في الحقد على المسرح

د. محمد المديوني (تونس): في الحقد على المسرح
يبدو الموضوع المحدد في هذه الندوة أقرب ما يكون إلى رجع الصدى، لما تواتر في أجهزة الإعلام وفي
عدد كبير من البلدان، من تعابير مرتبطة بالكفر والتكفير ما انفكت ترد تبريرا، لما من وجوه البشاعة
والهمجية ما عرفت المجتمعات العربية والإسلامية شبيها لها في العصور الحديثة. وهو كذلك شكل من
أشكال التفاعل مع ذلك كله.
وتبدو من وراء ربط “المسرح” ب “تكفير التفكير فرضيات ومساءلات وانتظارات الفرضية.
الأساسية هي الإقرار بوضع قائم يكفر فيه التفكير، أما السؤال فيتجلى في عطف “المسرح” على
“تكفير التفكير” عطفا يعبر عن تساؤل حول موقعه من هذا الوضع وحول الدور الذي لعبه أو لم يلعبه فيه. ويعبر، كذلك، عن رغبة في معرفة ما يمكن أن يقوم به هذا الفن في هذه العلاقة غير السوية التي تضع بعدا من أبعاد الإنسان وإنسانيته موضع ما هو محرم ومشين.
ولكن في هذا العطف، حصرا لمجال “التكفير” في ما يتعلق ب “التفكير” وحده و [سكوتا] عن “التكفير” الموجه إلى أشكال السلوك الفردي والجمعي ولأنماط المجتمعات وتنظيماتها. فهل يعود ذلك إلى اعتبار “التفكير” الأساس الذي تقوم عليه أنماط المجتمعات، فيكون الخوض في مسألة “تكفير التفكير” مفتوحا، بالضرورة على مواضيع التكفير بصورة أشمل؟ أم يعود الأمر إلى اعتبار “المسرح” نتاجا للتفكير وموضوعا له، وهو، من ثمة، منطلق من الفكر والتفكير، متفاعل معهما وفاعل فيهما؟
ورد “المسرح” في صيغة المفرد وهو المتعدد المتنوع، فهل يعني ذلك أن الأمر يتعلق بجوهر هذا الفن ولا يتعلق بتفاصيله ولا يرتبط بنتاجاته في مكان بذاته ولا زمان بعينه؟ لكن ألا تفرض الصيغة العربية للتعبير وارتباطها بهذه الفترة بالذات عدم الاقتصار على المسرح في صورته المطلقة وحدها؟
بعد هذه استقراء دواعي الاختيار والتفاعل مع الانتظارات الكامنة وراءه، ننطلق في معالجة المسألة من خلال ثلاث مراحل:
“التكفير” و “التفكير” ومفارقات المعجم العربي:
عدنا إلى المعاجم العربية فوقفنا على أن بين عبارتي “التكفير” و “التفكير” صلات عضوية. إنهما يشكلان “جناسا تصحيفيا” (Anagramme) فجذرا العبارتين تنويعتان لجذر ثلاثي واحد (ر ف ك). وما يلفت الانتباه هو البون الشاسع في نسبة تداول الألفاظ المشتقة من مادة (ك ف ر) قياسا بما اشتق من مادة (ف ك ر). احتل الأول نصف عمود (اللسان 5، 65 ب). وامتد الثاني على 15 عمودا (نفسه، 144 \ أ -151 أ). أي 30 مرة أكثر من الجذر الأول. وفي هذا مؤشر على غلبة ثقافة التكفير مقارنة بثقافة التفكير في لغة العرب وثقافتهم. وما ظهر من صوره، هذه الأيام، إنما هو عودة المكبوت.
في الحقد على المسرح:
لقد كان المسرح موضوع حقد، منذ نشأته، في البلاد الأوروبية واختلفت تجليات هذا الحقد بين العصور وتنوعت منطلقاته لقد كانت الكنيسة صاحبة سلطة “التكفير” المنطلق والمرجع فنشأت نصوص كثيرة وجدت صداها في عوالم الفكر والتفكير في أوروبا عصر النهضة ليست أعمال بوسويي [1] ودي كونتي [2] أقلها شأنا ولكن لم يقتصر الأمر على الكنيسة وحدها يكفي أن ننظر في الرسالة التي وجهها روسو إلى دالمبير في خصوص دعوته إلى إنشاء مسرح في مدينة جونيف [3] لنرى مقولات دي كونتي المنطلق من تعاليم الكنيسة تلبست بلبوس لايكي دون أن تزول عنها كراهية المسرح والدعوة إلى تركه. ولكننا نعثر على نصوص أخرى صادرة هي الأخرى عن الكنيسة تمتدح هذا الفن دفاعا عنه من خلال الإلحاح على التمييز بين الرفيع من نتاجاته والدنيء [4]، وحتى عندما ننظر في ما عبر عنه ب “مفارقة سينو” [5] التي تؤكد عمق هذا الحقد وتبرز الوعي الشديد بما يقوم عليه جوهر هذا الفن من إحراج للسائد، مقدسا كان أو دنيويا فإننا لا يمكن أن لا نرى في ذلك كله صورا من الجدل ناجمة عن علوية الفكر والتفكير، لا يمكن إلا أن تفتح آفاق هذا الفن وتبرز موقعه من جهود الفكر والتفكير.
المواطنة شرطا للمسرح وملاذا للفكر والتفكير:
ليس غريبا أن يكون المسرح من بين أول ما استهدفه التكفيريون عندما هاجم بعضهم عروضا مسرحية كانت تقدم في بعض قرى البلاد التونسية. لم يكن يزعجهم موضوع المسرحية أو نوعها لأنهم لا علم لهم بها. ما كان يزعجهم هو المسرح في ذاته، هو المسرح باعتبارها لقاء بين مجموعتين إحداهما تعيد بناء العالم من خلال فعل التخييل، وأخرى راغبة في أن تشاطرها فعل التخيل والتخييل ذاك. وليس غريبا أن تتجند قوى المجتمع المدني في تلك القرى لتدافع على العرض والفنانين. وليس ذلك إلا صور من الاعتراف للمسرح في إسهامه في بناء ذلك المجتمع المدني. لكن هل يمكن أن نقيس ما وقع في تونس وفي بعض البلدان العربية الأخرى بما قام واستقر في المجتمعات التي ترسخت فيها المواطنة ومقتضياتها؟ هل يمكن أن نتكلم عن صور من الجدل الذي رأينا صورا عنه في أوروبا عصر النهضة وما زال مستمرا؟ الجواب مرتبط بدرجة تحقق حياة مسرحية فعلية يتحول فيها المسرح إلى حاجة حقيقية لدى أهل تلك البلدان.
 
———————————————————————————————————————

المصدر :  مجلة الفنون المسرحية – مهرجان القاهرة للمسرح المعاصر والتجريبي – المحور الفكري –المحور الأول ماذا قال؟ المسرح وتكفير الفكر العقلاني

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.