مدينة النانو وانبثاق قوانين الجمالية التكنلوجيةمقالات نقدية لطلبة الدراسات العلياأشراف: د. عماد هادي الخفاجي

 

 

مدينة النانو وانبثاق قوانين الجمالية التكنلوجية

مقالات نقدية لطلبة الدراسات العليا

أشراف: د. عماد هادي الخفاجي

شكلت التقنية الرقمية بحتمية البرمجة العصبية للمدرك الحسي، ومتتاليات التشكل المفاهيمي للفعالية الذهنية، مدخلاً ومتغيراً جذرياً للمبنى الفكري، والمنظور الحضاري للعالم. فضمت تسعينيات القرن العشرين تغيرات جذرية بسبب التقنية الرقمية وتقنياتها الإفتراضية نالت المنجز الإنساني في الفلسفة والأدب والفن والسياسة والاقتصاد وقوانين الحراك للمجتمع، إذ مثلت التقنية الرقمية منعطفاً تأريخياً نحو التأسيس لنماذج فكرية وطروحات فلسفية مغايرة، وبما تضمنته من تحولاتٍ نوعية تسهم في تغيير صورة الإنسان المعاصر عن نفسه، ومن ثم صناعة نوع من الوعي المغاير للوعي البشري التقليدي، فكانت التقنية الرقمية واحدة من أقوى الأدوات المعاصرة، والوسيط بين الإنسان المعاصر وواقعه، وليست شيئاً محايداً ولا مجرد تطبيق عملي لممارسة نظرية في العلم، بل أنـَّها قاعدة لمنطق فلسفي يؤسس لإيديولوجيا بخطابات تكرّس منطق السيطرة وتكشف عصر التقدم التقني، ولتغدو التقنية شكلاً من أشكال الحقيقة، وكيفية من كيفيات الوجود الإنساني وهذا ما وجدته في النص المسرحي الرقمي (مدينة النانو) المعد لهذا الغرض التقني من قبل الكاتبة الجزائرية (كنزة مباركي) والحائزة بواسطته على جائزة التأليف المسرحي الموجه للطفل في مهرجان الهيئة العربية للمسرح الدروة الحادية عشر، لذلك فوفقا للمنطلقات الرقمية الحديثة المتضمنة في النص تم مناقشتة مع مجموعة من الطلبة للدراسات العليا جامعة بغداد/كلية الفنون الجميلة باعتباره اضافة جديدة دخلت على عملية إنتاج العرض المسرحي وذلك بوصفه جنساً إبداعياً رقميا تمثل بكل معطيات الحوسبة الإلكترونية وقدراتها الجديدة التي زادت من قابليات التنوع والإكتشاف والتجديد بلغة العرض المسرحي، وبالنتيجة أعطى الطلبة للنص وللمخرج الذي سيتناول هذا النص للعرض لاحقا على الخشبة، دفقاً جمالياً مغايراً عما سبق من طروحات جمالية من خلال عدد من المقالات النقدية للنص المسرحي.

تقنية الإضاءة الرقمية وفعل الإيحاء النصّي

مسرحية (مدينة النانو) إنموذجاً

بقلم:زيد طالب فالح

 

إن فعل الإبداع في النص المسرحي ينطلق من خيال المؤلف وإمكانيات توظيف هذا الخيال بطريقة ايجابية تعطي للقاريء المتداخل بوعيه النقدي والتفسيري المميز للأشياء الموظّفة بطريقة سليمة في المنجز الإبداعي، وخصوصا إذا كان هذا المنجز الإبداعي يرتبط بتقنية أصبحت هي الشغل الشاغل في هذا العصر الذي يُعد من الفترات الذهبية التي لهذا النوع من المنجزات الإنسانية ذات البُعد الفكري الذي أضحى دلالة على تطور وتفوق العقل في نظرته نحو تغيّر الحياة بكل جوانبها، فالتقنية الرقمية ألهمت الإنسان بضرورة البحث عن كل ما هو جديد .

