مقالات: ملاحظات على هامش ما يشبه الـ (وصاية) !؟ المغرب

                      (وصاية المخرج … وتلقين الناقد !؟) 

 

بعد نشر، مجلة الفرجة، صبيحة اليوم 24 فبراير 2016 لرد المخرجة المغربية (نعيمة زيطان) الذي حمل عنوان: “ملاحظات على هامش ما يشبه مقالة حول ما جاء في المقالة النقدية للدكتورة (سعداء الداعس) المؤرخة يوم 13 فبراير 2016 حول العرض المغربي “التلفة” الذي شارك ضمن المنافسة الرسمية للدورة الثامنة لمهرجان المسرح العربي بالكويت، والتي عنونتها الناقدة المذكورة أعلاه ب:(التلفة) … مشاهد تلفزيونية وإيقاع مترهل !/ “. ـ تلقينا قبل قليل برد من الناقدة(د. سعداء) يحمل عنوان: “ملاحظات على هامش ما يشبه الـ (وصاية) !؟..(وصاية المخرج … وتلقين الناقد !؟)”. وحرصا منا على فتح باب لمناقشة هادفة مستفيضة تتسم بالشفافية، ننشر رد الناقدة (د. سعداء الداعس) أيضا كاملا. 

**************

حين لا يستوعب مخرج العمل الفني أن للناقد حرية الرأي والتأويل،  تلك كارثة، أما حين يعتقد أن باستطاعته أن يحدد للناقد ما يراه، بل ويصل به الأمر لأن يكتب عنه قراءته النقدية، فتلك طامة كبرى !

هذا أول ما خطر في ذهني حين قرأت رد السيدة نعيمة زيطان على قراءتي النقدية لعرضها (التلفة) الذي قدم في مهرجان المسرح العربي، وأصاب الكثير من الجمهور بالملل، كما اتضح ذلك في رد فعل الجمهور الذي بدأ ينسل من القاعة في منتصف العرض، وكما تأكد  في الندوة التطبيقية التي حملت العديد من الآراء السلبية عن العرض.

ما أعرفه ( بديهيًا) ودون الاستعانة بأسماء مسرحية عظيمة لأدعم ما أعرف، أن الفنان يقدم عمله الفني، ويترك عملية التأويل للمتلقي/ الناقد. لا أن يفرض وجهة نظره، أو يشرحها، كما فعلت زيطان في الندوة التطبيقية للعرض، حين أخذتنا في رحلة طويلة جدا تطرقت من خلالها لحيثيات العمل، وظروفه، وشرح تفاصيل عجز العرض عن إيصالها  للجمهور – كما استشفت زيطان من الآراء في الندوة- وربما هذا ما جعل مساعد المخرج يقوم بتوضيح ذلك من خلال تلخيصه للعرض، بدءا بالفكرة، ثم إشارته لتفاصيل الفصل الأولى والثاني ..إلخ!؟

ويبدو أن زيطان، توقعت أنني بعد الندوة الطبيقية سأقوم بتغيير وجهة نظري عن العرض، أو أحوّل قراءتي النقدية لتغطية صحفية ترصد وجهة نظر صناع العمل !؟ لكنها فوجئت بأني – مثل بقية الزملاء الذين شاركوا في التعقيب على العروض الأخرى – نشرت تعقيبي كما جاء في الندوة، الأمر الذي دعاها للاستمرار في دائرة ( فسر الماء بالماء). فجاء ردها قامعًا لوجهة النظر الأخرى، وهي التي تطالب في مسرحيتها بالاستماع للآخر، جاء ردها مزدحمًا بالشرح والتفسير لتفاصيل عرض مسرحي يفترض أنه قدم وجهة نظره على الخشبة، لا خارجها !؟

للمرة الأولى أقرأ أن مخرجًا مسرحيًا يرد على رأي (فني) قيل في عمله، ربما هناك من يرد على الاتهامات الأخلاقية، أو السياسية، أما أن يأتي الرد (المشحون) لمجرد أن للمتلقي/الناقد تأويله، ورؤيته الخاصة، ولم ير العرض بعين المخرج، فهذا أمر آخر !

