أخبار عاجلة

ملامح التجريب على البعد الأسطوري عند “بيتر بروك”: “المهابهاراتا كمثال تطبيقي”

إن القيمة الحقيقية لبيتر بروك المخرج المسرحي الإنكليزي المعاصر لا تتبع فقط من الأعمال الهامة والطليعية التي قدمها على خشبة المسرح وإنما لكون أن هذه الأعمال جاءت مرتبطة بأبحاث حيوية اختبرت عن طريق الأداة لا سيما تلك التي قدمت في ظل “المركز الدولي لأبحاث المسرح” الذي أسس عام 1970م في باريس، والذي يلخص بروك مهمته بأنه “يختبر الشروط الأساسية التي يمكن أن يقوم فيها مسرح يعتمد على، فقط هو ما هو جوهري” وهو البعد الأساس المهم الذي سيتم التركيز عليه في هذه المداخلة. إن العودة الى أصول المسرح أو جذوره مهمة أوكلها بروك لنفسه ومجموعته ليعمل عليها جاداً مجتهداً مجرباً. كانت الأسطورة التي حملت في رحمها جنين المسرح الأول هي ميدان البحث الأرحب وكانت عناصرها هي وسائل التجريب التي أراد بروك أن ينطقها فناً وفكراً معاصراً مستفيداً من البحوث الحديثة ومستهدياً بالتفسير العلمي السيكولوجي والانثروبولوجي والمثولوجي وعلوم حديثة أخرى تناولت الأسطورة فهماً وشرحاً وتحليلاً.

إنطلق بروك في توظيف الأسطورة القديمة في المسرح الحديث ليس فقط من منطلق تجاوز الرؤية الماضية التي تتعامل مع الأسطورة كحقيقة مطلقة ولم يقف عند حدود الرؤية الجمالية للأسطورة على الرغم من ما لهذه الرؤية من أهمية مسرحية لا سيما من حيث البعد الخيالي وتصوير العالم الغيبي والطقوس ذات الأبعاد الحركية ناهيك عن التراليم والأهازيج والإيقاعات التي وظفها بحرفية عالية بل الى جوار ذلك كله أراد أن يصل من الأسطورة الى مساحة ذهنية رحبة ورسالة إنسانية عالمية تتواءم ونسق الفن والحياة المعاصرة.

ملحمة “المهابهاراتا” واحدة من أشهر أعمال بروك وقد يراها البعض أعظمها على الإطلاق وأبرزها فنياً. وقد واجه بروك عندما أخرج عمله “المهابهاراتا” (1987م) عن المثيولوجيا الهندية عاصفة من الاحتجاجات لا سيما عندما عرض المسرحية والفيلم في الهند الأمر الذي أثار حفيظة رجال الدين الهنود الذين اتهموه بالاحترافية التي أفقدت النص الأصلي الذي يعود الى القرن الخامس قبل الميلاد طبيعية وعمقه بل وذهب بعضهم الى القول أن هذا العمل المسرحي شكل أبلغ إساءة لحقت بالثقافة الهندية في العهد الحديث.

