أولاد «اليرموك» ينثرون «الغربة» وروداً

عن غير قصد، أفلتت الوردة من يد «عبودة» وتناثرت بتلاتها على الأرض، فلملم الصغير من وردته ما استطاع وأسرع متابعاً دوره مع رفاقه في اللوحة الافتتاحية الراقصة للعرض

 

المسرحي «حكايا الغربة». انتهت الافتتاحية وغاب الصغار في الكواليس، فيما بقيت البتلات الحمراء مبعثرة وسط خشبة المسرح، مناقضة بسكونها ولونها قسوة الخلفية السوداء، ومتوائمة في الآن ذاته مع روح العمل: مقاومة الألم بالأمل.
مساء الجمعة الفائت على خشبة مسرح «مركز معروف سعد الثقافي في صيدا»، أطلّت مجموعة شابة من الفلسطينيين اللاجئين في سوريا، تضمّ فتيات وفتيان أصغرهم «عبودة» – عبد الرحمن – (تسعة أعوام) وأكبرهم شقيقه أسامة الشورى (19 عاما) الذي أشرف على تدريب الفريق.
حين ترك أسامة الشغوف بالمسرح مخيّمه في سوريا مع أبويه وإخوته، لم يكن يعلم ما ينتظره في لبنان، أو إن كانت مسيرته الصغيرة في المسرح ستستمر، خاصة بعد أن تشتت أعضاء فرقتهم «رام» للعروض المسرحية التي كانت تجمع ما بين الغناء والرقص والمسرح. إلا أن الغربة الفلسطينية الجديدة لم تمنع أن يتم تشكيل نواة لفرقة جديدة، فتمكن أسامة عبر الـ«فايسبوك» من التواصل مع شباب فلسطينيين نازحين من مخيمي اليرموك وسبينة، لتبدأ رحلة المسرح ثانية في الشتات الثاني.
اللقاء الأول كان في «مركز التضامن الاجتماعي» في مخيم عين الحلوة، الذي فتح أبوابه لعشّاق المسرح الصغار ومنحهم مساحة للتدريب ولعرض أول أعمالهم (مشهد الكرسي) في يوم الأسير الفلسطيني في نيسان الماضي. الصلة بـ«مركز التضامن الاجتماعي» جاءت عبر سعيد الموعد من «اللجنة الفلسطينية للإغاثة والتنمية» (إيثار) المحب للفنون المسرحية والقادم أيضا من مخيم اليرموك، حيث كانت بداية معرفته واهتمامه بأسامة ورفاقه. وبعد عرضين أولين من «حكايا الغربة» في المركز وفي «قاعة ناجي العلي» بالمخيم ذاته، حان الوقت لينقل الشباب حكاية غربتهم إلى جمهور خارج المخيم.
على خشبة المسرح في صيدا، قدم الشباب عرضهم أمام خلفية احتلها «كولاج» من صور لمخيم اليرموك وشهدائه، رتّبت لتشكّل كلمة «غربة»، تجاورها خريطة فلسطين مرسومة بالطريقة ذاتها. خلال خمسين دقيقة تقريبا حكى الشباب قصتهم التي تعاونوا على كتابتها عبر مشاهد تحكي ذكرياتهم في سوريا بشكل عام، وفي المخيم بشكل خاص، كما تصف تجربة العيش في لبنان. تذكرت هدى بيتها في المخيم، حكى إبراهيم عن مراكب الموت والهجرة غير الشرعية، لعب عبد الرحمن دور الوطن والشهيد، كلّمت وجدان الحبيب الغائب، وحكت رؤى وسارة عن أطول «سنة سياحية» قضتاها في لبنان، فيما عبّر خالد وحمادة وبتول عن دهشتهم من غلاء الأسعار في بلد نزوحهم.
لم يقتصر العرض على التمثيل فغنّت لبنى وآية أغنيتين بأسلوب الراب (للمؤديين «جلجامش» و«مودي العربي») تتغنيان بحب المخيم والشوق العارم لسوريا، ومقسمتان «والله اشتقت للشام». ذلك الحب الكبير للمخيم ولسوريا جعل الشباب يعيدون تعريف الوطن في «حكايا الغربة» فيصير الوطن «أمي وأبوي وأخوي»، ثم يتجلون في حبهم له فيقولون «الوطن عايش فيني، ما بقدر اطلع منه».
ولأنها تغريبة فلسطينية مستمرة، احتضن مخيم عين الحلوة أخاه اليرموك على الخشبة كما في الواقع، فقدمت فرقة «بيت أطفال الصمود» (عين الحلوة) لوحات راقصة فولكلورية فرحة، رافعين سويا مع رفاقهم اسم فلسطين.
وعلى الرغم من كثافة اللون الأسود الذي لف الخشبة واحتل ملابس الفريق، لا يسعك إلا أن تبتسم أمام عرض بدأ بالورد وحمله الأمل. وهذا ما اختزله فريق «حكايا الغربة» بقولهم: «صارت حياتنا سواد بسواد، بس نحنا شعب ربينا ع الأمل».
يتابع الشباب اليوم تدريباتهم بعد نجاح عرضهم الأول خارج المخيم، ويطمحون بتقديمه في مناطق أخرى في لبنان، فطاقة الأمل لديهم «قد كل هالعالم، وهالطاقة مستحيل تتكسر».

 

أمل كعوش

http://shabab.assafir.com

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *