أخبار عاجلة

(عين) مسرح كركوز وعيواظ بدمشق .. فن امتزج بوجدان الشعب ومرآة يعكس بها المجتمع عيوبه – سوريا

عُرف مسرح الظل بدمشق لدى العامة باسم مسرح كركوز وعيواظ لما كان لهما من دور بعروض بابات (مسرحيات) مسرح الظل، فضلاً عن شخوص أخرى لعل من أهمها المدلل وشيخ الشباب بكري مصطفى.
وهو مسرح أقرب إلى التكامل، شخوص هذا المسرح، بشر تمثّل صوتاً وخيالات تظهر صورة، وله مكان للعرض، كما أن له إضاءة مسرحية تراعي حركة الشخوص، وقصة لها بداية ونهاية وجمهوراً يشاهد مقابل أجر، وهو غير مسرح العرائس المتحركة بخيوط من أعلى، كما أنه غير مسرح الأرغواز الذي تتحرك شخوصه بوساطة قفازات باليد من الأسفل. وفوق هذا وذاك فإن مسرح الظل يعتبر مبشراً بظهور المسرح ببلاد العرب وخيال الظل لغةٌ إضافة مطلوبة أرادوا بها ظل الخيال، وقد اتخذت هذه التسمية تركيزاً للانتباه إلى الأصل ينعكس الظل عنه.
أما نشوء هذا المسرح فتذهب المصادر إلى إرجاع هذا المسرح إلى بلاد جنوبي وشرقي قارة آسية، أكان ذلك بلاد الهند أم سيلان أم بلاد اليابان أم الصين، وقد عرف العرب فن الظل بالعصر الوسيط بواسطة المغول والسلاجقة، إبان القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر للميلاد، عبر بلاد فارس والأناضول، فواكب الحياة الإسلامية واستقر بالقاهرة، فازدهر وانتشر في بلاد العرب.