من يقرأ رد زيطان يدرك مدى السطوة التي تريد فرضها على الناقد تحديدًا عبر وضعه ضمن مسار معين يحجب الرؤية خارج إطارها كمخرجة، إن نظر من خلال هذا المسار فهو ناقد عظيم، وإن حاد عنه، فما يكتبه مجرد من أساسيات النقد !؟ وهذا ما اتضح في تعليقها على ما ذكرته في القراءة النقدية حول (عدم خضوع العرض للبكائية)، يبدو أن زيطان أعجبت بالملاحظة كونها جاءت في صالح العرض، فقامت بالتوقف عندها وتكرارها مرة أخرى في مقالها!؟

نظرية (تلقين الناقد) لم تظهر بعد، وأتمنى ألا تظهر مستقبلا وتكون زيطان هي مؤسستها، فالحدود والمعطيات التي ينطلق منها المخرج/ الفنان/ المبدع، تخضع لظروفه، ورؤاه الخاصة، الأمر الذي لا يتسق بالضرورة مع معطيات الناقد، ضمن ما يسمى بآليات الإرسال والإستقبال. أما حين ترغب  زيطان بأن تسلب المتلقي حقه في أن يتوقع فتلك حكاية أخرى، يطول شرحها، مع التأكيد على أن (أفق التوقع) هنا لا يعني أن يقدم المبدع ما يرغب به المتلقي  بلا شك ، فإن قبلت زيطان (الفنانة) أن تفرض وصايتها على المتلقي / الناقد، لا يمكنني في المقابل أن أفرض وصاية المتلقي/الناقد عليها أو على العمل الفني !؟ فأفق التوقع خاص بالتلقي ولا يفرض وصاية على العملية الإبداعية !؟

أما رأي زيطان بخصوص (التلفزيون) فأعتقد أن هناك لبسًا في قراءتها للملاحظة. فما ذكرته في الورقة النقدية، وفي الندوة أيضا، أن العرض بات بحواراته الطويلة، وإيقاعه المترهل يشبه المشاهد التلفزيونية التي ظلت طريقها للمسرح، ولا يعني ذلك أنني أطالب بالاستعانة بالشاشة كما فهمت المخرجة أثناء الندوة وعند قراءتها للورقة أيضا! لأنني قرأت العرض ضمن مكوناته، لا ضمن مكونات أسبغها عليه! اللبس ذاته تكرر في استيعابها لمفهوم لغة الجسد التي كانت مفقودة في العرض، حيث اعتقدت المخرجة أن وجود الممثل على الخشبة بحد ذاته لغة جسد،  حتى وإن كبل هذا الجسد بحركة محدودة وأداء صوتي ثابت، مع تعاطفي الشديد مع الممثلات اللاتي عرفن بقدراتهن التمثيلية المميزة، لكنهن في هذا العرض – وبناء على تعليمات المخرجة – وقعن رهن الأداء الواقعي الرتيب ، والذي لم يقدمهن بالشكل الذي يتمناه أي ممثل في مهرجان مهم !

أخيرًا ، تبقى أهمية الملاحظات/المقال/القراءة النقدية، في مدى وصولها للقارئ – اتفق أم اختلف معها – وتبقى كواليس العرض، وزيارات فريق العمل للسجون لا علاقة لها بما يقدم في العرض المسرحي الذي يراه المتلقي لا ذلك الذي يلقنه له المخرج ! فالنقد المسرحي الذي قرأناه لدى آن أوبرسفيلد وندرسه لطلبتنا في المعهد – لا ذلك الذي تعرفه زيطان – هو الذي يتناول بالقراءة والتحليل للمعطيات المرئية ، المسموعة والأدائية ، لا تلك التي يعتقد المخرج أو يتمنى أن يقدمها لنا !؟

 

* د. سعداء الدعاس/ أستاذ النقد في المعهد العالي للفنون المسرحية  

عن بشرى عمور

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.