نحو ألق ثقافي / سُلطة فرض الهوية الثقافية !

قرأت حول مائدة مستديرة ضمن فعاليات ملتقى «مجلة العربي 12» ورقة تروم ضبط علاقة المسرح في الخليج بالجمهور، أحلت فيها الى تساؤل الناقد البحريني الدكتور

 

يوسف الحمدان في العام 2009: «لماذا تراجع مسرحنا عن سبعينات وثمانينات جمهوره (…) ليصبح في منطقة ضيقة وخانقة، وأشرت الى ما قاله د. خالد عبداللطيف رمضان بمرارة في السنة ذاتها؛ من أنه «بات المسرح مكاناً للترفيه فقط شأنه شأن الملاهي الليلية»! وكنت بين يدي شهادات، توفرت عليها لكتابة الورقة، وكان معظمها للعاملين في الحقل الثقافي الكويتي، فألفيت احساساً عاماً بـ (وجود مأزق)، وهو ما نسميه هنا بالتأزم، وأن المسرح يعيش (ظاهرة غياب)، ونشوء (سوء تفاهم) بين المسرح والجمهور!
اتفق الجميع تقريباً، على اعتبار أن أعلى صور التماسك في أي مسرح، تكون حينما يواصل موسمه فيما تتطابق أنشطته مع هوية جمهوره، وحاجاته الثقافية!
تأملنا عروض (الحقبة الذهبية) على أمل تفسير (مأزق الغياب)، فتكشف لنا الكثير من الخطوط العامة التي تعكس: أولاً. (تطابق أنشطته مع هوية جمهوره)، وثانياً. (اهتمامات وقضايا الطبقة التي ترتاد المسرح) وقتذاك، حيث عكست النصوص مهما تنوعت مشاربها بعد قدوم زكي طليمات (المد القومي، أمجاد العروبة، ربط الماضي بالحاضر، الاهتمام بكلاسيكيات المسرح العالمي)؛ واشتممنا مما سبق، أن هوية المثقف، كانت هي الأكثر حضوراً على الخشبات، حتى انه يمكن افتراض، أن المثقف المسرحي – مؤلفاً ومتفرجاً – فرض لعقدين ثقافته ونمط تفكيره على الخشبة!
رأينا خلال قراءتنا الاستنتاجية، أنه منذ أن تأسس المسرح الكويتي الجاد، فقد صمم برنامجه، طبقاً لرغبة جمهوره؛ ولكأنه كان متماسكاً، لأنه فصل على مقاس طبقة متلقيه الذين توجه اليهم؛ وبيان ذلك ما يؤكده ناقدنا محبوب العبدالله في مجلة النهضة بتاريخ 13 مايو 1972، من أن «المسرح في الكويت كان في نشأته الأولى أحسن من الآن، هذا على الرغم من ضعف الامكانات المادية في السابق؟»، معللاً د. محمد حسن عبدالله على لسان محبوب العبدالله، «أن مرد ذلك الى التصاق المسرح في نشأته بالقضايا التي تهم المواطن وتعبر عنه»! تمحض لنا أن الباب الصحيح للتغلب على سوء التفاهم بين المسرح والجمهور، لا يكون عبر بحث المعوقات التقليدية (غياب النص، تراجع الظاهرة، هيمنة المسرح التجاري، ضعف الدعم، الرقابة)، وغيرها من التحديات المكرورة، المجردة الى حد الاستعصاء، وانما من خلال وعي الجمهور!
صار ضرورياً أن يفكر المسرح الخليجي جدياً في جمهوره، وأن يحاول أن يتوافق مع حاجات هذا الجمهور، حيث هناك جمهور جديد في واقع الحال، وهو جمهور شاب، لديه أحلامه ومشاكله المختلفة!! وليس من جهود حقيقية للوصول الى قطاعاته، وليس من خطوات للتفاعل معه.
ولا مرية أن ثمة سؤالا جديرا بالاهتمام حول كيفية تحديد الجمهور، فالمسألة – في حدود اطلاعنا – ليست ببساطة الكليشيهات، ولا يمكن انجازها الا اذا توفر وعي حقيقي بالواقع السياسي والاجتماعي للجمهور؛ وعي يفهم الطبقات التي يريدها جمهورا لمسرحه محللاً مشاكلها وتطلعاتها! ويسترعى الانتباه في هذا الشأن أن الجمهور ظل بالنسبة للمخرج الخليجي، «سديماً قابلاً لكل التصورات والتناقضات، ويكاد على المستوى التطبيقي لا يعني شيئاً على الاطلاق»!
بكل تواضع، أقول ان المسرح في الخليج لم تكن لديه ارادة واعية – مهما صلحت النوايا – في اكتشاف جمهوره، فبدأ يخسر جمهوره، وأخذت المسافة في الاتساع، وراح يخسر تدريجياً تماسكه الأول، بعد أن نجحت التجربة في العقود الماضية، من زاوية تطوير التجارب الذاتية، لكنها لم تنجح في احلال بديل ايجابي يحل محلها، ويكون علاقة مع جمهور!
ومقتضى الكلام، أننا لو تأملنا المسرح في الخليج، لألفينا في ضوء الشروط السابقة أن الحصيلة مخيبة؛ اذ حتى الآن لا يبدو أن لدى القائمين على المسرح أي تحديد أولي للجمهور الذي يريدون مخاطبته، ولم تجر الى اليوم أي محاولات جادة لمعرفة هذا الجمهور وتبين تضاريسه.
ثمة ملاحظة أثرناها لربما تثير المتلقي الحصيف، وهي أنه ليس من قبيل المصادفة أن تكون معظم مباني المسارح وروابط الأدباء في أرقى الأحياء المدنية في الخليج؟ وهو ما ألمحنا من خلاله الى احتمال نخبوية المثقف، وابتعاده عن هموم الجماهير!

* أستاذ النقد والأدب
@Dr_criticism

 

http://www.alraimedia.com/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.