لا شك أن مرد هذا الهجوم مفهوم لدينا، ففي بعض الثقافات قد يصل الاعتزاز بالأسطورة كموروث شعبي مرحلة التقديس، إذ تعتبر الأسطورة تحفة فنية من الموروثات الحضارية للبلد أو الأمة، وأحياناً ترتبط الأسطورة بالبعد الديني والتاريخي لبعض الشعوب فتكتسب أهمية أكبر وأعظم، ونتيجة لموضعها هذا يجب أن تحفظ حرفاً بحرف كما وردت في الحوليات القديمة فلا تمس في نصها بل وحتى في رمزيتها ودلالاتها ناهيك عن القبول بأي نوع من التعديل أو التغيّر أو التطوير الذي يمكن أن يطرأ عليها نتيجة لتوظفيها في المسرح والأمثلة على ذلك عديدة لعل أوضحها في المسرح العربي الجدل الكبير الذي دار حول توظيف أسطورة إيزيس وأوزوريس في المسرح المصري في أواسط القرن المنصرم حيث رأى البعض أن التوظيف جاء محملاً بمضامين سياسية معاصرة محدودة في قيمتها الفكرية وأنينها الزمنية على حساب طبيعة الأسطورة التي يفترض أن تحمل أسئلة جوهرية ورموزاً عميقة ذات ديمومة أزلية وهم يسجلون تحفظهم بأن مثل هذا التحرير في الأسطورة قد يؤدي في نهاية الأمر الى التفريط بذلك التراث الأصيل (12). والهجوم كان أكبر وأشد على توفيق الحكيم عندما وظف قصة أهل الكهف في عمل مسرحي أراد أن يضفي عليه لمسة إنسانية تواكب الجانب الغيبي، ولم يشفع له أن القصة معروفة في التراث الأدبي والديني للعديد من شعوب العالم قبل ظهور الإسلام. ومثل هذا الجدل لن ينتهي وما له أن ينتهي فهو إثراء ثقافي وفكري مفيد إذا ما بقي في دائرة الخلاف الفكري والإبداع الفني المسرحي ومدى اقترابه أو ابتعاده عن جوهر السؤال الذي تحمله الأسطورة من دون أن ينزلق الى تابو المحرمات أو الإقصاء القسري أو اللعبة السياسية المحدودة زماناً ومكاناً وعلاقتها بالصراع الوجودي مع الآخر، في سياق هذا الفهم يمكن القول انه بقدر ما كان نقد رجال الدين قاسياً لبروك ومجموعته بقدر ما كان هذا مؤشراً على مدى تحرر بروك من الخضوع والإذعان لسطوة الأطر التقليدية للأسطورة والتخلّص من الأكليشيهات الجاهزة الى أفق أوسع من الإبداع والتجديد. فما الذي فعله بروك وأغضب التقليديين من رجال الدين الهنود؟

التقنيات المشتركة

باختصار إن الإجابة على ذلك تكمن في جملتين عبر بهما بروك بعد عودته وفرقته من زيارة تمهيدية للهند عن منهجيته في التعامل مع الملحمة وبرأينا هما مفتاح قراءة هذا العرض. الجملة الأولى عندما قال: “فهنا تعرّفنا على كل التقنيات المشتركة في كل فنون الشعوب على السواء، والتي ظللنا نستكشفها عن طريق الارتجال سنوات متصلة” (النقطة المتحول ـ ص231). إن الجملة تحمل إشارتين أوّليتين تؤسسان للعرض، الأولى تتمثل في البحث عن تقنيات وهو جانب تنفيذي مهم في العرض المسرحي له الأولوية لدى رجل المسرح العملي مقارنة بالجانب الفكري أو العقائدي الذي تحاول الملحمة تكريسه، أو بمعنى أصح الذي يسعى رجال الدين الى تكريسه من خلال الملحمة، ولعله من الدلالة على أهمية هذا الجانب، أي الجانب الأدائي، عند بروك أن نشير إن أول ما لفت انتباه بروك للمهابهاراتا راقصاً من الهند كان يؤدي مشهداً من العمل وقد جذبه من عمل الراقص الأداء ولغة الإشارة والأزياء والمكياج والشكل والجو العام ولم يكن يعرف بعد تفاصيل الأسطورة وأعماقها الفكرية. (النقطة المتحول ـ ص 228). والإشارة الثانية تتمثل في البحث عن المساحة المشتركة، لا الخصوصية المتفردة، في كل فنون الشعوب أي أن توظف الفنون المحلية لاستلهام يحقق لها العالمية لا سيما عندما تتصل هذه الفنون بأسطورة عريقة متجذّرة في وجدان واحدة من أقدم الثقافات في العالم ولعل بروك هنا يضع قدمه على منطقة تماس، حتى لا نقول توافق، مع نظريات الأنثربولوجيين المعاصرين أمثال ليفي شتراوس الذي بحث في الأسطورة عن وحدة بنائية تمكنه من دراستها بمنهجية علمية لا تختلف عن منهجية العلوم التطبيقية (13)، ومن ثم تؤهل، هذه الوحدة البنائية، الأسطورة لتكون خلية التفكير الأولى في الفكر الإنساني التي يسهل الكشف عنها في كل الثقافات وتكون الأساس الذي يكرس عالمية الثقافة واللغة المشتركة، ويمثل بروك حالة تماس أو توافق في هذا السياق أيضاً مع فروم في أطروحته بأن الأسطورة ومن ثم الحلم هما نتاج عقلاني واع، وليس لا واع، ويرى أن العقل في حالة الحلم ومن ثم الأسطورة يعمل ويفكر بلغة خاصة هي “لغة الرمز” اللغة الأكثر شمولية وعالمية حيث أنها قادرة على تجاوز فوارق المكان والزمان والثقافة والجنس، وهو على جانب آخر لا يبتعد عن سعي الميثولوجين مثل سير جيمس فريزر على البحث عن ثنائية العلاقة بين الأسطورة والطقس “التقنيات” وعن أمثلة نماذجية مستمدة من الأساطير القديمة تتكرر في ثقافات العالم الأخرى محترفة الزمان والمكان (8). وبروك هنا مسرحياً في البحث عن مساحة مشتركة يتوافق أيضاً مع منهجية “جروتوفسكي” في المسرح الفقير في التعامل مع الأسطورة والتي يشير لها جروتوفسكي نفسه في كتيبه (نحو مسرح فقير ـ ص30) قائلاً: “فإن قدرة الكائن الإنساني على الإدراك تظل باقية حتى مع فقدان غطاء مشترك من العقيدة وفقدان الحدود التي لا يمكن احتراقها، والأسطورة وحدها ـ كما تتجسد في الممثل وكيانه الحي ـ هي التي تستطيع تأدية وظيفة المحرمات. وانتهاك الكيان الحي، وتعريته الى درجة بالغة القسوة يعيدها الى موقف أسطوري محدد ومجسد، أي الى خبرة مشتركة تتعلق بالحقيقة الإنسانية بشكل عام.

