أخبار عاجلة

«شهيد التين» ترصد اختلاف معايير القيم الاجتماعية

كيف يمكن الحكم على الفعل البشري، اعتماداً على الظرف الاجتماعي والزمني والمكاني الذي حدث فيه هذا الفعل، فما هو مقدّس بوصفه فعلاً بطولياً، يمكن أن يتحوّل

 

بسهولة إلى ما هو مدّنس باعتباره فعلاً مداناً وانهزامياً، وما هو متألق في قمة الفضيلة والمثالية والطوباوية، يمكن أن يتهاوى بسهولة أيضاً إلى أدنى درجات الدونية واللاجدوى والعبث الإنساني، مع عدم نفي الصعود مجدداً إلى القمة عند تغير المنظومة القيمية وسلّم المعايير الأخلاقية، اعتماداً على المصلحة الآنية أو التوجه السائد.

هذا السؤال المقلق أو هذا الإشكال المحيّر، كان هو المفصل أو الهيكل الذي اعتمد عليه عرض «شهيد التين» الذي قدمته مساء أمس الأول فرقة مسرح دبي الشعبي، على خشبة قصر الثقافة بالشارقة، وضمن عروض المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والعشرين من أيام الشارقة المسرحية.

عرض «شهيد التين» من تأليف عبدالله صالح وإخراج محمد سعيد السلطي، وشارك فيه أدائياً مجموعة كبيرة من الممثلين المخضرمين والجدد، وجوقة من العازفين الذين ظلوا طوال زمن العرض ثابتين في العمق العلوي للخشبة، من أجل تحريك إيقاع المشاهد وخلق تنويعات بصرية وسمعية، اعتماداً على المعطى الدرامي لكل كتلة سردية مستقلة في العرض.

شهدت المسرحية عودة عدد من الممثلين الذين غابوا لفترة ليست قصيرة عن أيام الشارقة، مثل الفنان عادل عبدالله الذي قدّم دور (خربوش) مساعد والي قرية التين وذراعه اليمنى، وكذلك الفنان سعيد عبدالعزيز الذي لعب دور صهر والد الشهيد.

العرض

منذ الدقائق الأولى للعرض، يكتشف المشاهد أنه على موعد مع عمل فرجوي وشعبي، ينتمي لمسرح المجاميع بكل ما يحتويه من بهرجة لونية، تتوزع على الأزياء والإضاءة والديكور، وبهرجة إيقاعية تتوزع على الغناء والفواصل الموسيقية القائمة على العزف المباشر من قبل الجوقة، وبمختلف الأدوات الموسيقية التي تحيلنا إلى فضاء تراثي قديم ولصيق بأجواء الحكايات والقصص العربية، رغم أن اللهجة الإماراتية كانت هي اللهجة الوحيدة السائدة على لغة الحوار في العرض.

يأخذنا العمل ومنذ بدايته إلى الأجواء الاحتفالية لقرية التين، بعد ورود أخبار سارّة تقول إن أحد أبنائها قد استشهد في المعركة الدائرة مع العدو في قرية أخرى مجاورة، ويستثمر والي القرية (الممثل فؤاد القحطاني) هذا الخبر أفضل استثمار، كونه امتيازاً اجتماعياً يزيد من شعبيته ومن التفاف أبناء القرية حوله، وتنعكس فرحة الوالي الشخصية على والد الشهيد، وهو المزارع البسيط رجب (يقوم بدوره عبدالله صالح) الذي يتحول بين ليلة وضحاها إلى بطل شعبي تنهال عليه الهدايا والأعطيات والألقاب والمزايا، كونه الأب المضحي، والمربي الذي استطاع أن يغرس في ابنه قيم الشجاعة والبطولة وافتداء تراب القرية وأهاليها بالنفس والنفيس، حتى لو كان الثمن هو الاستشهاد، والتضحية بالمطلب الفردي من أجل المطلب الأسمى والأكبر للجماعة.

من جهة أخرى، تكشف لنا مسارات العرض عن الوجه الثاني للعملة، وعن الحقيقة التي لا يريد أحد كشفها، وهي أن الشهيد لم يكن راغباً في الذهاب إلى معركة كان يراها عبثية، وأن والدته زمزم ــ (تقوم بدورها الممثلة أشواق) ــ كانت محتشدة بالحزن والأسى جراء هذا الخبر المفجع بالنسبة لها، والمبهج بالنسبة لزوجها، حيث كان الشهيد يطمح إلى الزواج وتكوين أسرة جديدة في القرية، وأن يكون مزارعاً بارعاً يستفيد من خدماته أبناء القرية، من خلال زيادة ثروتها الزراعية وتحقيق الكفاية الاقتصادية، من دون الحاجة لخوض الحروب الدموية، ونهب خيرات القرى الأخرى بالقتل والتدمير والإرهاب.

