أخبار عاجلة

جورج خباز: نحن المسرح الوحيد في لبنان دون أكل وشرب! مسرحه هو الوحيد العامل بنشاط في بيروت

في نهاية شهر حزيران الحالي يختم الفنان جورج خباز لقاءه المتواصل مع جمهور مسرحه منذ شهر تشرين لأول. منذ خطا في المسرح الشعبي وهو يحصد قبولاً من مختلف شرائح المجتمع اللبناني. مسرح جورج خباز هو المسرح الوحيد العامل بنشاط في بيروت. فهو الفنان الذي يستقي مسرحياته الكوميدية من واقع الناس. جورج خباز يتميز بقدرة فائقة على عجن الواقع وصياغته ضمن قالب فني يثير الإعجاب. هو مسرح كوميدي يضحك المتفرج عل ىشوائب مجتمعه، لكنه في الوقت نفسه يؤلمه، ويطرح عليه جدليات للبحث.

مع جورج خباز كان هذا الحوار:
*بعد تسعة أشهر من عرض مسرحية ‘مش مختلفين’ هل وصلت الرسالة التي تريدها لكل من شاهدها؟
* لا شك. الجمهور لا يأتي إلى المسرح للتسلية فقط. يأتي ليرى ذاته في العرض الذي يتابعه. ‘مش مختلفين’ وسواها من العروض التي أقدمها تترك جدلية ما لدى المتلقي. وبالنهاية هو من يقرر الخطوة التالية. بدون قرار من المتلقي ليس للمسرح أن يغير به. بالمحصلة لست مع مقولة أن المسرح يحمل مهمة التغيير.
*في ‘مش مختلفين’ كنت مع موضوع حساس وهو الطائفية المتغلغلة في نفوسنا. فهل كنت أمام محاذير معينة؟
* هي ليست محاذير بقدر ما هي قناعة ومبادئ. فأنا حريص جداً على كل كلمة أكتبها. لا أمس جوهر الدين والمعتقدات والأفكار. فكرة المسرحية تعالج التعصب الديني وتقبل الآخر فقط لا غير. مسرحي مقصود من كافة شرائح المجتمع اللبناني، وليس من مصلحتي ازعاج أحد، كما أني لا أؤمن بذلك. ‘مش مختلفين’ كما سواها من أعمالي تركت أثراً كبيراً لدى الحضور.
*ما هو السر الذي يجعل مسرحك يعمل لتسعة أشهر متواصلة؟
* لأني كاتب وممثل لا ينتظر أن يأتي الناس إليه وهو في برجه العالي. من الخطأ جداً أن يجلس المثقف في برجه العاجي. على الممثل المسرحي أن يكون ضمن الناس، قريباً منهم وأن يحكي وجعهم.
*ما هو تعريفك للفن والمسرح إذاً؟
* المسرح هو مرآة ناصعة للمجتمع. هو منبر تواصل ثقافي وترفيهي معاً. هو تواصل بين المشاهد وذاته، وبين المشاهد والممثل.
*هل ترى في نفسك ممثلاً وكاتباً مسرحياً قبل أي أمر آخر؟
* طبعاً. هذا هو عملي. وباقي الأمور هي رافد من المسرح. التلفزيون والسينما هي وليدة تجربتي المسرحية. المسرح يمدني بغنى كبير جداً على صعيد شخصي وفكري وإنساني، وحتى على صعيد الشهرة ومحبة الناس. وأكيد لا أترك للشهرة أن تسيطر على حياتي بالمعنى العاطفي والاجتماعي.
*مسرح جورج خباز هو المسرح الشعبي الوحيد في لبنان. ماذا يعني لك ذلك؟
* الحمد لله وبكل تواضع نحن المسرح الشرعي الوحيد دون أكل وشرب، في حين هناك الكثير من الشونسونية. كانت هناك اجتهادات فردية لكن للأسف لم تستمر. للعجلة المسرحية أهميتها في لبنان، وكذلك التنوع المسرحي. المقارنة مفيدة لمسرحي. فأسهمي ترتفع بالنسبة لعمل غير جيد يعرض مقابل عملي. ووجود عمل جيد مقابلي عملي فهذا يحثني للتقدم إيجاباً.