أما الجملة الثانية التي وردت على لسان بيتر بروك فكانت في قوله “رجعنا من الهند وقد عرفنا أن عملنا هو أن نوحي، لا أن نقلد” (النقطة المتحول ـ ص 231) إنها جملة تعلن فك الارتباط عن أي التزام بالأطر التقليدية المتعارف عليها للملحمة أو تفسيراتها المتوارثة والانحياز التام الى منهجية اختبار الشروط التي عرف بها بيتر بروك وجعلها آلية عمل للمركز المسرحي.

اجتماع الطير

ومن المناسب هنا أن نوجز شيئاً عن هذه الآلية وكيفية تطبيقها إذ يتحدث بروك عن التدريبات أثناء رحلات فرقتهن المكونة من ممثلين من مختلف الجنسيات والمنتمين الى ثقافات متنوعة، الى إفريقيا وآسيا وأميركا. وكيف أن البحث واختبارات الأداء أديا الى تطور دائم وتنوع في أساليب تقديم العمل المسرحي ومثال ذلك ما حصل مع “اجتماع الطير” إذ يقول: “كان هذا العمل في تطور دائم، لعبنا عدد من صياغاته في إفريقيا، وعدداً آخر في باريس، وكثيراً عبر أميركا… وفي النهاية كنا نغير أطقم الممثلين على نحو دوري كل ليلة، حتى يكتسب كل عضو في الجماعة فهماً جديداً لكل دور… وفي الأسبوع الأخير أصبح لدينا سبعة أزواج من الممثلين، مسؤولون عن سبع صياغات للعمل. الليلة الأخيرة كانت تضم ثلاثة عروض: يبدأ الأول في الثامنة من المساء، الثاني في منتصف الليل، الثالث في الفجر، أول العروض كان ارتجالياً، ثانيها كان هادئاً ملتزماً بالنص، وثالثها كان ذا طابع احتفالي…” (النقطة المتحول ـ ص8).

وهو يتحدث عن أهمية ما بين السطور وما يحدث ما بين الكلمة والكلمة والإضافات والارتجال الفني فيصف ما يحدث في البروة أو العرض… “لدرجة أنك لا تستطيع أن تقطع ما هو صادر عن الممثل وما هو صادر عن المؤلف” (النقطة المتحول ـ ص 37).

