أخبار عاجلة

الفرق المسرحية المستقلة وآفاق التجريبية العالمية

إن طرح قضية الفرق المسرحية المستقلة للبحث هذا العام أمر يستحق الإشادة لأهمية هذه القضية وارتباطها بالواقع المسرحي المعاصر. إن الفرق المسرحية المستقلة فرضت نفسها على الواقع المسرحي المحكى وطرحت نفسها على أنها المسرح البديل الذي يعتبر الإبن الوليد للمهرجان منذ نشأته وبخاصة في السنة التي توقفت فيها فعاليات المهرجان في عام 1990 بسبب غزو العراق للكويت.

 

 

ومن المؤكد أن هذه الفرق الظاهرة في حاجة الى تدعيم وتوفير المناخ اللازم لاستمراريتها، وبخاصة الدعم المادي والمعنوي؛ مع توسيع نطاق المسموح وتقليل الممنوع فكرياً وفنياً في جو ديموقراطي يعترف فيه كل منا بالآخر وبأهمية الحوار في تنمية المجتمع.
إن دور مسرح الهواة بصفة عامة والفرق المسرحية بصفة خاصة يتضح وسط الشباب والإنتلجنتسيا الذين لم تعد تشبعهم العروض المسرحية في المؤسسة الثقافية، ولم تعد كافية لتشكيل وجدانهم وعقلهم وأيضاً فشل المسرح التجاري في تحقيق ذلك، ولعل مركز الهناجر الثقافي كان على وعي عندما قدم الدعم في صور مختلفة لهذه الفرق.
وقد حظيت بعض العروض بالتقدير النقدي وحصدت الجوائز في المهرجانات المختلفة، لكن هل أحدثت هذه الفرق تغييراً في واقعنا؟
إننا نتعرض في ورقة البحث هذه لبعض تجارب الفرق المستقلة، في أوروبا والتي قد تتخذ أسماء مختلفة مثل المسرح الحر أو المسرح البديل أو مسرح المهمشين.. إلخ، وهي فرق بدأت في الانتشار في أوروبا منذ أواخر القرن التاسع عشر.
وقام أفراد موهوبون بتأسيس هذه الفرق، وامتلكوا الرؤية والإرادة والرغبة في تغيير المسرح الخاص ببلدانهم، وبالتالي تغيير المسرح الحديث، وتصحيح مساره ليلبي احتياجات الإنسان المعاصر.
من هؤلاء الموهوبين المؤثرين في فرقهم المختلفة نذكر: أندريه أنطوان (1858 1943) وتأسيسه المسرح الحر في عام 1887، وأوتو برام (1856 1912) وتأسيسه المسرح الحر في ألمانيا عام 1889. وكونستانتين ستانسلافسكي (1863 1938) وتأسيسه فرقة مسرح آبي بإيرلندا في عام 1904، وتأسيس جاك كوبو (1879 1949) فرقة كوبو جوفييه في باريس في عام 1913. وتأسيس البولندي جروتوفسكي (ولد في عام 1933 -) للمسرح المعملي في روكلاف ببولندا في الستينات. والمخرجة آريان منوشكين (ولدت 1934 -) وتأسيسها جماعة مسرح الشمس في باريس في عام 1964.. إلخ.
المسرح الحر: Theitre
قام أندريه أنطوان Antoine والممثل والمخرج ومدير المسرح بتأسيس المسرح الحر في باريس في عام 1887، وذلك بهدف إخراج المسرحيات الطبيعية التي كانت تحل الموجه الجديدة في المسرح الأوروبي.
لقد بدأت الطبيعية Naturalism في التبلور كاتجاه مضاد للفن المزيف والمصطنع على يد إميل زو لأوسترندبيرج.
رفض الطبيعيون المسرح التجاري وزيف المسرحيات المحكمة الصنع عند يوجين سكريب.
أتى أنطوان ليقدم هذه المسرحيات الطبيعية في المسرح الحر وفرقته التي تكوّنت من مجموعة من الشباب، واهتم أنطوان بتقديم شريحة حقيقية من الحياة بكل تفاصيلها وبكل حقيقتها فالمهم هو الصدق في المنظر المسرحي وتحقيق الإيهام المسرحي.
