بين الشباب والشابات بقوة في نص «منتجات مصرية» لليلى سليمان، إذ تستمر المواجهة بين شاب وصبية يسكنان على أطراف القاهرة، وبلغة عابقة بالسخرية والمرارة تنحو «سليمان» إلى حمولة مسرحية مختلفة في توليد الفعل وحياكة مضاعفاته، متخذةً من حياة شاب وشابة مولعان بالتحليل النفسي والطب الشعبي انعكاساً لتمظهرات السلطة وغيبيتها في آن معاً.
لا تغيب الحرب أيضاً عن المحترف المسرحي الجديد ففي نص «عطب» للمغربي كمال خلادي نقع أمام مواجهة جديدة من نوعها بين شاعرية كئيبة وكوميديا هزلية لاذعة تتكئ في بنائها الدرامي على قصة رجل وامرأة حديثي الزواج، حيث يترك الزوج شريكة حياته ليلتحق بقوات حفظ النظام مع فرقة للجيش المغاربي لقاء وعد براتب جيد، لتأخذ الأحداث طريقها إلى خذلان عجيب وخراب يقود في النهاية ضياع الأمل واندثاره. هذا ما سيتقاطع مباشرةً مع نص «أرق الجميلة النائمة» للبناني عبد الرحيم العوجي، ولكن بطريقة أشد إيلاماً وسريالية لحياة رجلين يختبئان من القصف الإسرائيلي عام 2006 على مدينتهما في مسرح يقع في ما كان يسمى ب» خط التماس» حيث ستعيد الحرب كلا الشخصين اللذين عاشا الحرب الأهلية اللبنانية في الثمانينات إلى بقعة أرض تضعهما أمام أسئلة وجودية وسط مجابهة نفسية معقدة بعيداً عن انتماءاتهما المذهبية الضيقة، ووجهاً لوجه مع موت أكيد تحت ركام المسرح المهدم، وجثث القتلى، لتظهر هنا جثة امرأة تعود إلى الحياة بفعل صحوات موتها لتدير لعبة الأقنعة هذه، ولتنتهي المسرحية بقذيفة إسرائيلية تعيد جثة كل منهما إلى حيزه المناطقي الأول.
في المقابل تبدو اللعبة أكثر اندفاعاً في النصوص المسرحية الجديدة، متحررة من بلاغات الفصاحة المجانية وبرجزة الشكل وخضوعه لقواعد الكتابة القديمة، فالعاميات هنا قادرة على استشراف المدينة العربية المعاصرة، وملامسة الشيفرا الثقافية والاجتماعية المعقدة لسكانها، معتبرةً الجمهور كائن جغرافي وتاريخي تجب مخاطبته ضمن زمانه ومكانه ووجوده الفيزيائي والمعرفي والوجداني، فتفاعله مع اللعبة المسرحية يكمن أولاً وأخيراً في براعة النص وقدرته على تحقيق الراهنية والطزاجة، ففي نص «المرود والمكحلة» للسوري عدنان عودة تظهر اللهجات نجاعتها في توصيف الفسيفساء السورية المركبة من عرب وأرمن وآشوريين وأكراد في صيغة تنتهج مونتاجاً مذهلاً لقصة حب تبدأ من جبال آرارات لتنتهي عند بيت في حي المهاجرين على سفح جبل قاسيون بدمشق، لتتحول «السالفة» الرقاوية لأحداث «المرود والمكحلة» إلى منهج خاص في السرد وتفنيد الصراع المسرحي على الخشبة، كذلك تذهب اللبنانية أرزة خضر لنسج أحداث مسرحيتها»البيت» في قلب بيروت المعاصرة عبر قصة شقيقتين تقرران بيع منزلهما في العاصمة بعد وفاة الأم؛ ليبدأ صراع الأختين من خلال تمسك الأولى بماضي منزل الأهل والطفولة، فيما تصر الأخت الثانية على البيع؛ لنلامس ها هنا تفاصيل تلك الأزمة الداخلية لفتاتين تعيشان تحت ضغط الذاكرة الجمعية لمدينة شهدت أحداث الحرب الأهلية ورغبة كل منهما في صيانة هويته الجديدة بعيداً عن عبادة الذكريات وثقلها العاطفي القاسي.