أما عن “المهابهاراتا” بالذات فهو يتحدث عن عمل المجموعة قائلاً “لم نكن نفترض أننا نعرض رمزية الفلسفة الهندوكية. في الموسيقى وفي الأزياء وفي الحركات كنا نحاول أن نوحي بنكهة الهند من دون أن ندعي أننا خلاف ما نحن عليه. على العكس، فإن الجنسيات المتعددة التي اجتمعت معاً، كانت تحاول أن تصور “المهابهاراتا” بأن تضيف عليها أشياء من عندها” (النقطة المتحول ـ ص 231، 232)، مرة أخرى تبدو المنهجية الإخراجية التي يتبعها بروك في التعامل مع الأسطورة على حد ما متوافقة مع منهجية “جروتوفسكي” الداعية على مواجهة الأسطورة لا التوحد معها حيث يقول جروتوفسكي: “المواجهة مع الأسطورة وليس التوحد معها. أي بمعنى آخر محاولة تجسيد الأسطورة مع الاحتفاظ بخبراتنا الشخصية الخاصة وذلك بأن نرتدي رداء الأسطورة لندرك نسبية مشاكلنا وعلاقتها “بالجذور”، وكذلك نسبية “الجذور” في ضوء خبرتنا العصرية. فإذا كان الموقف قاسياً وحشياً، وإذا عربنا أنفسنا ولمسنا أعمق أعماقنا وكشفناه تكسر قناع الحياة وسقط. (نحو مسرح فقير ـ ص 30).

ولكن مع هذا بدا بروك في تعامله مع “المهابهاراتا” في نظر الكثير من المسرحيين حريصاً على طبيعة الملحمة وأجوائها العامة لم يسعى بروك الى التعبير الجوهري في أحداث وبناء الأسطورة أو هيكليتها العامة إلا بقدر محدود بما يحقق تحويلها الى عرض مسرحي يكثّف أحداثها ويوسع من دلالاتها لتكون أكثر عمومية. فكانت مدة العرض تسعة ساعات بعد الاختصار في الملحمة من خلال اختزال العائلات العديدة، أكثر من 100 عائلة، في عائلتين رئيسيتين متصارعتين وعليه حافظ على الخط الرئيسي في الملحمة وركّز الأحداث في محور أساس وتم شطب العديد من التفرعات الجانبية والزوائد والاستطرادات التي كان من الممكن أن تثقل العمل المسرحي.

إن أول ما فعله بروك والكاتب جان كلود كاريير أنهما نظرا الى الملحمة، التي طالما نظر إليها رجال الدين الهنود نظرة تقديسية غيبية، نظرا إليها نظرة إنسانية بحتة وأرادا أن يستخلصا منها العبر لا لمجتمع بعينه محدد جغرافياً أو ثقافياً بل لمجتمع مفتوح ولثقافة عالمية مشتركة هي أحد أهداف مختبرهم الذي يضم فنانين من مختلف ثقافات العالم الشرقية والغربية، لذا نرى بروك وكلود في العرض يركزان على جمل عامة تبرز قيماً إنسانية بتعمّد مقصود مثل “لا يوجد إنسان جيد، جيد بالمطلق ولا يوجد إنسان سيء بالمطلق” و”ليجعلك ترى الصالح في السيئ والسيئ في الصالح” والأكثر من ذلك هما يحاولان أن يبرزا بعض الجمل التي تحمل بعداً فلسفياً مثل “الغضب يبقيني شاباً” و”هل يمكن لشخص أن يكون تبعاً لشخص قد ضيّع نفسه”. ثم أنهما يؤكدان من خلال الراوي على أن الملحمة لكل واحد منّا هي لك وعنك إذا ما استمعت لها بعناية ستكون في النهاية شخصاً آخر.

إذاً على المستوى الفكري، النص فيما بعد، أراد، المخرج والمؤلف، أن يركزا الأحداث ويختصراها لصالح رؤية مسرحية عصرية متعددة التفاسير تحمل سمة عالمية أكثر منها سمة محلية مرتبطة برؤية أحادية وبثقافة ذات خصوصية بحتة وإن ظل الشكل العام أو نكهة العمل كما يطلق عليها بروك على حالها. إذ يصف بروك الفن “والفن يعني الاحتفال بأكثر الإمكانيات رقة وجمالاً في كل عنصر من العناصر، والفن يعني استخراج الجوهر من كل تفصيل، بحيث يكشف هذا التفصيل عن نفسه، من حيث هو جزء حافل بالمعنى من كل غير قابل للانقسام” (النقطة المتحول ـ ص 230) كما يصف مهمة المخرج المسرحي في هذا الصدد “إن من يقنع أن يقدم وجهة نظر واحدة ـ بلغت ما بلغت قوتها ـ إنما يؤدي لافتقار العمل كله” (النقطة المتحول ـ ص 36).