وكتب أنطوان في هذا الصدد: “يجب ألا نخشى وفرة هذه الأشياء الصغيرة وتنوع العناصر المسرحية، فتلك الأشياء الصغيرة التي لا يمكن تقديرها هي التي تخلق الإحساس بالألفة، وتضفي طابع الأصالة على البيئة التي يعمل المخرج لإعادة خلقها.. بين هذه الموضوعات الكثيرة.. فإن أداء الممثل يصبح أكثر إنسانية وقوة وامتلاء بالحياة في الحركة والاتجاه..”.
استمر المسرح الحر في تقديم عروضه المسرحية الى أن أغلق في عام 1896 بسبب المصاعب المالية وقد بلغ عدد المسرحيات المقدمة (184) مسرحية لكتّاب مثل بيك، بيرو، هوبتمان، إبسن وستريندبيرج.
إن ما قدّمه أنطوان في زمنه كان جديداً وتجريبياً وخروجاً على السائد وتم ترسيخ وحدة الأسلوب والتفسير في العروض المسرحية ومبدأ الاهتمام بالتفاصيل وتأكيد واقعية المشهد المسرحي. وقد امتد تأثير المسرح الحر في العديد من البلدان الأوروبية مثل تأثيره على ستانسلافسكي في بدايات عمله بالإخراج، وكذلك تأثر به الناقد الألماني أوتو برام فأسس مجلة المسرح الحر وفرقة المسرح الحر في عام 1889 وقد حاكى المسرحيون المصريون الشبان في عام 1952 بعد الثورة بهذا المسرح وأسسوا المسرح الحر في مصر.
مسرح موسكو الفني: Mascow Art theatre
في عام 1888 أسس كونستانتين ستانسلافسكي الممثل والمخرج والمنظر المسرحي الروسي المعروف “جمعية الأدب والفن”، بالاشتراك مع المخرج كوميسار جفسكي وفيديتون. وكان هدف الجمعية تجميع كل المشتغلين بالمسرح في مجالاته المختلفة لتقديم الأعمال المسرحية، وكانت فرصة لستانسلافسكي ليمارس التمثيل والإخراج مع الهواة وفي أعماله في تلك المرحلة تأثر فيها بأسلوب Meininger Company التي أسسها جورج الثاني دوق ساكس فينجن، وذلك متمسكة بالتفاصيل وبالواقعية التاريخية التي تتضح في الأزياء والديكور.
في عام 1898 تم تأسيسه لمسرح موسكو الفني بالاشتراك مع المخرج نيمير وفيتش دانتشنكو. قدمت الفرقة أعمالاً مسرحية متنوعة بدأت بمسرحية “القيصر فيودور إيفانوفتش” تأليف أليكسي تولستوي ومسرحية أوستروفسكي “عذراء الثلج” ومسرحية ليوتولستوي “سلطان الظلام”. وحققت الفرقة نجاحاً كبيراً بفضل مسرحيات الكاتب الروسي أنطون تشيخوف: “النورس” و”الخال فانيا” و”الشقيقات الثلاث” و”بستان الكرز” وقدمت مسرحيات لمكسيم جوركي وميترلينك وأندرييف وإبسن.
اعتمدت الفرقة على اشتراكات أعضائها ودعم من احد الرعاة الموسرين، وهذا أعطاها القدرة على الاستمرارية والتطور.. لقد بدأت أعمال ستانسلافسكي في الفرقة بالتأثر بالطبيعية لكنه مع استمرارية العمل وبخاصة في مسرحيات تشيخوف طور أساليب العرض المسرحي ولم يسع وراء التفاصيل غير الضرورية واهتم بالواقعية السيكولوجية في أداء الممثل وأسلوب المنظر المسرحي. ولم يقتصر العمل على الواقعية وإنما دخل الى عالم الرمزية ولجأ الى أسلبة العرض المسرحي مقترباً في ذلك من أفكار مابير خولد، وابتعد عن التفاصيل الواقعية السطحية.
وقد أخرج لنا ستانسلافسكي كتبه الهامة التي استخلص فيها خاصة تجاربه ورؤيته لفن المسرح ونظرياته في إعداد الممثل وأدوائه وهي: “حياتي في الفن” (1924) و”إعداد الممثل (1926)، وبعد وفاته صدر “ستانسلافسكي بروفة العطيل” صدر في عام 1948 و”بناء الشخصية” (1950).
