أخبار عاجلة

سامر عمران: المسرح ترياقاً في زمن الكوارث

بضحكة من القلب، يبدأ سامر عمران حديثنا في حديقة «المعهد العالي للفنون المسرحية» في دمشق. ضحكة عفوية يستعيدها المخرج المسرحي والممثل السوري من طفولته المبكرة التي ارتبطت بالموسيقى على نحو وثيق. كان يستمتع بغناء والده الضابط العسكري، بينما كان عمّه الدبلوماسي يعزف على آلة العود في الحفلات

والجلسات العائلية. «لو لم يكن والدي ضابطاً، لكان موسيقياً بكل تأكيد». في سن السادسة، سيدمن صاحب «المهاجران» الهربَ من المنزل والاختباء في سيارة والده للاستماع إلى أشرطة الكاسيت ساعات طويلة. يقول عمران إن تلك اللحظات كانت نقطة التقائه الأولى بعالم الإحساس الموسيقي، الذي ما زال شغوفاً به حتى اليوم. حينها، تعلم المراهق العزف على الغيتار، وحفظَ جميع أغنيات أم كلثوم، وفيروز، وعبد الحليم حافظ، إلى جانب الكثير من السمفونيات والمقطوعات الكلاسيكية العالمية. «أهداني أحد أصدقائي عصا مشابهة لعصا المايسترو. كنت أقود أوركسترا وهمية أكثر من 8 ساعات يومياً، وأنا أستمع إلى باخ وبيتهوفن وجوزيف هايدن وفيفالدي»،

 

