(عين) مسرحية مطر صيف.. جدل الإفاقة والإغفاء – العراق

مسرحية مطر صيف للكاتب العراقي المُتميز علي عبد النبي الزيدي، والمخرج المتألق علي عادل، صالة العرض: مسرح التربية في مدينة البصرة، السينوغرافيا: مصابيح إضاءة بألوان متعددة تُوجّه بحسب مقتضيات المشهد وحركة المُمثلَّين. جدارٌ مكتوبٌ عليه تواريخ حروب ووقائع مفصلية مر بها العراقيون في الربع الأخير من القرن المنصرم، مع ما تلاها من أحداث في عام 2003. بدلة رجل حائلة اللون مُعلَّقة على مسمار في جدار المنزل، مُعلّقة إلى جوارها عباءة سوداء أيضاً..

مُفتَتح العرض: امرأة في العقد الرابع من العمر تسير أول الأمر بواسطة كرسي للعجزة (كناية عن تعب ما).. تروح عيناها تَجولُ في زوايا المكان الموحشة، ويتلوى جسدها طرياً من على مقبضَي الكرسي الحديدي الصلد، وسط إضاءة تتعقب التواءاتها والتفاتاتها.. فجأةً؛ تنتفضُ لنفسِها وتنهضُ راكلةً كرسيَها بقدمها اليسرى جهة الخلف، وتصيح ــ بعبارتها الرغائبية متوسلة حضور غائبها ــ “الآن موعده.. الآن يأتي الغالي، والوالي، وشمعة البيت”.. كانت تنتظر عودة من لم يأت بعد، ومن وارته الحروب المتتالية عنها طويلاً، حتى استحال قوامه إلى طيف، ورغبة متكررة في الاستحضار ليس إلا..

إنها تحاول استعادته واستحضاره مراراً في مخيلتها.

تصيحُ: “عشرون عاماً من الغياب” وقد غادرت ثيابي الألوان.. وجرّدها الغسل. عشرون عاماً والش?عر غزاه الشيب وأعياهُ الصبغ، مُكابدات تتلوها مكابدات، دونما حائل يعينها على تعطيل زمنها وانتشاء جسدها. عشرون عاماً تترقب مجيئه في سرها، حيث لا ذنب للغائبين في مضارب الهجر، وتعلم أن الحربُ وحدُها صيرتهُ من الغائبين.

وانها غالباً ما جهدت تتوسل حضوره، وتُكيِّف طرائق مجيئه فتقول: “لم يبقَ للعمر متسع للملامة والعتاب”، تعال “فأين أنت؟”، تعال وأطرقْ باب الدار أو باب الجسد. بغتةً، يدخل الزوجُ، بخطوات متثاقلة، وببزة عسكرية متهرئة.. وأحسب أن دخوله لم يكن يعني لها سوى رغبةً وتمنّياً، أو محض فكرة، وإن تجسدت واقعاً للعيان..

إن مجيئه لا يلبي متطلبات الغرام. فهو زوج متهالك أعيته الحروب. ولكثرما كان يفزعها خواره، وتثاقل خطواته، حتى دفعها ذلك الى الصراخ ــ بزفرة ألّم عميقة ــ “يا يُمة.. يا يُمة”.

وحتى ان كلمته التي كان يرددها مراراً “أحتاجُكِ” ما هي إلا صدى وجواباً تعبيرياً دفيناً عن عطش الزوجةِ نفسها للكلمة ذاتها، وحاجة عميقة فيها إلى تردادها.

إن للغياب سرائره العجيبة، فتبدلات العمر فيه تكون محضَ كذبٍ وتحبيكٍ لا حد له، حيث المَشاهدُ الحياتية التي يعيش الناس تفاصيلها ليست سوى مرايا ووجوه أيامهم الأولى حسب.. وإن تمايزت صورها على حائط العمر، يظل أولئك الناس يستفيئون بضلالها المتراخية.. تنبجس متحفزة في كل رغبة عندهم، كما لو أن دولابها يراوح في الزمان.