إن هذه الموضوعة الشيّقة بكونها تحمل من الدلالات المهمة التي جعلت كافة العلوم النظرية والعملية توظّفها في عملها من حيث كونها أداة مساعدة وضرورية في أي مُنجز إبداعي وخاصة بالعلوم التي توظف الجمال بعملها على المستوى الحسّي كجمال ينتج ويدوّن على شكل خطابات صورية، أو على المستوى الفكري والذهني الذي يُعطى لهذه الصور الحسيّة بُعدها التفسيري والتأويلي لبناء منظومة فكرية جمالية توازي المنظومة الحسّية في المنجز الإبداعي .

بالإضافة الى ذلك فإن هذا المنجز الصوري ذات البُعد الرؤيوي التطبيقي لتقنية مهمة مثل (النانو) الذي إكتسح العقول، قد أصبح من علامات التفكير في هذا الزمن، بل كاد أن يُطلق على هذه السنوات ذات العقود الإبتكارية بزمن النانو، وهنا يأتي دور المبدع والمفكر في توظيف هذه التقنية بعد أن فهمها وفهم مفرداتها بالشكل اللائق الذي ينعكس في سلوكيات المعرفة وأساسياتها في البنى العقلية الفكرية لدى هذا المبدع، مما يحولها الى إيحاء في منجزه المعرفي حتى يصبح بفعل صيرورة الإنتاج الفني الى دلالة عميقة في سيرة الإبداع الإنساني .

نحن كقرّاء للفن والجمال وخصوصاً في مجال الفن عامة والمسرح خاصة نكون أمام تجربة نصّية فيها فعل إيحائي دلالي لتوظيف هذه التقنية الرقمية في منجز كتابي يقدم على مائدة مسرحية ثرية لها دعائمها وبواباتها لأي مُخرج أو مُصمم من الممكن أن يستلهم من النص المسرحي إسلوبه وخصوصاً في بُعده التقني.

إن نص مسرحية (مدينة النانو) وهو نص مسرحي من فصل واحد موجّه للأطفال واليافعين مقدّم للفئات العمرية من (14 الى 18 سنة) للمؤلفة (كنزة مباركي) وهي شاعرة وكاتبة جزائرية، تنطلق بخيالها ذات الانفتاحات والمساحات المعرفية المهمة في تلقّي علم كعلم النان وتوظيفه في نص مسرحي يمتلك من الصراع والحبكة مايجعلها واعية لتوظيف مثل هكذا علوم وتقنيات في نص ذات فعل إبداعي يتحول فيه المفاهيم العلمية وأهم رموزها المعرفية الى ايقونات في الصراع المسرحي داخل النص، فمدينة النانو تقدمها (المباركي) في ((الحلم طيف لانراه إلا حين نغمض أعيننا والخيال طائر خرافي يحلق أمامنا حين نفتحها، أما الواقع؛ فهو ماوقع خارج الحلم والخيال . وفي تلافيف هذا كله؛ تسكن الحكايات التي تشرّبته وهي اليوميات حولته موروثاً حكائياً يرمي في الزمن انفاس عمره ليطول ويشتبك مع المنتج الإنساني، الإبداعي التقني، ليصنع غداً بصور سريالية تحوّل الخيال واقعاً، وتبتعد عن النمطية الصمّاء .

