أخبار عاجلة

ملاحظات على هامش ما يشبه مقالة

ما كتبته سعداء الدعاس حول مسرحية (التلفة) هو بمثابة ديباجة أو تلخيص لنقاش دار خلال الندوة التطبيقية حول عرض (التلفة) لفرقة مسرح الاكواريوم من المغرب، في إطار الدورة الثامنة من مهرجان المسرح العربي. إننا لا يمكن ان نعتبر ما كتبته الأستاذة سعداء ورقة نقدية ولا حتى مقالة. فما خطته الكاتبة هو بمثابة “ملاحظات” تفتقد إلى كثير من التريث والعمق والدقة. ملاحظات متراصة، حاولت مُسطّرتها أن تجد لها بعض عناوين قريبة من “الأدب” بعيدة عن اللغة النقدية المسرحية المبنية أساسا على التقنيات (أفق التوقع – الواقع الموازي – عاش الشعب.. والشرح اللاحق…).
إذا افترضنا أن الورقة قد تناولت بالدراسة العملية مسألة الإخراج في عرض “التلفة” ، فإنه لابد من التذكير أن فن الإخراج في حد ذاته مدارس واتجاهات يصعب الحديث عنها والتفصيل فيها دون تحديد مرجعية معينة. وهنا لا أعي جيدا أي اتجاه – إن وجد – تتحدث من خلاله (الدعاس) في تناولها لعملية الإخراج. إذ حين تتحدث عن “الإفراط في اللغة/ الحكي، فإنها تنفي بالضرورة نظرية ” جورج بيلفو” الذي يحث المخرج على التخلي والتضحية بكل الجوانب المتعلقة بالعرض المسرحي من إدارة الممثل، الاشتغال على الذاكرة، السيكولوجيا، السينوغرافيا وجمالياتها…الخ والتقيد بالنص وحده لإعطاء الكلمة حقها.. إذ لا شيء بالنسبة له يعلو على النص – وتعارض الكاتبة مع هذه النظرية في المسرح مثلا من حقها، لكن في اختيارها الجمالي من خلال ما كتبت هناك نقص شديد في البرهنة والحجج.
و إذا كانت تعاتبنا الدعاس على ذلك من خلال ما اسمته ب (حواريات طويلة)، فإنها لربما من أنصار ” مايرخولد” وغيره ممن يقولون بضرورة إعطاء الحرية التامة للمخرج في اشتغاله على نص معين، حتى يصبح النص عرضا فيه كل أو بعض من الجمالية الغير “نصية” لخدمة ايديولوجية معينة، حتى ولو كانت سياسية.
وإذا كانت تتحدث عن الإخراج كعملية يشترك فيها المتلقي ويتوقع وضعيات أسئلة وأجوبة فإن “أرطو” حسم في الأمر حين قال ” المجموعة تفكر بإحساسها”. و الإحساس هنا عند المتلقي يختلف باختلاف وضعيته، مرجعيته، إيديولوجيته ورؤيته للعالم. علما أن المتلقي الذي يزورنا بنظرة قبلية عن العرض، لا يتوفر بالضرورة على (تراكم فكري، فني وجمالي) كما ورد فيما كتبته (الدعاس) وإذا ما توفر عند بعضه فهو ليس متطابق ومنسجم وموحد فالجمهور جماهير مختلفة التراكم الفكري، الفني والجمالي.
ما نستخلصه مما سطرته الدعاس هو مفهومها الخاص والذي ربطته بما كان يتعين علينا فعله، ماذا كان على(الدعاس) أن تراه منجزا من طرفنا، ما كان علينا أن نوفره ل (الدعاس) ولربما تطلب هذا المتوقع الذي قد لا تجده في عرض آخر أو عروض عديدة أخرى وهذا في اعتقادي ضرب من العبث الغير المصَنّف والمنصِف في الإبداع. لأننا ببساطة لا ننجز أعمالا يتوقعها احد من الجمهور.

بعيدا عن كل ذلك، إذا سايرنا منطق التوقع هذا، فإن كل ما ورد من إيجابيات في ورقة (الدعاس) فاق توقعاتها في عرض “التلفة” من قبيل الانزياح عن البكائية في التعاطي مع تيمة المرأة. تقول الدعاس : “لم تنحُ المخرجة باتجاه الميلودرامية المشحونة بالبكائية في عرضها للشخصيات، خاصة عند تناول الماضي بما فيه من معاناة (…) مستعيضة عن ذلك بعالم موازٍ تم من خلاله محاكاة كل ما يرغب به السجين ويشتاق إليه ضمن الواقع الخارجي، دون التباكي عليه. وهو ما أخرج العرض من عباءة العويل والنحيب”.. وهذا المنحى الاستاذة سعداء لم ينقذ العرض من الوقوع في البكائية من باب الصدفة بل هو اختيار جمالي تم الاشتغال عليه مثلما عملنا على ابعاد الشخصيات عن الكليشهات المتداولة التي تنمط، على مستوى الاداء والتشخيص، ذلك النوع من الشخصيات.

