بقي وفيّاً لستانيسلافسكي واشتغل على الذاكرة الانفعاليّة

ربما هي لعبة القدر أن تكون نهاية المبدعين وصناع المسرح العربي هي ذاتها. سنوات من التهميش الجهات الرسمية، عزلة اختيارية عن الأوساط الثقافية،

يليها صراع طويل مع المرض العضال، ومن ثم رحيل هادئ عن هذا العالم. هكذا توفي المسرحي اللبناني يعقوب الشدراوي (1934-2013) بصمت وألم، ليلحق برفاقه وأبناء جيله من المسرحيين العرب سعد الله ونوس (1941-1997) محمد الماغوط «1934-2006» وممدوح عدوان (1941-2004) بعد رحلة إبداعية حافلة بمحطات تألق عديدة، ونكسات وخيبات أكثر، تلخص إلى حد ما، الواقع والظروف السيئة التي وصلت إليه الحركة المسرحية في لبنان والوطن العربي على حد سواء.
كانت حياته عبارة عن محطات إنسانية وإبداعية متلاحقة، بقي المسرح حاضراً فيها بقوة منذ سنوات عمره الأولى، ساهمت جميعها في تشكيل رؤيته قناعاته وأسلوبه المتفرد في التعاطي مع عناصر كل عرض مسرحي كان يعمل على تقديمه.

 

قبل سفره إلى موسكو عام 1962 لدراسة المسر، قدم الشدراوي جملة من تجارب في التمثيل والإخراج وكتابة النصوص المسرحية، اختبر فيها موهبته الفنية، وقدم فيها رؤيته الخاصة عن مفاهيم الإخراج وبناء عناصر العرض المسرحي. اختباره الحقيقي الأول لمفاهيم ومدرسة ستانيسلافسكي في بناء الشخصية المسرحية، جاء عن طريق الصدفة، عندما طلب منه معلمه تقديم مشهد ارتجالي عن علاقته بوالده. لم تساعده مفردات اللغة الروسية التي لم يكن قد اتقنها بعد، لكنه استطاع توظيف ذاكرته الانفعالية، وتحريض خياله ومشاعره في تجاوز حاجز اللغة، ليبني مشهداً بقي محفوراً في ذاكرته، تحدث عنه مرات كثيرة لأصدقائه ولقاءاته الصحافية خلال سنوات حياته اللاحقة. انقلاب جذري في جملة المفاهيم المسرحية، وأسلوب الإخراج والتعاطي مع عناصر العرض كافة، كرستها سنوات دراسته الأكاديمية، حاول الاستفادة منها لاحقاً لدى عودته إلى وطنه عام 1968، في جملة تجاربه المسرحية التي قدمها. في ذلك الوقت كانت مسارح بيروت تحفل بالتجارب المسرحية الطليعية، لكنه حافظ على مسافة ثابتة وواضحة منها جميعاً، وبقي أميناً ومعتمداً على المدرسة الستانسلافسكية في جملة عناصر العرض، وبشكل خاص التعامل مع ممثليه، وأسلوب بناء الشخصيات المعتمد بشكل أساسي على مرجعية والبناء التاريخ للشخصية المسرحية، عبر تحريض الذاكرة الانفعالية التي تتطلب جملة من التدريبات والبروفات من نوع خاص، قلة من المخرجين اللبنانيين والعرب على حد سواء، كانوا يمتلكون الخبرة الكافية في ذلك الوقت، لتطبيق هذه المدرسة الإخراجية في تجاربهم المسرحية. ربما هذا ما أعطى مجمل العروض التي قدمها، تميزاً وبريقاً خاصاً، وفسح له المجال للتحليق بعيداً عن مجمل التيارات الحداثوية والطليعية في الإخراج المسرحي التي لم تحقق مجملها حضوراً أو قبولاً لدى الجمهور المسرحي، كونها كانت تقليداً لتجارب غربية وافدة، أو تطبيقاً مغلوطاً على مجمل عناصر العرض. لتقديم قراءة سريعة لفكرة المسرح التي كان يريد تقديمها لجمهوره، يمكن الوقوف مطولاً عند مفهومه الخاص، وأسلوبه ومنهجه في إعداد النص المسرحي، كونها المرحلة الأولى والأساسية التي تسبق مجمل عناصر العرض الأخرى، وتحدد البوصلة والاتجاه والغاية والمقولة الأساسية التي يريد تقديمها والتركيز عليها في كل عرض. نقل النصوص المسرحية الغربية المترجمة إلى العربية، كان يشكل هاجساً للمسرحي الراحل. رحلة بحث طويلة عن الترجمة الأفضل، حتى أنه ترجم بعض النصوص المسرحية الروسية بنفسه مجدداً عندما لم تقنعه الترجمات السابقة. هذا ما حصل في آخر تجاربه الإخراجية التي لم تر النور، عندما حاول تقديم «الخال فانيا» للكاتب الروسي أنطوان تشيخوف. مرحلة الكتابة الجديدة للنص، تنجز بهدوء قبل بداية العمل على الخشبة، كان الشدراوي يحرص على وضع نفسه مكان المتفرج المحلي، ويجيب على جميع الأسئلة التي قد تدور في ذهن المتلقي. ربما هذا ما أكسب مجمل أعماله تلك النكهة الخاصة والمصداقية الخالصة. من المؤكد أنّ هذه الأعمال ستجد لها مكاناً في وجدان وذاكرة من سنحت له الفرصة بمتابعتها.

 

أنس زرزر

http://www.al-akhbar.com

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *