أخبار عاجلة

يعقوب الشدراوي .. ساحر المسرح

يفقد المسرح اللبناني لا أحد كباره فحسب، بل أحد سحرته، فيعقوب الشدراوي كان قادراً على أن يجعل من خشبة المسرح كهفاً وسماءً وحديقة، بقليل من التكنولوجيا

 

وكثير من الحرفة والخيال كان يجعل من الخشبة ملعباً وميداناً وسوقاً وكل شيء. تعلق شدراوي المولود 1934 بالمسرح عندما كان بعد ولداً. لم يكن المسرح يومذاك أكثر من لعبة مدرسية. لم يكن أمامه أفق لكنه أصر على المسرح. عارضه أبوه فذهب إلى فنزويلا ليكنز هناك ما يؤهله للسفر إلى حيث يتعلمه. لم تنجح سفرة الشدراوي إلى فنزويلا فعاد إلى لبنان وفي نفسه الشغف نفسه لم يفارقه. صنع مسرحاً مما وجده على طريقه من أبناء الفلاحين وتلاميذ القرى، أخرج مسرحيتين لسعيد تقي الدين هما «لولا المحامي» و«نخب العدو»، لكن المسرحية التي عرضها لمناسبة عيد انتقال السيدة العذراء كانت فاتحة حياته المسرحية، إذ أمنت له في البداية منحة شهرين لدراسة المسرح في إيطاليا، تبعتها منحة لدراسة المسرح في روسيا. 
في روسيا درس الشدراوي المسرح. لم يكن ذلك الدرس في معهد ستانسلافسكي يرتكز فحسب على حرفة رفيعة وتمكن وتملك للحرفة، بل كان نافذة على مختلف الفنون، الموسيقى والأدب والفن التشكيلي. روى لي الشدراوي في لقاء قريب أنه جال على المتاحف وتعلم هناك أن يتذوق التصوير والنحت. كما تعلم أن يتذوق الموسيقى والأوبرا والباليه. لقد فهم أن المسرح هو ملتقى هذه الفنون كله وأن المخرج يجب أن يكون صانع ألعاب ومتذوق فنون من الدرجة الأولى. 
كان يعقوب شدراوي ستانسلافسكي التربية، ومدرسة ستانسلافسكي قائمة على الاستبطان والتأمل الداخلي وتقمص الشخصية. بيد أن هذا الاتجاه لم يبعد يعقوب شدراوي عن الاتجاهات المخالفة فكان في إخراجه المسرحي وعمله على المسرح أثر من بريخت المخالف لستانسلافسكي ومسرح العبث. لقد انفتح لكل التيارات بينما أمنت له التربية الروسية حرفة متمكنة وأساساً متيناً. 
كان بين أولى مسرحيات الشدراوي، لدى عودته إلى لبنان، «أعرب ما يلي» التي ضمت شتاتاً من نصوص لأدونيس وأنسي الحاج ومحمود درويش وجورج شحادة وسعد الله ونوس. كان هذا العمل الذي ألف بين شتات النصوص رائداً ومفصلياً في المسرح اللبناني والعربي، وقد وطد بعده سمعته الفنية. أخرج الشدراوي كذلك «المهرج» عن نص لمحمد الماغوط، و«الأمير الأحمر» عن رواية لمارون عبود، و«أبو علي الأسمراني» و«الطرطور» عن مسرحية الفرافير ليوسف إدريس، و«موسم الهجرة إلى الشمال»، عن رواية الطيب صالح، وفي عام 1992 عاد إلى الخشبة بعد انقطاع دام تسع سنوات بمسرحية «يا اسكــــندرية بحرك عجايب» عن نـص لأسامة العارف. 
لعل انقطاع الشدراوي عن المسرح تسع سنوات في الفترة الأولى، ثم انقطاعه عنه بعد ذلك إلى حين وفاته، وهو انقطاع داخله مرض طويل صارعه طويلاً، هذا الانقطاع في فترته الأولى والأخيرة لم يكن فقط بسبب المرض، بل كان الداء في حقيقة الأمر في المسرح اللبناني نفسه الذي لا يجد دعماً ولا اهتماماً رسمياً أو غير رسمي، مما يجعل من تكوين فرقة مسرحية أمراً مستحيلاً، ويجعل من عرض عادي أمراً مستصعباً، حتى أن المؤلف والمخرج يفعلان جهدهما لتقليل النفقات. ثم أن هذا المسرح آل إلى انتكاس حقيقي، فابتعد صناعه وانزووا وأجبروا على أن يعتزلوا وأن يهجروا مرغمين شغفهم وهواهم. لم يكن الشدراوي وحده الذي انقطع عن المسرح وهو بعدُ قادرٌ متمكن، بل إن غالبية صناع المسرح ورواده أجبروا على الخروج من الساحة ومفارقة العمل الذي طالما أحبوه راغمين. غاب الشدراوي طويلاً، ونحن الذين شهدنا أعاجيبه المسرحية يمكننا أن نتخيله الآن طائراً في الجو إلى حيث يلتحق بالمسرح الكوني، وإلى حيث يتحد بشغفه وإلى حيث يعيش متنقلاً من مسرح إلى مسرح وإلى متحف وإلى دار أوبرا وإلى باليه. 
الذين يعرفون يعقوب الشدراوي سيفتقدون ليس فقط فنه ولكن رقته وحساسيته وكرمه الأخلاقي والنفسي، وسيتألمون لأن مبدعاً من هذا البلد يغادر وفي نفسه غصة لأنه فارق مرغماً فنه في بلد يعتدّ بأنه وطن الإبداع ويفاخر بأنه بيت الفن وساحته.

 

عباس بيضون

http://www.assafir.com

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *