تواصل فعاليات مهرجان المسرح العماني الخامس بعرض «البازار»

تتواصل اليوم عروض مهرجان المسرح العماني الخامس الذي تنظمه وزارة التراث والثقافة في الفترة من 4 إلى 13 ديسمبر الجاري بمسرح التربية والتعليم بالبريمي، بمشاركة نخبة من الفنانين والنقاد العرب، حيث ستعرض فرقة الدن للثقافة والفن مسرحية “البازار” تأليف محمد صالح وإخراج إدريس النبهاني.

 

 

“زهرة الحكايا”

وكانت فرقة مزون قدمت مساء أمس عرضها المسرحي “زهرة الحكايا” تأليف عباس الحايك وإخراج علي الفارسي وعبدالله البوسعيدي، سينوغرافيا يوسف الحارثي وعيسى الصبحي ومحسن الصبحي، تمثيل وفاء البلوشي (في دور زهرة) وعبدالله البوسعيدي (في دور الأب)، وزينب البلوشية (في دور الأم)، وعيسى الصبحي (في دور أحمد). مخرج دراماتورج وإشراف عام يوسف البلوشي.
تعالج المسرحية معاناة فتاة تدعى “زهرة” من تأثيرات الحسد، حيث تعيش مرغمة داخل “قفص” يحرمها من التواصل مع الآخرين بسبب فقدان شعرها، وتستسلم لسلطة قاهرة تحرمها حقها في الحرية، وتمنعها من أن تمارس حياتها كما يمارسها شقيقها (أحمد) فتنكفىء على نفسها، وتسترجع بعضا من طفولتها من خلال الدمية التي ترافقها على امتداد العرض وتتحدث إليها مفصحة عن مشاعر الألم والوحدة وانكسار الذات، في إطار صراع درامي ينتهي بخروج زهرة من القفص، لكنها نهاية غير معلومة حيث نسمع إطلاق رصاص مدوي ويظل السؤال: ماذا حدث بعد ذلك؟ وما مصير زهرة بعد تحررها؟
عقَّب على العرض المسرحي الدكتور فراس الريموني والناقدة عزة القصابية. حيث تناول الريموني البنية الدرامية في النص واستثمار المخرج يوسف البلوشي لها جماليا من خلال سينوغرافيا محكمة البناء والتشكيل. مشيرا إلى أن الكاتب: “استمد قصته من مثل شعبي معروف “بنت الماشطة صلعاء” لكنه تناوله بطريقة مختلفة وصاغ حكايته الشخصية وقدم ما يؤرق المجتمع العربي والمجتمع الخليجي من خلال الحكاية المفترضة ضمن هذا القالب التراثي..” مضيفا: جاءت المعالجة الأدبية لهذه القصة درامية حيث استخدم تقنية الفلاش باك من خلال تعامل الطفلة والدمية والطفلة والأم في تداخل زمني غريب وعجيب أوجد  نوعا من التشويق والتواصل مع هذا النص، وأظهر دور العادات والتقاليد في محاولة الحفاظ على صحة الأطفال من خلال الأحراز والتمائم ومحاولة إبعادهم عن العيون الحاسدة، ونتيجة لذلك وجدت الطفلة نفسها في سجن كبير أدى إلى سقوط شعرها حتى أصبحت صلعاء. وهنا نجد أن الكاتب بنى مفارقته على المثل الشعبي وكأنها قصة مأساوية يلعب القدر دورا كبيرا في صياغتها وهنا يتشكل الفضاء الضيق للبنت في حبسها وهي طفلة عن عين الحاسدين وهي شابة نتيجة لمرضها وسقوط شعرها. وهنا استعمل الكاتب ما يسمى بطقس العزلة في بوح البنت عن ذاتها من خلال دمية ومن خلال الحديث عن الظلم والاضطهاد وقمع حرية البنت في حقها في التواصل مع المجتمع والحياة، وفي حقها في العيش وفي الحوار، وظهر ذلك من خلال الحوار حيث تخاطب زهرة الدمية قائلة: “ستبقين في هذا السجن إلى الأبد.. أنت خجولة لأنك صلعاء.. كيف ستخرجين إلى الناس بهذا الرأس الأصلع؟”. كما نجد أن المخرج أظهر معالجة مهمة للكاتب لموضوع مهم وهو نظرة المجتمع للمرأة في حوار الأب مع ابنته: “يجب ألا تخرجي إلى الشارع. ترد زهرة: لماذا أحمد يخرج لوحده ومعك؟ يرد الأب: هو ولد”. هنا تعدى الكاتب فكرة المثل إلى قضايا تؤرق هذا المجتمع العربي بشكل عام. وأشار الناقد إلى أن ما لفت انتباهه في نص”زهرة الحكايا” هو أن الكاتب استثمر بعض الأغاني التقليدية والأهازيج في صناعة النص، وهذا داعم لواقعيته وبنيته التراثية التي استمد منها هذا النص، وبنى حكايته من خلالها. اعتقد أنه ساهم في صناعة معمارية النص المسرحي وبالذات البنية الفكرية والبنية الجمالية.. وينهي الكاتب عباس الحايك مسرحيته بخروج زهرة من البيت ثم سمعنا صوت إطلاق نار لكن النتيجة أنها خرجت من البيت وكسرت السجن الكبير وسقط القفص الذي كان ملجأها ومرقدها حتى تفتحت على الجهات الأربع وهي صرخة عربية تنادي بحرية المرأة وبحقها في العيش وفي مشاركتها في بناء المجتمع. لاشك أن هذا المجتمع يتبجح بأن المرأة هي الأم والأخت والحبيبة والصديقة والزميلة وعند التطبيق يمارس عليها الضغوطات ويجد المبررات المختلقة لوضعها في زاوية ضيقة.
وفي مستوى الأدوات التي استخدمت في النص قال د.فراس الريموني: كان للكاتب عباس الحايك عودة جميلة للتراث حيث أنه تناول النص كله من مثل شعبي من خلال الأغاني والأهازيج التي وضعها، وهنا نشعر وكأنه يعيد صياغة الوجدان السعودي أو العربي من خلال عودته الى هذا التراث الجميل لدحض ظلم وقع على المرأة سابقا وقد يقع عليها الآن أو لاحقا.
بنى النص بنية مسرحية حقيقية من خلال الصراع الصاعد ومن خلال الذروة ومن خلال وضع حل أو فتح آفاق جديدة للمتلقي. ونجاح النص يتمثل في أنه وضع أمامنا مساحة من التأويل والتفكر في مصير المرأة العربية ومساحة من الشجن وتحريك الذات باتجاه ممارساتنا السلبية تجاه المرأة. اعتقد أن الكاتب يمتلك صنعته المسرحية في صياغة نص مثل هذا.
القيم الدرامية في النص مفعلة بشكل جميل واعتمد على قضية الاسترجاع أو الفلاش باك. هذا النسيج للعمل المسرحي أوجد نوعا من التشويق ونوعا من الترقب لنهاية الأحداث ومن يشاهد عملا مثل هذا العمل ينتظر نهاية غير متوقعة ومن هنا كسر الكاتب أفق انتظار الجمهور وهذا ما يوجد دهشة الانتظار والفكرة ونهاية الفكرة، وهو ما ساعد المخرج يوسف البلوشي في النهوض بالنص الى مستوى الصورة والدهشة والجمال المتوقع وماذا نريد نحن من المسرح؟ نريد قيمة جمالية وقيمة فكرية وقيمة فلسفية على المخرج أن يتناول هذه القيمة ويقدمها لنا بشكل جمالي ويوسف البلوشي من المخرجين المجيدين والقادرين على تقديم رؤية جديدة لأي نص سواء كان عربيا أو غير عربي، وفرقة مزون لها حضور على مستوى السلطنة والوطن العربي واعتقد أنها ستحافظ على حضورها المسرحي والثقافي من خلال هذا العمل وغيره من الأعمال. بخطاب واع، تنويري، طليعي.
سجن معنوي

في السياق التفكيكي ذاته قالت الناقدة عزة القصابية: ورد  ذكر “القفص” الذي سجنت فيه زهرة في النص على اعتبار أنه سجن إجباري، فرض عليها أن تعيش فيه قرابة عشرة سنوات، أما في العرض، فقد اجتهد المخرج يوسف البلوشي في تحويل السجن المادي (القفص) إلى سجن  معنوي، الذي هو نتيجة سلبية لنظرة المجتمع تجاه زهرة التي أصبحت  صلعاء.. وظلت زهرة تعيش فصول حياتها المؤلمة، باحثة عن حل لأزمتها النفسية، التي هي نتاج عوامل كثيرة منها، النظرة الدونية للمرأة، ومرضها.. فوق هذا السجن الإجباري الذي فرضته أسرتها عليها، وخاصة والدها!.. ويمكن أن نتلمس تلك المعاناة من خلال «منولوج» زهرة وهي تخاطب دميتها. وساعد ظهور الشخصيات الأخرى للتعبير عن معاناة بطل العرض (زهرة) حيث معاناتها لا تتمثل فقط في المرض كونها صلعاء، ولكنها تكمن في التفرقة العنصرية بين الذكر والأنثى.
وأضافت القصابية: من ناحية أخرى، تضمنت الأحداث قائمة من الممنوعات والضوابط كان لزهرة الامتثال لها، منذ أن كانت صغيرة، حيث فقدت المساواة مع أخيها، وطلب منها تغطية شعرها بشكل دائم. ويكبر حجم الشعور بالنقص لدى  زهرة، لتتشكل لديها عقدة نفسية تكبر مع الأيام، وخاصة عندما تعلم أن علي سيتزوج صديقتها ليلى.. وقد كانا يلعبان معها في الطفولة.. أما هي فلن يتقدم أحد لخطبها! وفي ليلة زفاف صديقة زهرة يكبر حجم الألم لديها، ويصبح الجرح موغلا في ذاتها، التي يفترض أن تقترن برجل.. وتصير زوجة ولكنها تظل تعاني وتعاني من الألم والحسرة. وتتوالى مشاهد الألم والغصة في نفسية البطلة، حتى تتحول إلى عقدة نفسية تكبر مع الأيام، خاصة في ظل الحجر الصحي الذي فرضته أسرتها عليها.. على اعتبار أن مرضها لعنة عليهم. ويستعرض كل من العرض والنص الحالة النفسية التي تعيشها زهرة مع ذاتها، تبكي ألما وحسرة، فهي أصبحت مصدر عار عليهم، فقد أصابتها لعنة الحسد والمجتمع والعين ويبدو باب المنزل أمامها موصدا، فهو في نظرها من التبوهات المحرمة، إذ أجبرت على الجلوس في منزلها وتناغم صوت الأغاني المنبعثة من الخارج مع وجدان زهرة، متلمسة وجعها، وتطلب الاعتراف بأنها ما زالت على قيد الحياة.
وتنتهي المسرحية بخروج زهرة من الباب، لتشارك زميلتها ليلى حفل عرسها، رغم محاولة والديها زجرها، ولكن إصرارها هذا يحيلنا إلى مسرحية “سترندبرج” “الدمية”، التي شكلت انتقالة في تحوله من المذهب الطبيعي إلى المذهب الواقعي، وهي أيضا تتحدث عن المرأة التي حاصرها الرجل (زوجها) ولكنها خرجت من الباب تاركة البيت بعد سوء المعاملة. وتأتي النهاية التي رسمها المؤلف لنشاهد زهرة تتمرد وتخرج للناس مكشوفة الشعر، لتعلن عنها بصوت مدو، اختارها المؤلف لتعانق لحظة الفرح عند زواج رفيقة عمرها، لذا فهي تقرر الذهاب لتشاطر المجتمع أفراحه وتشعر الآخرين بوجودها، دون أن تلتفت لنداء والدتها التي تطالبها بالرجوع إلى السجن الذي ابتدأ “إجباريا” عندما فرضه أهلها عليها، ثم تحول إلى سجن “اختياري” عندما ترسخ في قرارة نفسها بأنها (تابوه) محرم، يبتعد عنه الناس، كي لا تصيبهم نفس اللعنة التي وقعت عليها، بذلك تُنهي زهرة ربيعها ليتحول إلى خريف دائم، وهي لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها! وفي عرض الليلة اختار المخرج يوسف البلوشي نهاية مختلفة قليلا، عندما جعل (زهرة) تموت برصاصة الأب، ثم طفقت روحها بعيدا، لتعود إلى جو الأحلام حيث الطفولة عندما كانت تمتلك شعرا طويلا، وتكون بلا قيود أو حدود.