تماشياً مع عمل الأب، كان على العائلة أن تتنقل كثيراً بين المحافظات السورية، لتستقر مدة طويلة في حلب. «في مرحلة الدراسة الإعدادية هناك، طلب مني أستاذ في مدرسة «الحسن بن الهيثم» أن أقدم مسرحية كوميدية، بعدما أعيته وأرهقته شقاوتي مع زملائي أثناء قيامه بتدريسنا». هكذا، تحوّل طلب المدرس إلى هاجس حقيقي لدى الفتى المراهق الباحث عن كل ما هو جديد وغريب يروّض طاقاته ومواهبه الجامحة غير المكتشفة.
استأجر شريط فيديو لمسرحية «مدرسة المشاغبين»، وعمل مع خمسة من رفاقه الطلبة المشاغبين فعلاً على كتابة مشاهد مشابهة لما فعله عادل إمام وسعيد صالح وأحمد زكي في المسرحية المصرية. تحولت المشاهد لاحقاً إلى مسرحية متكاملة حملت اسم «هل نحن طلاب؟»، وقدمها عمران لتلاقي نجاحاً منقطع النظير: «لم أكن أعرف قيمة ما كنت أقدمه. كنت أرى التجربة لعبة مسلية بسيطة، لكن تفاعل الجمهور الرائع جعلني أتخذ قراري النهائي باحتراف العمل المسرحي مهما كانت طبيعته، ممثلاً، كاتباً، مخرجاً… أو الجميع معاً».
لاحقاً، سيتعرف سامر عمران إلى المؤلف المسرحي نادر العقاد، الذي عرض عليه إخراج مسرحية «القضية والحل» للكاتب سلمان قطايا. وفعلاً، أخرج ابن الـ 17 عاماً المسرحية، وحققت نجاحاً جماهيرياً واسعاً، ونالت الجائزة الثانية في «مهرجان الشبيبة المسرحي» حينها. جنون الفن والمسرح والموسيقى، كان السبب المباشر لفشل طالب البكالوريا في نيل الشهادة الثانوية، ما تطلب تدخلاً سريعاً من الأسرة للجم جموحه وتمرّده على تقاليد العائلة والمجتمع: «أخبرني والدي بهدوء وبدبلوماسية أنني أمام خيارين: إما العيش مع العائلة ودراسة البكالوريا، أو المسرح والفن وحياة الشارع. اخترت الاحتمال الثاني طبعاً». لم تنفع تدخّلات الأم لدى الأب الصارم لمساعدة سامر الذي التحق بالجيش لتأدية الخدمة الإلزامية، وخصوصاً أنّ حظه العاثر قاده إلى الالتحاق بوحدات الجيش الخاصة، التي تُعدّ من أصعب الأماكن لتأدية الخدمة. قبل انتهاء فترة الخدمة العسكرية، قرر عمران السفر إلى الخارج لدراسة المسرح، لكن هذا يتطلب شهادة الثانوية. قبل 21 يوماً من موعد الامتحانات، أقنع الشاب العائد من الجيش والدته بأنه سينجح في البكالوريا، لتشتري له الكتب المدرسية بعد اندهاشها من اندفاعه وإصراره. «21 يوماً حولتها إلى معسكر مغلق لقراءة ودراسة كتب الشهادة الثانوية الأدبية. لم يصدق أحد نجاحي… وإن كان بمعدل منخفض جداً». بالمصادفة، قرأ سامر عمران في إحدى الصحف المحلية إعلان «المعهد العالي للفنون المسرحية»، وشروط مسابقة القبول. اتجه إلى دمشق سريعاً بعدما ساعده صديقه محمد الترك على إعداد مشهد من مسرحية «بيت الجنون» للكاتب توفيق فياض. وقف عمران أمام لجنة الامتحان والقبول التي ضمت جواد الأسدي، ونائلة الأطرش، والراحل فواز الساجر، الذي درّسه بعد نجاحه في السنة الأولى، وشكّل صدمة معرفية وثقافية وإنسانية للمسرحي الهاوي، نقلته إلى عوالم مختلفة تماماً. «احتجت إلى ستة أشهر كاملة، كي أهدم كل المعارف والمفاهيم الخاطئة التي كونتها سابقاً عن الفن المسرحي. تعلّمت من الراحل فواز الساجر المعنى الحقيقي للحياة، والفلسفة، والفن، والأدب، وعلم النفس… لقد علمني الإخراج المسرحي أكثر من فن التمثيل». لم يستوعب سامر عمران طالب التمثيل، رحيل معلمه الساجر في سنته الدراسية الثانية: «بقيت فترة طويلة لا أصدق رحيله. كنت مسكوناً بحضوره وتوجيهاته وأسلوبه الساحر في التدريس». خلال السنوات اللاحقة، تعاقب كل من فايز قزق، ونائلة الأطرش، وجمال سليمان على تدريس عمران فن التمثيل، إلى أن تخرج بمعدّل عال، محققاً المرتبة الأولى على دفعته، ما أهّله إلى نيل منحة لمتابعة دراسته العليا.
أثناء انتظار موعد البعثة، عمل عمران معيداً في المعهد الدمشقي مع المخرج أكرم خزام، ورشحه المخرج هيثم حقي لأداء دور رئيسي في مسلسل «خان الحرير»، لكن موعد التصوير تزامن مع موعد انطلاق البعثة الدراسية إلى بولونيا. لدى وصوله إلى البلد الأوروبي، فوجئ عمران بأنه أوفد لدراسة نظرية بعيدة كل البعد عن طموحه في دراسة التمثيل والحركة المسرحية. هناك تعرف إلى البروفيسور جوزيف أبولاسكي، الذي ساعده على التقدم مجدداً لامتحان قبول في «أكاديمية لودفيك سولسكي» المصنفة من أهم المعاهد المسرحية في بولونيا. «في مدة قصيرة جداً استطعت تعلم اللغة البولونية، وكتابة وإعداد وإخراج مشهد مسرحي، قدمته أمام لجنة القبول، وأهلني إلى دراسة الاختصاص الذي كنت أريده». بعد سنوات الدراسة الست، عاد عمران سريعاً إلى دمشق، حاملاً شهادة الدكتوراه، ليبدأ التدريس في «المعهد العالي» في دمشق، رغم صدمته من غياب المناهج الأكاديمية العلمية في المعهد.
يرفض سامر عمران حالة الركود والسبات التي أصابت الحركة الثقافية، نتيجة الأوضاع التي تعيشها سوريا اليوم: «أعظم الأعمال الفنية والثقافية في التاريخ، أنجزها أصحابها في الأزمات والكوارث الإنسانية المشابهة لما نعيشه اليوم». يصنف عمران مجمل الأعمال الفنية التي قدمها خلال العام ونصف العام الماضيين، ضمن ما سمّاه «الإعلان الواضح عن كوني ما أزال حياً، وأحاول تقديم ما يفترض أن أقدمه للتعبير عن وجهة نظري عما يدور حولي بشكل فني ليس أكثر». انتقادات كثيرة وجهت للمسرحي السوري في الأوساط الثقافية، كونه ما زال يواصل أعماله ومشاريعه الفنية في ظل ما يجري، لكنه يرد: «أنا لست رئيس حزب سياسي. ربما أمتلك وجهة نظر في السياسة، لكنني في النهاية فنان ومسرحي. أعلنت موقفي مرات عدة: إنني ضد التطرف والتعصب في الرأي الذي تبديه جميع الأطراف اليوم… سوريا كانت وما زالت قوس قزح يحوي جميع الأطياف والآراء».

 

http://www.tayyar.org

أنس زرزر

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.