لا يمكن تحييد الإحساس المستمر أثناء قراءة «مسرحيات عربية من الألفية الثالثة» عن تلك اللغة المتأزمة والقلقة العامرة بالخوف من مجتمعاتها المتأرجحة بين ماضيها المتورم وحاضرها المأزوم اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، فالغضب المنفلت من حوارات النصوص المكتوبة يمد لسانه للعالم بطريقة دراماتيكية مفجعة، يحضر ذلك في مسرحية «603» للفلسطيني عماد فرجين لتظهر لنا هذه التجربة حكاية أربعة سجناء فلسطينيين في المعتقلات الإسرائيلية، تتوضح لنا قصة كل شاب على حدة، فالأول يتخذ من بعوضة صديقة له، والثاني يسلك درباً طويلة من استحضار روح حبيبته الغائبة، أما الثالث فيجرفه نهر الجنون ليفقد صوابه طلباً للحرية والانعتاق من قضبان سجنه الطويل، فيما يفلسف الرابع أسلوباً جديداً في رسم أبواب ونوافذ على جدران السجن، لتنتهي المسرحية بذروة درامية متناهية في الكراهية والفكاهة الممزوجة بعتب داخلي خافت.
المغربي جواد السنني يخوض مباراة مؤثرة مع نفسه في رسم شخصيته «حسن الكليشي» اللافتة التي حمل نصه اسمها، منطلقاً من تضمينات المفارقات العجيبة في الحياة المغاربية المعاصرة، فمن الاستغلال الجنسي إلى التطرف الديني، والهروب في قوارب الموت إلى إسبانيا، وصولاً إلى سجن غوانتانامو يطل السنني إطلالات خاطفة على حياة إنسان عربي بسيط تتقاذفه طموحاته على غير هدى، لتصل به إلى حافة الجنون والنمطية القاتلة، قصص يفيد فيها الكاتب من الروايات التلفزيونية، وحوادث الصحف والبروباغاندا السياسية ليشكل كيمياء غريبة لشخصيته التي تعكس بقوة كليشيهات حياتية مدمرة؛ هي في الأصل أيقونة معاصرة لصورة شاب عربي يتحول إلى نوع عجيب من مهرجي السيرك الدموي العبثي في آن معاً.
يتضح من هذه الأعمال الجديدة اتجاهات جديدة للمزاج المسرحي العربي، فمن نصوص المكتبة تخرج الكتابة الجديدة على صفيح ساخن إلى واقعية سحرية تمزج التاريخ بالتراجيديا، والكوميديا بالموت، متخليةً عن إرثها المسرحي المكتوب أصلاً للقراءة أكثر منه للخشبة، كتابة تبني علاقة مغايرة مع مشروع العرض كصيغة شبه مكتملة في إبرام شخصيات عزلاء في مواجهة جمهور مدجج بخوارق الميديا وعالمها الافتراضي، ربما كان كتاب الوجوه أحد أبرز تجلياتها في نسج الجمل والحوارات في النص المسرحي الجديد، بعيداً عن مونولوجات أدبية مطوّلة لطالما احتاجت لفن الإنشاء الدرامي كي يصقلها، ويشذبها دراماتورجياً، ماضياً بها إلى رحابة صراع تبنيه اللغة وتنتج منه كمية وافرة من الأفعال، لغة تفكر وتحلم بها الشخصيات على المسرح، ولا تمليها على الجمهور كنوع من التجشؤات المليئة بالاستهتار بعقل المتفرج وروحه على حدِ سواء.