لم يعد الطفل اليوم صفحة بيضاء نخط عليها مانريد، إنه كائن فائق الذكاء، يلقف الأسئلة من قلب الدهشة، يسألك لتحصيل اجابات تحترم ذائقته غير المسطّحة، إجابات هلامية في وسعها التشكّل اسئلة اخرى، تتواعد ولاتنتهي عند يقين مطلق . يمضي الى المستقبل بنزق المغامرين والمبتكرين)) [1] . ماأوسع الخيال وماألطف الإيحاء في هذه المقدمة وهي تتحدث عن عالم كوني تغيّرت فيه المفاهيم وماجاءت فيها النظريات النفسية التي قالت بأن الطفل صفحة بيضاء، بل هو كائن فائق الذكاء، بإمكانه ان يتلقف المعرفة ويتقدم بها الى الأمام بعقل مبدع، وهذا الإبداع يفرضه الواقع الجديد للمعرفة يكون للخيال عالماً سريالياً تحول بفعله المتجدد من جهة والمتجذر في الفعل الإنساني من جهة اخرى . هذا الإيحاء النصي ولّده لدى (مباركي) نصّاً مسرحياً يحاكي الاطفال بوصفهم منبع الذكاء المتجدد، فالشخصيات المسرحية في هذا النص وهم (زهرة ولمى وثائر وتراث وزيد) وهؤلاء هم شخصيات تؤشر في هوياتهم التعريفية الى مشرق ومغرب الخارطة العربية من العراق الى الجزائر مروراً بالإمارات وفلسطين ومصر، وكانت هذه الدول هي عيّنات ممثلة لمجتمع عربي أكبر، فزهرة ذات (البدلة البرّاقة الحمراء) التي يشير الى وجه من وجوه المكعب الشهير (مكعب روبيك) وهنا وهنا تشير فيه (مباركي) الى مكعب الذكاء وتقترحه الكاتبة كموروثاً علمياً (رياضياً) وإنسانياً، يؤدي الى فعل الإبتكار والتحدي للانفعالات والجهل فحركاته (أي المكعب) هي عملية بحث مستمرة عن حلول للانفعال الذي يفرضه الجهل، وألوان المكعب المتمثل باللون الأحمر الذي ترتديه (زهرة) والأزراق الذي يرتديه (ثائر) والأبيض الذي يرتديه (تراث) والأصفر الذي يرتديه (زيد) إضافة إلى شخصية سادسة تدلك على الأداة التي ترتبط هذه الشخصيات وهي (اللغة العربية) التي ترتدي اللون الأخضر لتكتمل ألوان مكعب (روبيك) وفي المقابل الطرف الآخر من الصراع يظهر (حلزون باركر) وهو رمز فلكي يمثل الحقل المغناطيسي الشمسي الذي ينتمي الى المجموعة الشمسية والذييحاول عرقلة عمل (مكعب روبيك) ليحضى بإهتمام الفتيان الخمسة ليعملوا على إستثماره في مدينة النانو وذلك من خلال توظيفه من رمزيته الكونية إلى لعبة مشهورة تحظى بإهتمام الصغار والكبار . يدخل إلى الصراع كل من (حلزون ارخميدس) و (حلزون أولر) في صالح (مكعب روبيك) بعد أن أخذ (حلزون باركر) الاهمية منه وحولها لصالحه، وبعد أن وقع كل من حلزون أولر وارخميدس تحت الخداع من قبل حلزون (باركر) ذات اللون البنفسجي وقوقعته التي يحملها على ظهره ويشيرإلى الحقل المغناطيسي الشمسي أما (حلزون أرخميدس) فيظهر بقوقعة إسطوانية وهذا الحلزون يوحي من إسمه الى عالم الرياضيات الإغريقي . وشخصية (حلزون أدلر) هو رمز رياضي يتغير فيه الإنحناء الخطي مع طول المنحنى . إن الصراع يهدف بمجمل سحرياته الى التخلص من (حلزون باركر) بعد أن خدع الجميع بما فيهم رفيقيه (حلزون ارخميسدس وحلزون أدلر) والأطفال الخمسة أيضا، الخلاص من (حلزون باركر) لأجل عودة (مكعب روبيك) الذي فقد أهميته بعد أن جذب (حلزون باركر) إهتمام الأطفال الخمسة الذين يمثلون من خلال الحركات والألوان والإضاءة الى فعل هذا المكعب في النص المسرحي .