التطبيق

على المستوى التطبيقي أو التنفيذي فبالاضافة الى توظيف التقنيات والطقوس كلغة مشتركة، سعى بروك في العرض الى فكرته الأساسية حول أن المسرح هو المساحة الفارغة التي تهيأ للمؤدى أن يشغلها وأن الشيء البسيط أو القليل في هذه المساحة يؤدي غرضاً كبيراً أو أعظيماً، لذا يسعى بروك في “المهابهاراتا” الى تكثيف في استخدام الايماءات والمؤثرات الصوتية، كأن يشير صفير الناي اللهم الى الحية، ودقات الطبول تنمو وتصبح جيشاً والنفخ في النفير يعلن عن الحرب وكذلك يعلن عن ويوم القيامة. كما سعى الى استخدام الرمز كالصخرة والنار والماء والضوء والألوان والنغمات والغناء والحركات والرقص ليحقق تداعي المعاني والأفكار والدلالات الايحائية كاستخدام لقطعة قماش قرمزية وغمسها في النهر كتابة عن ملك يتلوى فوق خشبة المسرح. واستخدام سجادة وسط المسرح كناية عن البلاط الملكي، ونثر كمية من البودر بواسطة الممثلين كناية عن جو المعركة بما يسوده من أتربة ودخان وأن تتحول العصي الى أسرة وغابات وأسلحة حربية معقدة وأن تتحول السلالم المتحركة الى وضع منثني لتأخذ شكل أسلحة دفاعية سحرية. هذه البساطة والرمزية وإن بدت متعارضة مع ما اتسمت به القصة من مغالاة إلا أنها متوائمة مع رغبة بروك وفريقه في النزول بالأسطورة من عليائها الغيبي الى المستوى الانساني فكرياً وأن تكون شخصيات الممثلين وحدهم كمصدر إلهام خيال الجمهور تطبيقياً. كما يرى كريستوفر اينز في كتابه المسرح الطليعي (ص275).

عليه فإن بروك قد عمد الى تكثيف الحالة النفسية الداخلية لدى الممثل في صورة عنف داخلي وأدائي يترجمه الممثل ويعبر به عما تضمنته الأسطورة من صور خيالية وقتال وهلاك كمثل “إله الشمس في بهائه الذي يعمي الإبصار، أو شيطاناً في جسد هائل تحمله عربة خيول متوحشة والذي بإمكانه أن يبتلع سحابة من السهام وأن يتحول الى جيش بأكمله، يرسل أمطاراً من دماء يصاحبها البرق والشهب”. وهنا يتحول العرض الى سيل من الصور المسرحية المتدفقة التي يتبارى الممثلون في تجسيدها وعرض مهاراتهم الموظفة في التمثيل من خلالها وبذلك يبرز الأداء وجوهر الفن المسرحي أكثر من مجرد تجسيد لطبيعة الأسطورة. (المسرح الطليعي ـ ص275، 279). فبروك يرى أن “المهابهاراتا” تحطم الأشكال التقليدية القائمة في الغرب المسيحي والتي لا تخرج عن دائرة ضيقة وأشكالاً بدائية جداً للخير والشر وهي تقدم نموذجاً هائلاً وقوياً ومشعاً للصراع الذي لا يتوقف داخل كل فرد وكل جماعة، وكل تعبير عن العالم، صراع بين الامكانية التي تسمى “الدهارما، ونفي هذه الامكانية. (النقطة المتحول ـ ص232). ولعل أعظم ما في “الهابهاراتا” أنها لا تحاول أن تشرح “الدهارما” وإنما “الدهارما” هي الجوهر الذي يحس تلقائياً بسريانه وحضوره يبقى استشرافياً.