حكايا الروح والإسمنت
بالمقابل استطاع أربعة من الكتاب السوريين الشباب إصدار كتابهم الأول «حكايا الروح والإسمنت» عبر أربعة نصوص مسرحية عالج كل منها علاقة الإنسان السوري بمدينته، وذلك من خلال صياغات جديدة لفكرة المكان في النص المسرحي، وأثره في إنتاج علاقات اجتماعية مغايرة للسائد في النصوص القديمة بعيداً عن الأفكار التقليدية، وانطلاقاً من إحساسهم الفردي بأهمية معالجة موضوعة المدينة في الأدب المسرحي المعاصر. لقد تمكن كل من مضر الحجي وسومر داغستاني ووائل قدور وعبد اللـه الكفري من تقديم رؤى مختلفة لعلاقة الشباب السوري بالعائلة والمجتمع عبر تشريح درامي هادئ، كتابة نجحت في تفنيد مفهوم المدينة كمكان جامع للثقافات والأذواق وتقاليد العيش؛ قصص مصغرة تتجه فيها شخصيات النص المسرحي نحو تعرية النفاق الاجتماعي والزجر الأبوي وذلك باتباع نمط جديد من الكتابة المسرحية يسهم في نبش خبايا النفس الإنسانية ووضعها وجهاً لوجه مع مصائرها المحتومة بعد إطلاق أكثر من مستوى للصراع الدرامي المسرحي.
الكاتب الإسكتلندي ديفيد غريغ قال عن تجربة الروشة مع الكتاب السوريين في مقدمته عن كتاب «حكايا الروح والإسمنت» أن النصوص المسرحية الأربعة جاءت نتيجة لورشة عمل بدأت مع عشرين طالباً وطالبة من طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق ابدوا اهتمامهم بمعرفة المدخل البريطاني للكتابة المسرحية عبر تمارين الارتجال، تلك التمارين التي تركز على الكتابة النابعة من العاطفة، حيث يجب على الكاتب أن يكون مادياً عبر قواعد نصية توفر للكاتب المسرحي شعوراً مستمراً بأن خياله آمناً ليتحرك ويندفع ويستكشف، ولذلك طلبت من الطلاب المشاركين في الورشة أن يركزوا على تقديم مشاهد تحدث في الوقت الحالي وفي المدينة الحالية كي يتمكنوا من اكتشاف عواطفهم الخاصة وأن يكتبوا عن مدينتهم دمشق». أن جميع الكتاب الشباب قدموا مجموعة من المشاهد قادرة على تقديم صورة منعشة عن موضوع المدينة كما يرونها، مما فتح عوالم مسحورة لديهم ألهمت حماستهم إلى درجة لا تصدق وبعيداً عن القوالب الهوليودية الجاهزة: يقول غريغ: «وجدت نفسي مصدوماً بالأصالة الصرفة والطاقة العاطفية المنطلقة من مجموعة مشاهد قدمها كتاب سوريون عن الحب والغضب والعائلة، إضافة إلى أن نصوص هؤلاء الشباب كانت قلقة ومشككة وتطرح أسئلة وكانت مشاهد مسرحياتهم الأربعة التي كتبوها تضم شخصيات رفضت توصيف العالم كما هو، حيث كانت هذه الشخصيات ترى أن هناك عالمين في دمشق واقعي ووهمي».
تروي مسرحية «برونز» لمؤلفها مضر الحجي حكاية كاتب يصارع المثالية من أجل فتاة وقع في حبها، حيث يصدم الكاتب بأن صراعه مع القيم المثالية هو صراعه مع رغباته المحرمة فيختار الحجي قالباً جديداً لمسرحية قلقة بشكل عميق تتحدث عن قوة الكلمات على الجذب والصد على حدٍ سواء، وكيف تستطيع الكلمات أن تحوّل الأفكار إلى أفعال محسوسة، فيما لو كانت هذه الكلمات صادقة فالمسرحية كما يصفها غريغ مسرحية رومانسية بكل معنى الكلمة لقصة حب لم تتوج امرأة بعينها بل كانت من نصيب الحقيقة.
بدورها تقتصد مسرحية «خارج السيطرة» لوائل قدور في استخدام قوة الكلمات لصالح المدينة، فتحكي حكاية امرأة تعيش في شقة في مدينة وتتزوج رجلاً لتهرب معه من أخيها اتقاء لشره، لتطرح المسرحية انقلاباً مثيراً للاهتمام يوجه من خلاله الكاتب انتقاداته للمدينة التي لم تنجح في إخفاء المرأة وحمايتها من مصيرها المحتم رغم كل اكتظاظاتها وزحمة أبنيتها ومتاهة شوارعها، فلقد كان مفهوم المدينة بالنسبة للكاتب قدور على أنها مكاناً للوحدة والحماية وللقتل أيضاً.
مسرحية لافتة يقدمها أيضاً سومر داغستاني بعنوان نص «سعاد تجدل ضفائرها» وفيها يتعرض الكاتب للتوتر بين الحياة التقليدية والقوانين القروية من جهة، وبين المدينة والحرية التي تمنحها في رحاب حياتها عبر سبر كئيب للغاية من خلال عرض جريمة شرف وعواقبها بإنهاء حياة شخص حيث يكشف داغستاني هنا عن أثر الأفكار الباطنية في حياتنا، بينما يسجل عبد اللـه الكفري في كتاب «حكايا الروح والإسمنت» نصاً صادماً بعنوان: « دمشق-حلب» يلخص من خلاله جوهر المدينة عبر قصة طبيب نفساني وابنه ليثير عبر سرد حوار الأب والابن العديد من الأسئلة حول مفهوم البطريركية الأبوية في المجتمعات الشرقية، عبر حكاية حزينة للغاية تسبر الدمار الذي يصيب العائلة عندما يعجز الأب عن التوفيق بين ما يعرفه وبين ما يشعر به إزاء أبنائه.
هكذا تسجل الورشة الجماعية للكتابة المسرحية في كتاب «حكايا الروح والإسمنت» -صادر عن دار الفارابي ببيروت – فنحن هنا أمام نتاج «ورشة الشارع» للكتابة المسرحية، التحمع الشبابي السوري من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، هذا التجمع الذي عمل على تنظيم قراءات مسرحية بباقة من الأسماء:» شادن أسعد، عمر جباعي؛ مضر الحجي، سومر داغستاني، لمى عبد المجيد، وائل قدور، عبد اللـه الكفري، أحمدية النعسان» لكن هل ترى الكتابة المسرحية الجديدة طريقها إلى مسارح المدن العربية التي تغلي اليوم بزلازلها الممتدة من البحر إلى البحر، هل تجد هذه النصوص فرصتها في صياغة فضاء المدينة، وإخراجها من كانتوناتها وتحصيناتها الديموغرافية والعقائدية؟ هل يستجيب الآباء لهواجس الأبناء؟ أم ستبقى هذه النصوص مجرد أحلام فيسبوكية في مواجهة إسمنت المدينة العربية التي لم تتشكل بعد، على الأقل في أخيلة من يحبونها بارئةً من عسف ساكنيها..

 

 

http://alwatan.sy

سامر محمد إسماعيل

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.