ماهذه المدينة التييقع فيها الصراع بين المكعب والحلزونات الثلاثة والأطفال الخمسة، فهي مدينة (نانو) وهذه الكلمة ((تعني تقنية الجزئيات متناهية الصغر، التي نقيسها بأصغر وحدة قياس وهي النانومتر، والنانو تكنولوجي علم متطور جداً يدخل اليوم في جميع مجالات الحياة (الطب، البيئة، الفنون، والمعمار…) لإنتاج مواد وأجهزة جداً متطورة تساعد في تسهيل حياة الإنسان وحل المشكلات التي تعترضهُ وبيئته وصحته))[2] . هذه التقنية المتناهية الصغر هي من تشكّل واقعنا وهي من تلهم خيالنا بصناعة الجمال كون أن الجمال هو إحساس داخلي في الوعي البشري وهو ترتيب وتنظيم للواقع الخارجي للإنسان وتفعيل صيغ حياته نحو عالم أفضل، فالجملب علبم أخلاقي وعالم حسّي وعالم ذهني مترابط ينتج وحدة كلّية من هذه العوالم الثلاثة رابطهم الأساسي هو الإبداع والتفكير الذي ينتج حياة أفضل . إن الإيحاءات النصّية تقدمها لنا (مباركي) فيّاضة بفعل التقنية الرقمية ودلالات الإضاءة فيها، ففي المشهد الأول مثلا – ونحن هنا سنأخذ بعض الأمثلة من النص كون هذا المقال لايسع لسرد كل مافي النص من إيحاءات عن التقنية الرقمية وتوظيف الإضاءة فيها – ففي المشهد الأول نجد الفضاء الألكتروني والشاشات الرقمية وصور لمكعب (روبيك) في هذه الشاشات يشكّل الفضاء المسرحي، ودلالاته اللونية التييكون لفعل الإبداع اللوني أثر كبير في الصراع الدرامي من خلال صور المكعب وألوان الفتيان والفتاتان في المكان المسرحي وفي صورة اخرى لتقنية الضوء الرقمية هي مايقدّمه الضوء من ابهار لأوجه المكعب الستة مصاحبة لحركات دوران لمكعب روبيك يعطي صورة الفرح لشخصية لمى وشخصية زهرة المنبهرتان بألوانه وحركة دورانه ومايشع منه من إضاءة تفرض إيحاءات بالفرح والسعادة على الشخصيات في هذه المسرحية .

وفي المشهد الثاني الذي توظفت فيه الإضاءة كتقنية رقمية تدلل على الصراع كما تشير بذلك (مباركي) ففي هذا المشهد يسيطر اللون الأحمر على الفضاء النصي وسط فقاعات وهي ترمز الى الحلزونات التي تهدد المكعب روبيك ولونه الأحمر الذي يشير الى الخطر، فاللون ودلالته الرقمية تتساوى مع الصراع الدرامي بين المكعب والحلزونات ومن ثم تنتقل الإضاءة الرقمية بعد الأحداث والصراع في داخل الفضاء النصي الى ظهور اللون البرتقالي في مكعب روبيك من خلال حركة دورانية تعرفه الشاشات الستة أيضاً في فعل الصراع، لتنتقل الأحداث الى إحتفالية الإنتصار برقصة التنورة المصرية مع حركات دوران على تراتيل شعرية مع إنارة الفانوس الزركش المتساوق مع الزي للشخصيات وفوق هذه الحركة الدورانية وصوفيات شعرية تدلل على النقاء والصفاء يتحرك فوق الرقصة مكعب روبيك بدوران موازي لكنه في الأعلى ليعلن عن نشر ألوانه في كل فضاء المسرح في الصورة النصّية .

إن هذا النص مليء بفعل الإيحاء الذي يسهم في الصراع الدرامي، وهذا الفعل الإيحائي يستند بشكل مباشر على تقنية الإضاءة الرقمية من خلال فعلها الإبداعي الذي يحرّك الأحداث والشخصيات بصورة مباشرة من خلال إشتراك الضوء مع الموسيقى ومؤثرات العرض الأخرى .