عن المرئي أو ما شابه…

لابد أن أذكر هنا أن معظم العروض المسرحية العربية في السنوات الأخيرة، اعتمدت على كثير من الحشو، الذي يفرغ العرض من محتواه الحقيقي في كثير من الأحيان، من قبيل ” مقاطع الفيديو، مشاهد سينمائية تاريخية، بلاي باك، فلاش باك… ” وغيرها من تقنيات أخرى التي توظف في الغالب بشكل مجاني وبغرض الزخرفة الخارجية لا غير، و التي يعتقدها البعض أنها المسرح ذاته، كما قد يبدو، ربما، للسيدة الدعاس. في حين أن لنا الحق أن نعتبر العرض المسرحي هو الممثل أولا و أخيرا، و ما الأدوات الأخرى إلا إضافات نعتبرها على الهامش قد لا نحتاجها دائما، وحين تسلطن الممثل، ظهر ما يسمى بالفضاء الشاغر.
هذا الاتجاه في توظيف ما ذكرناه من تقنيات اعتمدناه أيضا في بعض أعمالنا الإخراجية سنوات الثمانينات والتسعينات، لذلك فهو بالنسبة لنا شيئا عاديا إن لم يكن متجاوزا.
“المرئي” كما أفهمه لا علاقة له بالصورة، ولا بالتلفزيون، لكل مجاله وتقنياته. وفيما يتعلق بالجسد وعلاقته بالمرئي، إن فهمت جيدا معنى الملاحظة، فإن العرض منذ الوهلة الأولى، لا يعتمد غير جسد الممثلات في فضاءاتهن المتعددة. بدءا من البرولوج الذي نتعرف فيه على الشخصيات من خلال كلمة واحدة، اعتبرناها مفتاح العرض، و حركة واحدة اعتبرناها إحالة على الشخصية وعلاقتها بأشيائها : ( حكمة: الكلمة =الموت / الحركة ستريبتيزم ) ( سعيدة: الكلمة = ميلانو /الحركة تنظر نحو النافذة ) ( هدى: الكلمة = هداي / الحركة جمود) ( فضيلة : الكلمة = الحاج/ الحركة نضرة إلى الفراغ) .. مرورا بالورشة التي اعتبرتها (الدعاس) بداية مغايرة لعمل غير مغاير.
عندما يكون الاشتغال على مثل هذه النصوص التي تستند إلى شهادات حية استقيناها من سجون فعلية حقيقية، من قبل نساء التقينا بهن، لا يتمثل الهدف في تحقيق عمل مغاير” لأنه في كثير من الأحيان البحث عن شيء مغاير قد يجعلنا في حالة شرود أو نشار.
في عملنا الإبداعي هذا حاولنا الاشتغال على وحدة درامية بينة، وعلى فضاءات حقيقية، متحدث عنها، أو محال عنها، عن سيكولوجيات مختلفة داخل فضاء واحد مغلق تحكمه قوانين صارمة.
الحمام هو الفضاء الوحيد الذي يطفو فيه الجسد بكل تقاسيمه المتنوعة وبذلك نقول من خلاله لا لمفهوم ” المرأة الموديل/ النموذج”: الجسد الرشيق الذي يخضع لمنطق الإشارات، ونحيل من خلال المشهد على أشياء أخرى، في غالبها تميل نحو حميمية الحياة العاطفية، للنساء الثلاث بين البوح اللفظي والتحركات من داخل و خارج الزجاج الشفاف، هناك نوع من المسافة ، نوع من التستر على أشياء محظورة.
الشخصية التي كانت في الورشة بلباسها الخشن الداكن اللون الذي يخفي تقاسيم الجسد هي نفسها التي نراها في الحمام بلباس ناصع البياض يتناقض وليلهن الحالك، ومعيشتهن القاسية.
وصولا إلى المشهد الثالث والأخير، الليل.. الذي يمثل النهار في الأيام العادية للشخصيات، إنه وقت العمل، وقت البحث عن لقمة العيش، وقت السهر، وقت الحب المزيف، في هذا الحيز الزمني يعين جيدا أنهن في السجن ، لان الليل بالنسبة لعاملة الجنس هو العالم الحقيقي، وما تبقى هو هروب نحو ليل أخر، لذلك اخترنا أن نغلق الفضاء نهائيا ، ذاك هو التضاد بين الحياة و السجن ، بين ما تود الشخصيات فعله ما يفعلنه حقيقيا
السجن عقوبة عن جرم ، لكن هذا الجرم نفسه يمارس في المؤسسة المخول لها العقاب.
لذلك توقعاتنا ربما تفوق توقعات المشاهد أحيانا: – نتوقع عقوبات بديلة – نتوقع تقليص الاعتقال الاحتياطي – نتوقع الفصل بين معتقلات الرأي (اللواتي قلن عاش الشعب) ومعتقلات الحق العام – نتوقع قانونا يحمي عاملات الجنس.
ويظل فصل الديكور عن السينوغرافيا الذي تم سنة 1970 مزعجا للبعض، لأنه حول السينوغراف إلى الفنان الذي يربط الخشبة بعناصرها، ثم الخشبة بالفضاء الدرامي، ثم الخشبة بالصالة أو الجمهور، في المتن الأخير قد ينفتح عليه، قد يحابيه، ثم قد يزعجه.. هذا ما حصل … و جميل أن ننزعج.

نعيمة زيطان / مخرجة مغربية

عن عبد الجبار خمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.