*ماذا عن العرض خارج لبنان؟
* تلقيت الكثير من العروض لكن لا ألبي عرضاً لا يغريني معنوياً ومادياً. عرضت في كندا، أوستراليا، الولايات المتحدة، دبي، أبو ظبي وباريس. السفر يستغرق الكثير من الوقت، وعندما أنهي عروضي في لبنان أنشد الراحة والتحضير لعمل مقبل. احتاج لراحة تمتد بين ثلاثة أو أربعة أشهر.
*لديك حلم الانطلاق عالمياً. كيف لك تحقيق ذلك؟
* العالمية التي أنشدها ليست بالمفهوم المتعارف عليه، بل بمعنى نقل هويتي كفنان لبناني للعالم. حلمي بالوصول للعالمية أن يصل وطني وثقافته. الغرب لا ينتظرنا لنذوب فيه، لديه الكثير من الفنانين. الغرب تواق لاكتشاف ثقافات جديدة. باعتقادي أن ثقافتنا أهل بأن تكتشف.
*تقول بالمسرح الرسالة. كيف اختبرت هذه الرسالة لتصل للناس؟
* إنه الوجع اليومي وكما جميع الناس. الفرق أني أملك نعمة التعبير من خلال المسرح، من خلال الحوار والمشهدية. وهذا الوجع يفترض أن يصل بطريقة ما. أقل ما يصدر عن الموجوع ‘آخ أو آي’. إنها وسيلة تعبير. من خلال مسرحي أقول آخ، والمتفرجون يقولون آه على هذه الآخ. هو تعبير عن وجعهم، وهم يشتركون به من خلال تفاعلهم، تصفيقهم، ضحكهم. مجرد حضور الناس إلى المسرح هو تفاعل.
*إن لم تعبر عن وجعك فماذا يحدث لديك؟
* تتراكم ‘الآخات’، ومن ثم الإنفجار. وكل له طريقته. منهم من ينفجر باتجاه الانحراف. منبري التنفيسي الكبير جداً موجود ولم أختبر الانفجار. قادر على التنفيس بالموسيقى، بالمسرح وبالكتابة والتمثيل. بتصوري أن العامل المساعد في بناء شخصيتي والحفاظ على هدوئي، وتفاعلي الإجتماعي الراقي بكل تواضع يتمثل في قدرتي على التنفيس من خلال المسرح. لهذا يتجلى سلوك البشر المضغوطين في الشوارع وخلال القيادة تحديداً، وعند أقل احتكاك تبدأ ‘المسبات’. والسبب هو انعدام وسيلة التعبير عن الضغط.
*أنت صورة الناس الذين يأتون إلى مسرحك. فكم تعطيهم من وقتك بعد العرض؟
* ليس أنا من يعطيهم من وقتي هم من يعطوني من وقتهم. وبعد كل عرض أبدل ملابسي وأوافي الناس. أحادثهم وألتقط الصور معهم حتى يفرغ المسرح من رواده. منهم من يأتي إلى مسرحي ويعتبرني قريبه فهل يعقل أن لا أستقبلهم في بيتي؟ متفرجي مسرحي ينتمون للمكان بل يشعرون بصلة قرابة معه. ومن المفترض أن أعرفهم بقدر ما يعرفوني في لا وعيهم. نفسياً يجب أن أتفاعل معهم اجتماعياً. من جانب آخر أنا بطبعي أحب الناس لأني من الناس. وأكبر عار على فنان أن يجلس في برجه العاجي الثقافي، وأن ينظر إلى الناس من فوق ويقول لهم ‘طلعو لعندي’.
*ألا تزعجك الناس مطلقاً؟
* مطلقاً. سابقاً كانت بعض المضايقات تزعجني. لاحقاً وضعت نفسي في موضع الناس. بحثت في ظروفهم وكيف يفكرون. بصراحة أقول لك في اليوم الذي لن أتقبل فيه الناس سأنزوي في منزلي.
*هل يصرخ الناس في الصالة معبرين عن رأيهم؟