                    مدينة النانو

بقلم حسين صكبان

بلورت المعايير الخاصة في بنية هذا النص ومنحته طابعه الخاص والمتفرد، من هنا فان العرض يندرج ضمن دائرة تصغير الأشياء غير المحكومة بنهاية مغلقة أو غاية محددة وثابتة، لاسيما أن الصبغة التطويرية عانت من المتخلفين من البشر كون (الناس أعداء ماجهلوا) فالصورية لمجمل عناصر العرض التي أحيطت باغطية التقنية الرقمية قد وضعت المتلقي إزاء حقيقة أن تنمو وتتغير في ظل ظروف ورعاية بيئية دائمة، فالبيئة تطلق العنان لنمو الحياة التي لا تتوقف، ولا يوجد داخل سياق النص ما يوحي بإمكانية التوقف، فالطريق مستمر نحو التغيير.

نلتمس هناك دعوة للمنطقة العربية للتخلص من التعصب الذي يحل دون مواكبة التطور ويعود سببه الى جذور البداوة والقبلية. والذين يريدون ويطالبون بالتغيير لابد أن تكون لهم يد واضحة وسعي في هذا التغيير.

عندما تتقدم (زهرة) نحو مقعدها باللون الأحمر فهذا مدلول (للدم) هو سيرورة في الاشتغال والاشتباك، وليس معطى جاهزاً او محدداً ومنعزلاً عن سواه، فالمتلقي راح ينقل هذه العلامة إلى سلسلة من الاحالات داخل الدائرة التي تحتوي مركز الدلالة، وأصبحت كل علامة من علامات العرض قابلة للتحول الى عنصر استقطاب دلالي من خلال ارتباطها بهذه العلامة، وأثارت حولها حلقات متعددة للإحالة ضمن نطاق الدائرة التأويلية نجد صرخة تدوي كفى تصارع بينكم ياعرب.

يتضح بأن النص جنح إلى تجاوز ما هو معطى بشكل مباشر داخل المشهد من السكون والحركة، وكل أنساق العلامات، ليبحث عن استجابات أخرى متنوعة امتدت الى قراءة السياق الخارج عن إطار العلامة من خلال تأثر العرب بالتقنية الرقمية وما وفرت لهم من راحة ونعيم الحياة. فالنظام العلامي في (التطور التكنولوجي المتمثل في النانو) نمط تركيبي يشكل قيمة حاضرة، من خلاله انتظمت كينونة النص/العرض وفق اقسام التمثلات العلامية التي انفتحتعبر فضاءات (الواقعي) و(المتخيل)، فالعلامة بوصفها الاداة المستخدمة في تمثيل شيء من خلال استحضار شكل رمزي، تقتضي ظروفاً خاصة في الاحالة يوفرها المتلقي بوصفه شرطاً حاسماً للدخول في تفكيك هذا النمط التركيبي للعلامة من خلال تخوفه مستقبلا هل ستدخل التقنية الرقمية ضمن الجسد البشري وتتحكم في جهازه العصبي وتخليصه من اسر الانية المحدودة، فالمعنى هو ما تكشف عنه العلامة عبر الاحالة إليه، بعد أن يحول المتلقي الصورة المتحصله عبر تلك الإحالة إلى نموذج تشتغل خلاله كل التجارب الداخلة ضمن الاعراف والنظم المؤسسة لوعيه وذائقته وامكاناته القرائية ومقدرته على فك (رمزية) تلك العلامات وادراك إحالاتها وتأطير انزياحاتها فهل للتقنية الرقمية مثلا ان تقلل من الشيخوخة وتغير من الفسلجة الانسانية،أي أن يدرك المتلقي كأنه الترابط بين العلامة وبين ما هو خارج أعراف المؤسسة التقليدية المباشرة للمعنى، الذي يمثل مفتاح الدخول في فضاء الدلالة وفهم آليات التوالد والخلق الذي لا يقبل الانطواء على معنى واحد، ولا يقبل الانكفاء على نفسه عبر سيرورة دلالية لا يمكن ان تنحصر او تتوقف عند نقطة محددة وثابتة.