لاقى مسرح الظل حظوة عند أهل العلم لكونه يصدر عن فلسفة شعبية خاصة، وقد أشار شيخ الصوفية ابن عربي إلى وجه العبرة بمسرح الظل في فتوحاته المكية بقوله: «ومن أراد أن يعرف حقيقة ما أومأنا إليه، فلينظر إلى خيال الستارة وصوره، ومَن الناطق بتلك الصور ومَن اللاعب بها، الصبيان الصغار يفرحون ويطربون، والغافلون يتخذونه لهواً، والعلماء يعتبرون ويعلمون أن الله ما نصب هذا إلا مثلاً.
ويذكر ابن إياس أن معرفة الأتراك العثمانيين لمسرح الظل كانت بفضل العرب، فبعد اجتياح العثمانيين بلاد الشام، وانتزاعها من حكم المماليك، لاحقوا فلول المماليك إلى مصر وانتصروا عليهم، وقبضوا على الحاكم المملوكي (طومان باي) وشنقوه على باب زويلة بالقاهرة، وفي المساء احتفل السلطان العثماني بذلك الانتصار، ومثّل له المخايلون ذلك بما فيه شنق (طومان باي) فأعجب السلطان العثماني بذلك، وأخذ معه إلى استانبول ما أخذ من أرباب الصنايع، عدداً من المخايلين، فكان الإقبال عليهم كبيراً فنجحوا نجاحاً كبيراً، فراج هذا الفن باستانبول، وأصبح له تقاليد خاصة في العرض. ونتيجة للسيطرة العثمانية على بلاد العرب، فقد بدت التأثيرات العثمانية الظلية واضحة في نصوص وأزياء شخوص مسرح الظل، حتى إنه يخيل للمرء أن هذا الفن ببلاد الشام، قد صدر عن الأتراك العثمانيين.
وإذا كانت البابات (الفصول) التي عرفت في سورية لا تُخفي استعارتها لشخصي كركوز وعيواظ وشخوص أخرى عرفها المسرح الظلي العثماني، فإن أغلبية النصوص أو الموضوعات التي عالجها مسرح الظل في بلادنا، قد استمدت مادتها من البيئة الشعبية المحلية والأحداث المعيشة محلياً، ذلك أن مسرح الظل في بلادنا كان مستقلاً في جوهره عن المسرح الظلي العثماني، وقد استطاع هذا المسرح أن يعكس جوانب الحياة المعيشة في بلادنا، فضلاً عن ذلك فقد استطاع مسرح الظل عندنا أن يطوع نصوص الفصول المتوارثة إلى ما يخدم البيئة المحلية، وأن يجعلها مستمدة من الحياة الاجتماعية المحلية.
وقد كان لهذا المسرح كيانه المستقل في بلادنا، وكانت له مقوماته الخاصة في التأليف والأداء والتذوق، وكان له دور فاعل في الحياة العامة قبل أن يعرف الناس وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ذلك أن فن الظل امتزج بوجدان الشعب امتزاجاً كاملاً، واستطاع أن يعيش تقاليد الشعب وكل ما يتعلق بحياة الناس، حتى لكأنه المرآة التي يرى بها المجتمع عيوبه ونقائصه بأسلوب يتقبله المشاهد، ويشيع في نفسه الارتياح؟ على ما كان من اعتماده المبالغة بإبراز العيوب، أكان ذلك في إطار عدم التناظر برسم الشخوص أم الدور المسند إلى كل منها، للوصول إلى مواجهة الناس بالنقد والتوجيه والتقويم بأسلوب موازنة غير مباشر، بين ما كان وما هو كائن وما ينبغي أن تكون عليه حياة الناس.
وقد أطلق على الفصل الذي يقدم من عروض مسرح الظل اسم البابة وكان من هذه البابات ما هو أصيل متوارث لم يطرأ عليه تغيير كبير، كفصل الطاحون وأيا صوفيا، وشمّ إرين، ومن هذه البابات ما وضع في فترة لاحقة، يهدف إلى تقويم السلوك وتهذيبه، كفصل علي كوكب الدوماني والوزير الخائن، وهذه الفصول مستمدة من الواقع، هي تتناول تصرف أو سلوك الناس الذي يتعارض مع ما تواضع عليه الوجدان الجمعي من مبادئ وتقاليد، فيقدمها الكركوزاني بصورة انتقادات لاذعة ودعابات مبطنة.
ولعل من الجدير بالذكر عدم تمكن المرء من الحكم على ما يقدمه مسرح الظل من خلال قراءة النصوص، لأن مسرح الظل ليس مجرد نص، إنه إضافة إلى ذلك مجموعة من العناصر المتشابكة المترابطة ومن تلك الشخوص المشاركة بالفصل وهيئاتها وقسماتها وأزيائها، وكذلك حركة الشخوص على الشاشة وأشكال ظهورها، وتفاعل ذلك مع الحوار، وتصعيد هذا التفاعل المتكامل مع متطلبات الموقف ومدى تفاعل المتفرجين.. هذا كله يرتبط ببراعة المخايل (الكركوزاني) وسرعة بديهته، وخفة يده ورشاقتها بالحركة.