* قليلاً. إيقاع مسرحي مشدود جداً، لا يعطي الفرصة للمتفرج للتفكير بالتعبير بشكل ما.
*عندما بدأت الطريق هل كنت تعرف أنك ستصل لمكان ما؟
* لا. شغفي كبير لأكون في هذا المكان وأن أعبر عن نفسي لحظة بلحظة. لم تكن لدي خطة أو استراتيجيا للمستقبل. رغبت بالعمل والتواصل مع الناس والتعبير عن نفسي من خلال الفن. في منتصف عشرينات عمري بدأت التخطيط، وقررت أن لا تكون موهبتي في الهواء، بل يجب أن تكون لها جذور. جذور تطلب العناية لتكبر النبتة ويتم توظيفها في المكان الصحيح.
*لنحكي قليلاً عن جورج. فمن يضحكه؟
* والله كثر. شابلن يضحكني جداً. دريد لحام. زياد الرحباني. عادل إمام ببعض المواقف. يضحكني الموقف والذكاء في تركيبه.
*متى أو من يثير بنفسك حالة سلام؟
* أمي وأبي. وعندما أتعب كثيراً أقصد الكنسية في غير أوقات الصلاة أجلس فيها دون صلاة ودون تأمل. في مثل هذا الموقف أتخفف من كافة المتاعب، يغادرني الضجيج. في هذا المكان الذي تحاول فيه الناس أن تكون ‘منيحة’. ما من أحد يدخل الكنيسة أو الجامع إلا إذا كان نظيفاً أو لديه طموح أن يكون نظيفاً. روحية النوايا في هكذا أماكن تحاول أن تكون صافية. ولأن الطاقة في الأمكنة الدينية تكون ايجابية، تنعكس على الإنسان الذي يخرج متخففاً من ضغوطات كثيرة. والأمر نفسه يحدث معي عندي جلوسي إلى البيانو. وتتكرر هذه الحالة على خشبة المسرح. وهذا السلام ينتهي أجله بمجرد التصادم مع الفوضى، العجقة، الكذب، الأقنعة والصراعات.
*أغنية مسرحك تتطور وتأخذ شكلاً قريباً من أغنية عمر الزعني. لماذا لا تطرحها في السوق؟
* كل عمل سيأخذ حقه عاجلاً أم آجلاً. أسجل الأغنيات لخدمة العمل المسرحي، وأسوقها على باب المسرح. وبعد زمن قليل أراها عبر يوتيوب مع صور مركبة. مشاهدة هذه الأغنيات على يويوب تتراوح بين 20 و50 ألف. وهذا دليل عملي بأن الأغنيات تُسمع. الأغنية كما المسرح، فإن هي حاكت تطلعات الناس ووجعهم وكانت لسان حالهم، سوف تُسمع.
*ماذا عن فيلم غدي؟
* نحن ننتظر أيلول لعرضه. هو من كتابتي وبطولتي وإنتاج ‘التوكيز′ الشركة التي تعنى بإنتاج الأفلام الدعائية والوثائقية والأفلام القصيرة، والآن هي تخوض تجربة الفيلم الطويل. الإخراج لأمين درة، الذي تعرفنا إليه في إخراجه لسلسلة ‘شنكبوت’ التي كانت أول دراما عربية الكترونية. يحكي قصة موسيقي وُلِد له طفل مونغولي. يُرفض هذا الطفل في الحي الذي يعيش فيه. فكرة الفيلم تدور حول نضال الأب لإقناع أبناء الحي بأن لهذا الطفل دور، ولولاه لما أتى الى الحياة. ويخترع الأب دوراً لابنه. وهكذا يصبح هذا الطفل من ذوي الحاجات الخاصة ظاهرة عجائبية في الحي. فالكذبة التي اخترعها الأب تحولت إلى حقيقة، والحقيقة غيرت الذهنية في الحي، وتطورت لحدود عدم تصديق الحقيقة عندما قالها الأب.

 

 

بيروت ـ من زهرة مرعي

http://www.alquds.co.uk

 

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.