لقد أثر ستانسلافسكي ومسرحه في العالم كله وبخاصة عندما طاف في جولة كبيرة ببلدان أوروبا والولايات المتحدة في عامي 1922، 1923 مما أعطى الفرصة لحدوث هذا التأثير الممتد حتى يومنا هذا.
فرقة كوبو جوفييه Copeau Jouvet
قام جاك كوبو الممثل والمخرج الفرنسي المشهور – بتأسيس هذه الفرقة بالتعاون مع الممثل الفرنسي لوي جوفييه وذلك في عام 1913. واتخذ من مسرحي فيو كولومبيه بباريس مكاناً تجريبياً وهو مسرح صغير يسع لمئتي متفرج، وجعل كوبو خشبته على هيئة خشبة المسرح الإليزابيثي فلا وجود لفتحة البروسونيوم أو الستارة فالجمهور يحيط بخشبة المسرح من ثلاث جهات. وقد رأى كوبو أن خشبة المسرح بهذا التكوين ستساعده على تقديم عروض مسرحية مختلفة في أسلوب تنفيذها، وسيمكن لعروض الفرقة أن تعيد الشعر والجمال والصدق إلى خشبة المسرح.
قامت الفرقة بقيادة كوبو على أساس مناهضة المسرح الواقعي، والمسرح المزيّف والمسرحية المحكمة الصنع.
وأدخل كوبو العديد من التحسينات في تصميم المناظر المسرحية بتبسيطها وابتعادها عن التفاصيل غير الضرورية والإيحاء بالمكان.. وقدمت الفرقة مسرحيات متنوعة لموليير وشكسبير وجولدوني بالإضافة إلى كتاب المسرح الفرنسي الجدد كلوديل وأندريه جيد وجول رومان.
سعى كوبو إلى تحرير خشبة المسرح من المبالغات غير الضرورية في الإضاءة والديكور والاستعراضات وكتب يقول: إن هؤلاء الذين يهيمون في الطرق الجانبية الهينة مثل الاهتمام بالديكور وزركشة الإضاءة تحت زعم “الفن الشامل” إنما يضربون في الطريق الخاطئ”.
ووقف في مواجهة الكلاسيكيات الزائفة التي يقدمها مسرح “الكوميدي فرانسيز” La Comedie Francaise، وهذا الطبيعية المسرفة لأستاذة أندريه أنطوان والتي سيطرت على مسارح أوروبا فترة من الزمن.
ويحدد كوبو طريقة عمله في الفرقة بيانه “مقال في تجديد الدراما”: “نحن لا نشكل مدرسة ولسنا مسلحين لصياغة ما، نعتقد أن مسرح الغد لا بد من أن ينبثق منها. وهنا يكمن الفرق بيننا وبين المؤسسات المشابهة التي سبقتنا. إننا لا يجترئ على فضل من تعرف من هؤلاء، أعني المسرح الحر، ولا ننتقص من قدر ما أنجزه مخرجه أندريه أنطوان الذين ندين له بالكثير، لكننا نعتقد أنهم وقعوا في هذا الخطأ الفاحش دون وعي، وهو أن يحددوا مجال عملهم ببرنامج “ثوري.. إننا لا نعرف ما سيكون عليه مسرح الغد، لكننا ونحن ننشئ مسرح “القيني كولومبي” نحاول أن نعد مكاناً تأوي إليه آمال المستقبل”.
لقد كان لفرقة كوبو في مسرحه الفير كولومبيه “أعمق الأثر على المسرح الفرنسي المعاصر عن طريق أعضائها لويس جوفيه، شارك ديلان، جاستون بافي، إتيين ديكرو، ميشيل سان دنيس، جان فيلار، مارسيل مارسو، جان داستي، جورج بيتوف، سوزان بنج.
المسرح المعملي التجريبي Laboratory Theater
أسس المخرج والمنظر المسرحي جيرزي جروتوفسكي Grotowski (1933) هذا المسرح بعد عودته إلى بولندا من دراسته المسرح في المعهد الحكومي للفنون المسرحية بموسكو (جيتيس) وبعد زيارته للصين لدراسة المسرح هناك.