ورغم النوايا الطيبة للشهيد مبروك (قام بدوره الفنان حمد الحمادي) والمتجسدة في حواراته الاسترجاعية (الفلاش باك) مع حبيبته ووالده، والتي كان يمكن تكثيفها إلى مشاهد مختزلة ورمزية، إلا أن العرض كان يوغل ويستطرد في إبراز مقولته المتعلقة بتداول المعيار الأخلاقي أو المقدس والمتاجرة به من أجل تحقيق مصلحة دنيوية ضيقة للوالي والمقربين منه، خصوصاً الأب الذي يتحول فجأة من شخص هامشي ومتواضع إلى شخص متنمّر وجشع وطامح في ولاية القرية، خصوصاً بعد هروب مساعد الوالي، بعد أوامر صدرت بضرورة أن يقدم أبناءه شهداء جدداً في المعركة الدائرة مع العدو.

في المشهد الأخير من العرض، نرى الابن الذي كان من المفترض أن يكون شهيداً يدخل إلى البيت ويلتقي بوالدته ووالده، ويحدث حضوره نوعاً من الصدمة غير المتوقعة، خصوصاً لدى الأب، حيث يستشعر خطورة هذه العودة على طموحه الشخصي وسمعته الكبيرة التي اكتسبها من الصيت البطولي لابنه الشهيد، ويقرر في لحظة عمياء وشيطانية أن يقتل ابنه كي يظل الوضع السائد سائداً، وكي لا تتحول عودة الابن الشهيد من المنطقة الافتراضية والمثالية، إلى عودة كارثية ومدمرة لهوسه الشخصي وللمنظومة الاجتماعية المحيطة به، والقائمة أساساً على هكذا شعارات وخدع وأكاذيب.

انحياز إلى الكوميديا

عرض (شهيد التين) ورغم الزخم التراجيدي في خطوطه السردية، إلا أنه انحاز وفي مشاهد كثيرة إلى الكوميديا، خصوصاً تلك التي أدار دفتها عبدالله صالح بكل حضوره وخبرته في اقتناص المفارقات الساخرة وتوظيفها جيداً من أجل إشاعة حالة من البهجة والتفاعل في القاعة.

ملاحظات

وعاب على العرض ضعف الأداء التمثيلي للوجوه الجديدة التي كانت بحاجة لتدريبات أكثر واشتغال أكبر فيما يخص التعبير الجسدي والصوتي، كما أن الحوارات المزدحمة بين الشخوص كانت بحاجة إلى تشذيب وصقل، ونقلها من ضفة المباشرة والعادية إلى ضفة المناجاة والشعرية اللتين يمكن أن تتجليا بشكل واضح في المونولوج أو الخطاب الداخلي الذي اختفى تماماً من المعالجة النصية للعرض.

وكانت كتل الديكور رغم مرونتها واستجابتها للتنويعات المشهدية معيقة لحركة الممثلين أنفسهم الذين بقوا في أغلب المشاهد محصورين في المقدمة الأمامية للخشبة، ما جعل الإضاءة محكومة هي الأخرى بهذه المنطقة، ومن دون قدرة على تقديم حلول بصرية معززة للمعالجة الإخراجية.

عبدالله صالح يبرر هنات العرض.. والنص تعرض لاقتطاعات من قبل المخرج

للتعرف على أسباب تأخر العرض لمدة نصف ساعة تقريباً عن الزمن المعلن لفتح الستارة، وكذلك أسباب الارتباك الفني والأدائي في أغلب المشاهد، ووجود فراغات سردية أثرت على عنصر المفاجأة الدرامية، خصوصاً في المشهد الختامي، التقت «الاتحاد» في الكواليس وبعد انتهاء العرض بالفنان عبدالله صالح مؤلف العرض والممثل الرئيسي فيه الذي أوضح، بالنسبة للإضاءة، أنه لم تجر بروفة مسبقة على الإضاءة بسبب عرض المسرحية المستضافة (الديكتاتور) في الليلة السابقة مباشرة، وعلى خشبة قصر الثقافة ذاتها، ما أثرــ كما قال ــ على حركة الممثلين وتناغمهم مع مواقع الإضاءة أثناء لحظات الإعتام، والتركيز على ممثل بعينه.

وقال صالح «إن وجود مجاميع كبيرة من ممثلين وعازفين في المسرحية، اقتضى عدم إقامة بروفة عرض ختامية في قصر الثقافة، وهو الأمر الذي أدى لخلق نوع من الإرباك الذي وصفته، ونحن بوصفنا مشرفين على العمل، لا نخلي مسؤوليتنا عن ذلك، ولكن الظروف المعاكسة لا يمكن أحياناً التحكم بها» وأوضح صالح أنه دخل في نقاشات حادة مع المخرج، وصلت لدرجة الخلاف و»الخصام» الشديدين ــ كما قال ــ عندما تم اختصار وبتر الكثير من المشاهد في النص الأصلي الذي كتبه، وأضاف أن العمل ما زال بحاجة لتمارين أداء واشتغال مضاعف، وتمنى أن تكون هناك فرصة لعرض المسرحية بعد المهرجان، حتى تأخذ حقها من الاعتناء والتعديل، وأن يتم اختيارها ضمن الموسم المسرحي كي تتوافر المساحة الزمنية القادرة على تلافي الأخطاء والهنات التقنية والأدائية التي حدثت الليلة.

 

إبراهيم الملا

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.