وجد المتلقي ازاء خطاب منتشر في عدة اتجاهات وطقوس وازمان واماكن فهناك مشاهد تدعو الى التطور الرقمي واخرى تكبحها من خلال مشاهد الفيروسات لتوضح أن هناك دول عظمى مهما تطور علمكم أيها العرب ماهي الا محاولات بسيطة. الفايروسات كذلك هي علامة لتوضيح بأن الدول المتقدمة لديها مضادات حيوية تسوقها من خلال نشر تلك الفايروسات (الامراض).

وضحت المؤلفة انكم مهما توغلتم وتأثرتم ياعرب بالتطور التكنولوجي فلا تتخلوا عن عروبتكم وأصالتكم. ولنذهب معا الى الحياة التي تدعونا من خلال النانو الى الاختزال والاقتصار فهي توفر لنا الوقت والمال والجهد.

بفعل تقنية هذا العمل المسرحي المتمثل بمدينة النانو يتجاوز حدود النص الذي ظل يدور حول الصراع بين المسلمات القديمة وبين ضرورة التغيير، من حيث تناول شخصية المكعب الذي قام بعمل خارق لنواميس الطبيعة من أجل تاكيد ذاته لتسير الأأحداث في سياق درامي متصاعد يكشف عن المسلمات القديمة التي تعطل الحياة ولا تساهم في التطوير واثبات الذات، كان بودي ومن وجهة نظر تقنية عندما رمز للشخصية العراقية من خلال مقام النانو المتمثل بالوجه الرابع للمكعب يستحسن كان الرمز سابع بطريقة ما بدل الرابع وذلك وفقا للحروف الموسيقية السبعة.

للنص ملامحه الخاصة ونبضه المتميز وايقاعه المتفرد وبناؤه المتماسك الذي يجعله مستقلاً بذاته، ومنفتحاً على المتلقي ضمن سلسلة تفاعل توليدي متواصل للمعنى الذي يجعل متلقي النص يعيش حالة من الانقسام، الأولى بحكم دفاعه عن نظم وأعراف المؤسسة الاجتماعية والقانونية والدينية، والثانية توقعه للانعتاق من سطوة تلك الاعراف والانطلاق نحو بناء كيانه المتخيل الذي حفزه النص ضمن اطر واقعية خيالية عدل فيها النص عن تلك الاعراف والقوالب النمطية، ليجلو المتلقي بذلك مكامن العرض الجمالية ومهيمنات الرفض تجاه تلك المؤسسة كون المتلقي طامح للتغيير. وهناك استثارة لمشاعره بواسطة التقنية الرقمية المستخدمة في النص.

                               مدينة النانو

بقلم: مروة شاكر

مدينة النانو :

ما أنفك الخطاب المسرحي الموجّه للطفل ( عربياً وعالمياً ) يطور أساليبهُ و اتجاهاتهِ لخلق مغايرة بمعايير حداثوية تجديدية محايثة لروح  العصر وحاجاتهِ الابداعية  والتطويرية. ولعل المسرح الرقمي وتجلياتهِ التقنية هو أحد مكتشفات القرن الحالي والذي أسهم بفاعلية كبيرة في طرح العديد من المعالجات التقنية في الفن المسرحي عبر امتلاك القدرة على التنوع التقني لتحقيق فضاء مسرحي ابداعي يمتاز  بمنظومة علاماتية جمالية حسية عالية.

ومن خلال قراءة متمعنة ومستفيضه لنص مسرحية ( مدينة النانو) أجد أن الكاتبة قد استندت إلى التقنية الرقمية في تجسيد مخيلتها عبر استنطاق عوالم فنتازية متماهية مع الجزيئات النانوية للدخول لمدينة ( النانو العربية )، فالكاتبة حاولت وبنجاح أن تمنح هذا العالم الافتراضي النانوي هوية عربية عبر استلهام رموز الموروثات الثقافية العربية الاصيلة بوصفها المقوم الاساس لأي منجز ابداعي، وهذا ما نوهت إليه الكاتبة في مقدمة نصها، إذ اختارت خمس شخصيات من خمس دول عربية هي (الجزائر، مصر، العراق، فلسطين والإمارات). واستخدمت تقنية الألوان ورمزت لكل دولة عربية بلون يتماثل مع السمة العامة التي تتسم بها ويتسم بها شعبه فتعاضدت الاحداث في ثمانية مشاهد بفصل واحد استخدمت خلالها تقنيات المسرح المعاصر من شاشات عرض كبيرة الحجم والاضاءة امتازت بحرفية عالية وتوزيع مبهر.  فمن خلال النص الذي تحول بفعل إبداع الكاتبة الى صورة حية مرئية كان التوزيع مرئيا على مستوى وعي الطفل اليافع وإدراكه فقد حقق عنصر الدهشة والإمتاع.

