مسرحية {سينما} .. سؤال الخلاص المتشظي/عبدالامير المجر

المصدر/الصباح/ نشر محمد سامي موقع الخشبة

ستعار المخرج كاظم النصار، مفردة (سينما) عنوانا لمسرحيته الجديدة التي عرضت على خشبة المسرح الوطني الاسبوع الماضي ليستعرض من خلالها شجون وشؤون عراق مابعد 2003 عائدا الى الوراء قليلا ومطلا على المستقبل برؤية اخراجية، اتكأت على حمولة مفردة (سينما) مستثمرا  دلالتها الشعبية بين بسطاء الناس، لاسيما في العقود الماضية حين يقولون (صرنا سينما!) للدلالة على حالة مزرية يتداخل فيها المضحك والمبكي في آن.
لاشك ان واقع العراق اليوم، الحافل بالتناقضات، جعل الحياة عبارة عن لوحة سوريالية، والمسرح العراقي، نقصد الجاد منه او غير الاستهلاكي، ظل هو الاقرب الى ملامسة هموم الواقع والتعبير عنه. ولعل المخرج النصار كان دقيقا في وصفه شخصيات مسرحيته هذه، حين قال؛ ((  شخصيات لكل منها قصتها وحكايتها مع هذه التراجيديا العاصفة، وان بدت في احيان كثيرة كوميديا سوداء، لكنها ليست سوى قناع لتخفيف رعب الواقع .. انها حكاية شخصيات تحاول ان تنهض من رماد الحروب، لكن الصراع المستمر عطّل من مسيرتها ومازال).
بدات المسرحية بعاصفة من الرعب، اختلطت فيها اصوات الانفجارات مع اصوات استغاثة وفوضى، حاصرت مقبرة، (ستكون هي ميدان العمل المسرحي طيلة العرض)، ووسطها خمسة اشخاص، يمثلون خليطا من المجتمع العراقي، ثلاثة منهم قضوا في احداث العنف التي اعقبت الاحتلال، احدهم شاعر (علاوي حسين) وصحفية (ازهار العسلي) وخريج كلية لم يجد عملا  باختصاصه فيعمل سائق تاكسي (زيدون داخل)  فيما الرابع (اياد الطائي) جنرال قضى في الحرب العراقية الايرانية. سبقهم اليها منذ الثمانينيات، في اشارة الى استمرارية الموت في الحروب ومن ثم العنف، منذ ذلك التاريخ .. اطمئنانهم في مقبرتهم التي اخذت تتسع من حولهم لن يدوم، بفعل مجانية الموت بعد العام 2003  وكثرة الموتى الذين صاروا  يزاحمونهم على المكان، فيخرجون من قبورهم بطريقة فنية رائعة، اذ تسقط صورهم من الاعلى وهي موشحة بالسواد لتحط امام كل واحد منهم، حيث يقف عند قبره، في المقبرة التي يقف عليها حارس عجوز، الفنان (باسل الشبيب)، وهذا سيكون بمثابة الشاهد على ماجرى ويجري، لندخل احداث المسرحية التي تكون فيها المقبرة كناية عن واقع اثقلته الاحداث بالمآسي المتسلسلة،  والتي يكون فيها الاحتلال، او الزلزال، كما يصفه حارس المقبرة، مدخلا لحوار مفتوح في ما بينهم، او بينهم وبين الحارس الذي يشير بحمولة طروحاته واقواله الى تداخل الازمنة، فيستعرضون جميعا حيواتهم او حيوات مجتمع وجد نفسه وسط  عاصفة من رعب، فرضتها عليهم ارادات متداخلة.
لقد بذل الممثلون جهدا كبيرا، وكانوا بحق ابطالا في ادائهم الرائع والمعبّر، بعد ان حولهم المخرج الى عيون راصدة لواقع رجراج، افقدهم حلمهم في الحياة، وافقد الحياة معناها، بعد ان وجد الناس انفسهم امام طوفان الارهاب، الذي اخذ يسرق الحياة باشكال مختلفة، سواء بواسطة انتحاريين او اغتيالات او غيرها من وسائل الموت المتعددة.
المسرحية، كانت مشبعة بالشعرية، ليس على مستوى اللغة واللعب بالالفاظ، بل بالاشارات الغنية الدالة والناقدة، بالتلميح الذكي والسريع، وان هبطت للمباشرة المصحوبة بالانفعال احيانا، وربما كانت بحاجة اليه لتشبع موضوعاتها.
وقد عمد المخرج الى نقد الذات الجمعية، من خلال اشارته اكثر من مرة
الى استغراق ابطاله بالجدل العقيم، والذي ياتي على لسان الابطال بصيغة خلافات بينهم على امور
تافهة، تستهلك وقتهم وجهدهم، وتبعدهم عن همومهم الحقيقية، وانعكاس ذلك على ادائهم في اختيارهم من يمثلهم من الساسة، ومن ثم
انتقاد الواقع السياسي المرتبك من خلالهم.
شاعر وصحفية وخريج .. احلام قبرها الارهاب، وجنرال هو الاخر  يموت حلمه مبكرا قبلهم، بعد ان سبقهم في حرب الثمانينيات، يخرجون ليحاوروا حارس المقبرة، او يدخلون معه في جدال طويل عما آل اليه حالهم، فيما هو ظل طيلة المسرحية، يؤكد لهم فقدانه الارادة، وان مايحصل من استفزاز لاطمئنانهم في قبورهم هو من مسؤولية صاحب المقبرة او مالكها! وان الزحام الذي ضيّق عليهم مكانهم بسبب كثرة القبور، ليس من مسؤوليته. ومن هذه التلميحات التي تشير الى واقع مأزوم، بفعل صراعات متداخلة غيّبت الاستقرار وتسببت في الضياع،  يدخلنا المخرج الى لب اللعبة التي يروم من خلالها ايصال مقولته المتشظية.
اذ لم يتردد النصار من انتقاد البعض ممن انحنوا لعاصفة الارهاب، ايام الفرز الطائفي، وليشير ايضا الى التصدع المجتمعي وانعكاسه على واقعهم الديموغرافي، كون هذا يدخل في صميم رغبة صاحب او مالك المقبرة، الذي يهدف الى تقسيم بلادهم، ولعل هذا النقد، بالرغم مما فيه من قسوة، لكنه يشير الى وقائع حيّة او ينبه عليها، لان الهدف النهائي هو تقسيم البلاد، بعد ان يجعل اهلها متنازعين على هويات مناطقهم، فياتيهم حارس المقبرة بخارطة جديدة، على خلفية تنازعهم هذا، والذي ياخذ في المسرحية بعدا رمزيا، من خلال انحياز كل واحد منهم الى ثقافته الخاصة، ومحاولته تكريسها على حساب الاخرين، لتفقد الحياة تنوعها وثرائها بفقدانها اهم الميزات الانسانية، المتمثلة بالتنوع الديني واللغوي وغيرهما.
السينوغرافيا والديكور لم يكونا بمستوى العمل، حيث بديا جامدين، باستثناء الانارة التي وظفت بشكل ممتاز، وفي العموم، يمكن القول ان مسرحية (سينما) حمّلت الجميع مسؤولية ماحصل ويحصل مثلما اكدت، ان الامل يصبح حقيقة حين تصبح الارادة فعلا جماعيا يعمل عليه الجميع ايضا.

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.