تأسس هذا المسرح الصغير في مدينة روكلاف بعيداً عن العاصمة لكن تجديداته وتوجهه المسرحي لفت الأنظار إليه في الستينيات من خلال فرقته التي ضمت هواة المسرح المخلصين وتجول بها في كل الأنحاء لتقديم مسرحه الفقير.
في هذا العمل المسرحي تخلص جيروتوفسكي من العناصر غير الضرورية وتصور المسرح عارياً من المنظر المسرحي والملابس والإضاءة والموسيقى. في هذا المسرح يتربع الممثل على العرش فهو الحاكم الأعلى أو السلطة العليا في العرض المسرحي يستخدم كل طاقاته المادية والذهنية ليظهر لديه المعنى بالحركة بالإيماءة بالكلمة وقد تضمن كتابه الهام (نحو مسرح فقير) هذه الأفكار الهامة.
إن جروتوفسكي كان يسعى نحو جوهر المسرح فالمسرح هو ممثل ومتفرج، فهذا هو المسرح الحيّ حيث الممثل يخلق الفعل الدرامي ويصنع من وجهه قناعاً أكثر صدقاً من المكياج، ويستطيع الممثلون بأدواتهم الجسدية والذهنية خلق علاقة حميمية مع المتفرجين ليحقق تحليلاً نفسياً جماعياً، إن جروتوفسكي في عروضه المسرحية وفي تعاليمه حقق حلم ستانسلافسكي بوجود ممثل له مثل هذه الإمكانات الروحية والجسدية وذو قدرة عالية على التعبير بقول جروتوفسكي: “إن الممثل يجب أن يكون قادراً على التعبير بالصوت والحركة نحن تلك الدفعات التي تتذبذب على الحدود الفاصلة بين الحلم والحقيقة إنه باختصار يجب أن يكون قادراً على أن يبني لغة التحليل النفسي الخاصة به للأصوات والحركات، على نفس النحو الذي يبني به الشاعر العظيم قصيدته من الكلمات”.
إن جروتوفسكي في مسرحه العظيم لم ينطلق من فراغ ولم يصنع قطيعة مع ما قدمه رجال المسرح المجددون قبله من ستانسلافسكي إلى ديلان ومن مايرخولد إلى أرتو.
إننا من خلال العرض السريع لملامح بعض الفرق المسرحية الهامة نجد بعض الخصائص الهامة لصياغة الحاضر والمستقبل:
1 ـ على رأس كل فرقة توجد شخصية قيادية واعية ومثقفة ولها موقف واضح من الواقع المسرحي تسعى إلى تحقيقه بحرية تامة.
2 ـ البنية الاجتماعية واللحظة التاريخية ساعدت على إبراز جهود هذه الفرق وقادتها.
3 ـ المناخ الديموقراطي الحقيقي الذي يوفر لكل كيان بأن يتحاور وأن يسمح له وأن يكون صاحب تأثير حقيقي في بناء المجتمع.
4 ـ النزعة التجريبية هي القاسم المشترك لدى كل أعلام المسرح وهي نزعة علمية تقوم على التصحيح الدائم للمسارات بالنقد الذاتي وتنويع الإنتاج وعن طريق التجربة والملاحظة والبحث المنهجي العلمي.
5 ـ قد تتوجه الفرقة إلى جمهور محدود العدد ليس بهدف الربح التجاري بالدرجة الأولى وإنما هدف التأثير جمالياً وفكرياً وفنياً.
6 ـ اكتشاف الفرق لكتّاب مسرح جدد أو تقديم أعمال مسرحية قديمة بالاسلوب الجديد.
7 ـ وجود حركة نقدية مواكبة تقوم بتحليل الأعمال المسرحية ومناقشة الأسس النظرية لها من أجل التطوير وليس بهدف المجاملة أو الإساءة.
[ قدمت هذه الورقة في الندوة الفكرية التي عقدت على هامش مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي.

 

مصطفى منصور ()

http://www.almustaqbal.com

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.