ولتحليل هذا النص تقنياً؛ لابد لنا أن نلجأ إلى مخيلتنا لتحويل ما قرأناهُ من واقع افتراضي إلى واقع تجريبي إبداعي على خشبة المسرح عبر استنطاق التقنيات المرقمنة التي يمكن من خلالها تحويل النص المقروء الى نص              ( مرئي – سمعي ) يستند إلى منظومة جمالية حسية وعلى مستوى عالي في الادراك والتلقي، إذ لجأت الكاتبة إلى كل ما من شأنهِ أن يختزل البنية التحتية السينوغرافية التي تخيلتها للعرض المسرحي، لتكتفي بالإضاءة الرقمية والأزياء والموسيقى والمؤثرات الصوتية الرقمية، فضلاَ عن الأداء الحركي للممثل، معتمدة في أغلب ما ذُكر على اللون ودلالاتهِ في تجسيد الموروثات الثقافية الشعبية لكل بلد من البلدان العربية التي مثل هويتها شخوص هذا المنجز الابداعي،ولم تكتفي بذلك، بل حاولت أن تخلق من خلال الأحداث الدرامية معادلاً حسياً جمالياً زاوج بين العلم والموروث الشعبي تأكيداً منها على مقومات الابداع والابتكار الأصيل، فوصف الإضاءة المسرحية في ارشادات النص تقودنا لا محال إلى معالجات تقنية رقمية عبر التوظيف الجمالي لجهاز ( الداتا شو ) كبديل ضوئي، وهذا ما يمكن أن يحقق للمخرج فيما بعد، العديد من الحلول لخلق فضاء مسرحي حسي متحرك عبر العديد من الصور الضوئية ومؤثراتها والتي يسهل إدراكها من قبل المتلقي ضمن الفئة المستهدفة، فعلى سبيل المثال مشهد مدينة النانو العربية ( المشهد السابع ) والتي نجح مجموعة الفتيان من الدخول إليها عبر البوابة الخضراء، وهنا يمكن لتقنية الإضاءة البديلة أن تجسد صورة إبداعية لهذه المدينة بالاستعانة ببرامجيات التصميم عبر الحاسوب ويمكننا أيضا من خلالها أن نتحكم بألوان المشهد ودرجاتها اللونية المتعددة، كما أود هنا أن أشير الى الفعل التعبيري الحركي الذي عبّرت عنهُ الكاتبة في سياق أحداث النص والذي تمثل بسيل الفقاعات والمسارات الخطية الخاطفة التي خلفتها الحلزونات في أثناء حركتها، فجميعها يمكن أن تتجسد عبر تقنية الإضاءة الرقمية البديلة فضلا عن شاشات العرض الست الموجودة في عمق خشبة المسرح كما تم وصفها في ارشادات النص.

كما يحيلنا هنا النص إلى العديد من الابتكارات التقنية الرقمية ومنها تقنية ( الهولوغرام ) الذي يعتمد على الأشعة الليزرية التي يمكن من خلالها تجسيد العديد من الأحداث تجسيداً ثلاثي الأبعاد في حقل ضوئي، ومنها مشهد معالجة ( تصليح ) مكعب ( روبيك )  ذو الستة أوجه من قبل الفتاتين  ( لمى ) و ( زهرة ) عند عطلهِ، وغيرها من المشاهد التي يمكن اختزالها بجمالية حسية عالية لدى المتلقي الطفل.