رؤية بصرية

وحول الرؤية البصرية قالت عزة القصابية: يعتبر عرض (زهرة الحكايا) بداية لحكايات سوف تسردها عروض مهرجان المسرح العماني في دورته الخامسة. وفي هذا العرض قدمت قضية (زهرة) التي ظلت رهينة “الفكر الاجتماعي الشرقي” الذي تَنَكّر لإنسانيتها، وجعلها أسيرة للشكوك والمخاوف من أقاويل الناس، ما يجعل أفراد أسرتها متذبذبين في تقبل مرضها، ومحاولة منعها لكي لا تشارك المجتمع في أفراحه وأحزانه. ومن ناحية أخرى، نجد أن “الضغط الاجتماعي” من قبل الأسرة كونها تعاني من “مرض نفسي” جعلها تصدق بأن المجتمع ينبذها ويعتبرها رمزا  للتشاؤم واللعنة، لذا أصبحت زهرة رهينة “الوهم” الذي نشأت فيه، وألزمت على التعايش معه بطريقة قسرية لا تحترم إنسانيتها.
ولقد قدم المخرج يوسف البلوشي في عرض مسرحية (زهرة الحكايا) رؤية إخراجية تحررت قليلا من حرفية النص، وكرس جهده لتقديم رؤية بصرية من خلال السينوغرافيا. وفي هذا العرض رسم يوسف البلوشي لوحة جمالية، حيث جعل بطلته في العرض تعيش أحلاما تعود إلى الطفولة، عندما كانت تمتلك شعرا طويلا تغار الحسناوات اللاتي في جيلها منه.

البريمي: من هاجر بوغانمي –

http://main.omandaily.om/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.