وإذا استطاع الكركوزاني أن يُلبس شخوصه الملامح والسمات التي يريد فقد برع أيضاً بإلباس الشخوص الطباع والنزوات وجعل لكل منها شكلاً خاصاً، فقد كان ظهور شخص كركوز في جميع الفصول طباً على وجهه، وظهور عيواظ على مقعده، وبكري مصطفى متبختراً مهدداً متوعداً. وظهور المدلل متدلعاً، والبنت مغناجة. ومن الشخوص التي كانت تظهر على شاشة مسرح الظل شخص دورني زادا، وهو يمثل دور الغر المراهق الذي لم تعركه الحياة، ثم هنالك شخص أبو أركيلة، وهو آغا تركي، كلامه مزيج بين اللغة العربية واللغة التركية ما يوقعه في مطبات ومفارقات كلامية قد تكون وبالاً عليه، وكذلك شخص حاج قريطم وهو مصري يتصنّع الفصاحة باللهجة المصرية وكثيراً ما كان الكركوزاني يوظف تلك الشخوص لإيصال ما يريد إلى المشاهدين على سبيل الدعاية وأيضاً التشهير، فقد كان لشخص المدلل شعبية كبيرة لدى المشاهدين فيستغل الكركوزاني ذلك، فلا يُظهر شخص المدلل على الشاشة ليلة أو ليلتين، فإذا سأل عنه المشاهدون (الجمهور) فيقول لهم الكركوزاني على لسان أحد الشخوص إن المدلل مخستك (مريض) وهو بحاجة إلى التغذية لاستعادة نشاطه. وفي اليوم الثاني تنهال على الكركوزاني شرائح اللحم والحلويات والفواكه لتغذية المدلل، ومن جهة أخرى فإن الكركوزاني يقوم بالدعاية لبعض الحوانيت خلال العرض كان يجعل المدلل يتأخر بالظهور على الشاشة، فيسأله كركوز عن سبب تأخره، فيعلمه بأنه في طريقه إلى محل (فلان) الحمصاني، وأكل عنده صحن مسبحة أكل أصابيعه وراءه، وكانت شهادة المدلل كافية لأن يزدحم محل الحمصاني المذكور بالزبن.
ولعل من المفيد التوقف بهذا البحث عند المخايل (الكركوزاني) الذي يحرك الشخوص وراء الشاشة (الخيمة) ويحكي على لسان الشخوص ما يتطلبه الحوار مع الحفاظ على لغوة ولكنة كل من هذه الشخوص مهما بلغ عددها، بالبابة (الفصل) الذي يقدمه. وكان من المخايلين من استطاع أن يعكس جوانب عديدة من حياة الناس الإيجابي منها والسلبي، فكان له دور الناقد الذي يفلسف حياة الناس وشؤونهم وعلاقاتهم، ويصور تجاربهم ومشاعرهم، وأعجب ما فيه قدرته على تغيير وتيرة أصوات شخوص البابة أو الفصل، فضلاً عن البراعة في تحريك الشخوص وأساليب نزولها أو ظهورها على الشاشة، وكثيراً ما كان الكركوزاني يُلبس لبوس عينات من المجتمع يتناولها بالنقد والتجريح فيتحدث على ألسنتها مستخلصاً العظة المطلوبة، شارحاً ومعلقاً وسائلاً ومجيباً على شكل حوار بين شخوص البابة (الفصل) وبين المتفرجين، وكان المخايل يقوم بدور الصحافة في أيامنا، فيدخل المحكمة ويسترق السمع، ويتابع الأحداث التي بالمدينة، فيضمّن ذلك فيما يقدم على الشاشة مع العرض والتحليل والمعالجة والنقد لاستخلاص العبرة مما يقول: لذلك كان على الكركوزاني أن يكتب على نفسه تعهداً لدى السلطة بألا يتعرض لهذه السلطة، حتى لا يكون مصيره السجن.
ويساعد المخايل في عمله جوقة موسيقية تتكون من مغن وعواد وطبال ولاعب قصب (عازف ناي) وقانونجي، تعمل هذه الفرقة بحسب ما تقتضيه طبيعة البابة المعروضة، وقد يقوم المخايل بالغناء كما قد يفسح المجال بذلك الغناء لأحد المشاهدين من الحضور.
ولا يكتمل الحديث عن مسرح الظل في بلدنا ما لم نتوقف بعض الشيء عند رواد هذا الفن بأواسط القرن التاسع عشر حتى أواخر العقد الرابع من القرن العشرين ونخص بالذكر آل حبيب بدمشق.
فأسرة آل حبيب حفظت تقاليد مسرح الظل وحفظت أصوله وباباته أربعة أجيال، وقد خصني أحفاد هذه الأسرة بالكثير مما كنت أبحث عنه، ولعل من المفيد الإشارة إلى فرسان آخرين مارسوا هذا الفن، وأخص منهم أبو عبد اللطيف سليمان معماري بطرطوس ومحمد مرعي الدباع ومن قبله مصطفى سرور بحلب ومصطفى هدهد بإدلب، وأبو الخير السباعي بحمص، وحسن اللاذقاني باللاذقية.

منير كيال

http://alwatan.sy/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.