أما عن فعل المؤثرات الصوتية والموسيقى الرقمية، فقد استندت إليها الكاتبة كثيراً، ومنها المؤثرات الصوتية الصادرة عن مكعب ( روبيك ) فضلا ً عن المؤثرات الصوتية والموسيقى والأغاني التي رافقت ابتكارات الفتيان لفتح بوابات مدينة النانو العربية.

مدينة النانو

بقلم:طيف جبار

تشكل التقنيات المسرحية رافداً مهماً من روافد إرساء دعائم العرض المسرحي وذلك لما لها من قابلية على بث خطاب درامي مسرحي بشكل ممتع وجميل، كونها تمتلك مجموعة من الأسس والقواعد التي تتضافر فيما بينها لتشكيل منظومة فنية تتناسب وطبيعة الجمهور المستهدف وحاجة النص، ووفقاً لقراءة النص نجد أن فكرة العمل قد حملت في مضمونها مجموعة مفردات وعبارات ضمن سطور واضحة ومفهومة شكلت بمجاميعها رسالة بليغة لما يجري اليوم من حولنا من مؤامرة تفرقة وتجزئة على امتداد ساحة الوطن العربي وهو ما تحاول الكاتبة من خلاله ايصال رسالة الى جمهورها العمري المحدد من خلال استخدام وسائل وشخصيات رمزية وصورية لها علاقة مع موضوع الحدث. إذ حاولت كاتبة النص ربط العلاقة ما بين الكل والأجزاء عبر المكعب ( روبيك ) والشخصيات (الاجزاء) فضلاً عن ابراز التحديات والظروف من خلال شخصيات الحلزون باركر وأولر وأرخميدس التي مثلت الوجه الآخر للفكرة، إذ تحاول الكاتبة اظهار حق الانتماء والعودة الى الوطن من جديد من خلال ابراز الهوية الثقافية والتراث الشعبي والشعري لكل جزء من الاجزاء التي لها حق الانتماء التاريخي والعودة الى الاصل.

ولأجل وضع الرؤية التقنية على السطح المسرحي ورسم سينوغرافيا أكثر تعبيراً وجمالاً لفكرة هذا النص الذي تم إعداده لمستوى عمري محدد من قبل هذه الكاتبة  تقترح الباحثة وجوب استخدام التقنيات الرقمية والكومبيوترية في هذا العمل وذلك لما لها من آليات جديدة على العرض المسرحي. فضلاً عن إضفاء نوع من الجماليات الرقمية التي تتوافق مع أجيال الديجيتال واستخداماتهم المستمرة للتقنية الرقمية بكل اشكالها واستخداماتها. خصوصاً وان فكرة العمل وما يحتويه من عناصر سمعية ومرئية يتطلب من المخرج استخدام معادل صوري وصوتي يتلاءم ووحدة الموضوع ويعكس في نفس الوقت واقعاً فكرياً وجمالياً الى المتلقي، وهذا يتحقق برأي الباحثة من خلال تشكيل فريق عمل فني موحد يرأسهُ المخرج المسرحي ويشترك معهُ نخبة من الفنانين المبدعين في مجال تصميم المناظر المسرحية الرقمية ومصممي الإضاءة والصوت فضلاً عن مصممي الازياء والديكور والموسيقى  ووفقاً للتقنيات الرقمية المستخدمة اليوم في المسارح.

أصبح بالإمكان اعطاء صورة تفاعلية مؤثرة وحقيقية، تحقق الاستجابة السريعة بين العرض المسرحي والجمهور، وذلك من خلال برمجة احداثيات العمل من الصوت والإضاءة والألوان ضمن مستوى متناغم واحد يتلاءم وطبيعة الحوارات والإيماءات الحركية التي يقدمها شخوص العمل وشاشات العرض، وتسهم في المحصلة النهائية من تحقيق مستويات دلالية وجمالية قياسية في هذا العرض المسرحي.

 

 

 

 

 

[1] كنزة مباركي : مسرحية مدينة النانو، نص غير مطبوع، ص3.

[2] كنزة مباركي، المصدر السابق، ص7.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.