لعله من المناسب أن نشير هنا الى تأثر سابق لبيتر بروك بمسرح القسوة ومبادئ الدادية ومفاهيم آرتو بـ”إعادة اكتشاف الفزع والرعب الكامنين في المسرح الأصلي ذي الطابع شبه الديني” (المسرح الطليعي ـ ص239). عندما عرض “مارا صاد” لبيتر فايس، ولكن هذا التأثر يظل لدى بروك في حالة توازن وفهم لجوهر اللعبة المسرحية فهو يؤكد بأن الوجود الانساني لا يمكن تصويره إلا من خلال دائرتين، داخلية تعكس دوافعنا وحياتنا السرية وخارجية تعكس حياتنا الاجتماعية وعلاقاتنا بالآخرين والبحث في المسرح يشكل دائرة تتوسط الدائرتين من ناحية أخرى فإن المسرح لن يوجد عند بروك إلا عندما يلتقي عالمان، عالم الممثلين وعالم المتفرجين ويكونان معاً مجتمعاً مصغراً يأتيانه معاً في كل مساء.

خلاصة القول أنه يمكن دراسة ملامح التجريب في أعمال بيتر بروك على ثلا مستويات رئيسية:

أ ـ التجريب على مستوى استخلاص الجوهر في التجربة المسرحية عبر تخليصها من المبالغات والاضافات والزوائد التي تثقلها.

ب ـ التجريب على مستوى إيجاد لغة توصيل فنية عالمية بديلاً للكلمات والحوارات المسرحية المعتادة.

ج ـ التجريب على مستوى تطوير العرض المسرحي من خلال اختبار الشروط “الأداء” الذي يشمل الجوهر ولغة التوصيل الفنية.

كما أنه يمكن إيجاز الكيفية التي وظف فيها بروك العناصر الأسطورية في تحقيق تلك المستويات الثلاث في عرضه المسرحي “المهابهاراتا” مستفيداً من العديد من المدارس المسرحية الحديثة ونظريات العلوم ذات الصلة كالمثولوجي والأنثروبولوجي والسيكولوجي وغيرها.

الأسطورة

فعلى مستوى الجوهر فإن منشأ الأسطورة بطبيعتها برغم ما تبديه تطوراتها اللاحقة من استفاضة في الأحداث وتداخل في الواقع وكثرة في الشخصيات تستبطن سؤالاً جوهرياً حيوياً “أزلياً” مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهواجس الانسان ورغباته وقلقه ومصيره المهابهاراتا الأسطورة بهذا الفهم قدمت الجوهر لبروك ومجموعته المسرحية على مستوى الفكرة والرسالة الانسانية كما قدمت له الجوهر على مستوى التواصل “الانساني/ الانساني” العالمي كا سنأتي على ذكره لاحقاً فالجوهر الذي قدمته الأسطورة على مستوى الفكرة والرسالة الانسانية كان في تعبير الـ”دهارما” الذي عرفه بروك بأنه “القوة الأساسية الدافعة للحركة” مبدئياً ثم يفصل أكثر فيضيف: “إن كل ما يتفق معها، أي القوة، يعظم من تأثيرها وكل ما لا يتفق معها فهو ليس شراء بالتعبير المسيحي، ولكنه سلب”. القوة ماضية في حركتها الدؤوبة التي هي في واقع الأمر حركة الحياة على وجه الأرض ومبعث القوة ومفجرها ومؤججها هنا هي مطامع النفس البشرية، التنافس والصراع الانساني/ الانساني القائم والمستمر والأزلي والذي يبدو أنه قدر البشرية المحتوم الذي لا بد منه والوقود الذي لا بد أن يشتعل كي تتواصل الحياة على وجه الأرض على أن يأتي الوئام والصفاء والطمأنينة بين البشر في العالم الآخر أو الجنة، فدمار الكون هو ثمن تحرير الروح، فعلى مستوى الجوهر كفكرة كانت نبوءة أو حدساً أو قلقاً بشرياً متوارثاً عن كوارث عظمى من صنع الانسان وسنحبق بالانسان بعضها قد حصل بالفعل فيما بعد العرض وبعضها آت أو متوقع هذا الحدس أو القلق هو جوهر من طبيعة البشرية استبطنته الأسطورة وأفرده العرض كرسالة انسانية لا تخلوا من تأثيرات فرويديه/ يونجيه عن حالة الوعي واللاوعي كانعكاس للضمير الفردي والجمعي وتماس العرض في ذلك السياق مع منهجيات “مسرح القسوة” في تفسير طبيعة النفس الانسانية الميالة للعنف والاقصاء وضرورة إبراز ذلك فنياً ليرى الانسان نفسه عارياً على خشبة بكل عيوبه فتحقق لديه الصدمة.

أما على مستوى إيجاد لغة توصيل فنية مشتركة بديلة للكلمات والحوارات في المسرح التقليدي فلبروك تجارب معروفة في هذا الاطار يبدو انها استكملت ملامحها مع ما محته الأسطورة من عناصر وخواص لا سيما “المهابهاراتا” ففي مسرحية “أورجاست” التي استقاها الشاعر الانكليزي “تيد هيوز” عن الرؤى الزرادشتية القديمة اعتمد العرض أربع لغات ثلاث منها ميتة منها أفيستا الطقوسية القديمة ولغة رابعة كانت اختراع شخصي للشاعر وأريد لهذه اللغات غير المفهومة أن تكونت لغة مشتركة للجميع باعتبار أن الجميع الى حد ما في موقف متساو أمام دلالاتها اللفظية وقد استعان بروك بعد ذلك بالمسرح الأميركي للصم والبكم بغية تطوير وسائل توصيل وتواصل مبتكرة عوضاً عن اللغة المنطوقة العادية كما لجأ الى استخدام الصورة والأصوات والكلمات التي لا معنى لها وطقوس الحياة اليومية وأحداثها لتكون مادة مسرحية “الألا” المعتمدة على كتاب “أناس الجبل” للانثروبولوجي “تيرنبول”، في “المهابهاراتا” يبدو أن بروك وصل الى مرحلة من الرضا أو الاستقرار، مرحلياً على الأقل فيما يخص تبني لغة توصيل فنية مشتركة، إنها التقنيات المشتركة في كل فنون الشعوب عن السواء كما عبر عنها وقد رآها في العروض التقليدية للمهابهاراتا أو أجزاء منها أثناء زيارته للهند، وهذه اللغة تقود الى جوهر آخر المسرح على مستوى الفعل ولاداء لطالما جد بروك في البحث عنه. وهو هنا يفعل من الأسطورة طقوسها وفق النظريات الحديثة للعديد من الميثولوجين لا سيما سير جيمس فريزر الذي دعا الى البحث عن ثنائية العلاقة بين الأسطورة والطقس “التقنيات” وعن أمثلة نماذجية مستمدة من الأساطير القديمة تتكرر في ثقافة العالم الأخرى مخترقة الزمان والمكان.

أما على المستوى الثالث للتجريب عند بروك وهو مستوى يرتبط أساساً بالمستويين الأول والثاني إذ يخضع البحث عن الجوهر ولغة التوصيل الفنية المشتركة للاختبار الأدائي في التدريبات مع فريق عمله المتنوع ثقافياً (شرقاً وغرباً) مستنهضاً فيهم ما يحملون كأفراد من خبرات معرفية وفنية ليشمل العادات والتقاليد والبيئة وثقافة المجتمع بشكل عام وهذا ما حاول “بروك” أن يحققه من خلال “المهابهاراتا” كأسطورة وثقافة من خلال زياراته المتعددة وفرقته الى الهند الوطن الذي نشأت فيه الأسطورة من إطارها المحتفى به “المتحفى”، إذا جاز لنا التعبير أو من خضوعها لتفسير ديني أوحد شديد الالتصاق بالمحلية الى تفسير انساني أعم وأرحب أفقاً قابلاً لتعدد الرؤى والأطروحات متنوعاً في أساليب التعبير عنه والتوصيل الى الآخر والتواصل الايجابي معه، ذلك التواصل الذي يحاول أن يستوعب ويضيف من خبرته وتجربته ما يكمل به الرؤية في العرض المسرحي، وهنا يتم التعامل مع العنصر الأسطوري كمادة براجماتية عملة كما عبر عنها مالينويسكي الذي اعتبر الأسطورة نوعاً من التفكير العملي لتثبيت نظام أو قانون أو قيمة اجتماعية أو لتعديل أو تطوير قيمة قائمة وهي بذلك تنتمي الى العالم الواقعي وتهدف الى نهاية عملية وبروك هنا يتماهى مع مدرسة “جروتوفسكي” في مواجهة الأسطورة، لا التوحد معها، لاستخلاص خبرة مشتركة تتعلق بالحقيقة الانسانية بشكل عام.

———————————————————————————

المصدر : مجلة الفنون المسرحية –  عبدالكريم بن علي بن جواد – المستقبل

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.