تقول الزوجة لزوجها: لم تَغب عني كثيراً، ربما “تأخرتَ بضع دقائق”.. سيما أن العمر ــ عندها ــ يمثل البداية البكر، وانكشافَ السر على السر، وانفضاحَ اللذة الأولى ذات موعد.لذلك تُذكّره بأن: “أكلته المُفضَّلة لا تزال تغلي على النار”.. وفي مشهد استعاري آخر مجاور تقول: كم مرةً كنتُ فيها أشتعلُ وانطفئ.. ومراراً “أضعُ لكَ عطري”.. لكنها، رغم المراودات المتكررة التي كانت تعيشها؛ لم تزح عباءتها عن رأسها.. تُخبره: لقد كانت “عباءتي على رأسي”.. والجسد البض، بمفاتنه يغلي، ويتقلبُ بين جوى الحرمان والحقيقة العارية.. جسدها الذي زاحمت سَكينتهُ الحروبُ غيلةً، واحالت فورانه إلى رغبةٍ مؤجلةٍ/ كينونةٍ معطلة.. لا يملك جسدٌ آخر أن يُشبع رغائبه المتفتقة.. لا يُشبِعه جسدٌ آخر لمَّا يحيلهُ إلى مجال للانتهاك، وموضوعٍ للحروب واهوالها..

يتأرجح الحوار في براعة حركية ــ تكنيكية، بين ثنائيتي النسيان والتذكر، والإفاقة والإغفاء على فجيعة ما يصنعهُ الغياب.. يُفيقُ الزوجةَ هول استجماعُ صورة زوجها، وهيئته الشبحية العائدة للتو، فتقول: “طلبتُ منهم أن يُعيدوك إلي شاباً في مصانعهم الخاصة”.. لا جسداً مُعاقاً.. وهنا حيث المصانع تُلجئ النسوة إلى قبول مقولة التشابه ــ التي يكشف عنها أفلاطون ــ لحل أحجية حضور الغائب، من خلال إعمال ملَكتي الخيال والذاكرة.. حيث بالتشابه عزاء من لا عزاءَ له.وبينما تستأنفُ إغفاءتها قليلاً، سرعان ما يُفيقها شُبهةُ الـ “أصل” من جديد، أو ما يُشار إليه بوهم الأصلية، وما يعنيه الأصلي للزوجة في مصانع الاستنساخ. فالمُفارقة التي يصنعها الاستنساخ هي: أن لا تاريخ آخر يُعيد لنا إنتاج الأصلي بوصفه أصلياً… وأنه لا أصلَ لِما هو مُكرَّر بحسب بودريار، ولا حدَ للأشياء التي يُعاد تصنيعها… فليس استحضار الغائب استحضار أصل بالفعل، إنما استحضار صورة عنه، ورغبة في جمع نتف وأشلاء من الماضي.. ماضيه، فنتوهّم كما لو أن صورته هي الأصل ذاته بكل حضوره.. وما العَالمُ إلا صورة لا صلة لها بأصل مُحدد في الواقع، أو كما يقول سارتر: ما العالم إلا في صورة أمام الإنسان. وعلى ذلك تُطلق الزوجة عبارتها الاستسلامية: “الأشياءُ الحقيقية التي تغادرُ لا تعود، ولكن يمكن لأشلائها أن تعود”.. لذلك تُساءل الزوجة من تتوهم حقيقيته أو أصليته: “أين كنت؟”.. شاجبة في سرها ثيمتي الحرب والموت. فيَردُ عليها بتثاقل: “أنا متعب… رأسي يحتاج إلى كلمات يُدركها”.. حيث عندد هذه العبارة بالتحديد تستفيق الزوجة على فجيعتها المُتفاقمة: “كان لابد من اختراع وسيلة مريحة لإيجاد الرجال؛ صنعوهم وأرسلوهم إلى الحبيبات والزوجات والأمهات دفعة واحدة”… لئلا يعودوا محض أطياف مُتعبين (يعودون في أخيلتهن طبعاً): “لو أعادوك إلي شاباً لما كنتَ مُتعباً”.. وإذ يبدو الزوج على هذا النحو فإن طيفه المتهالك يكشفُ لها عن حقيقة طيفها هي أيضاً.. وجهُها يابسٌ لا يتقبلُ الألوانَ، والجَمالُ الذي فيها غائب هو الآخر بغياب الزوج.وبين إفاقة وإغفاء، يسمعان مجدداً طرقات على الباب.. والزوجةُ ــ كعادتها ــ فإنها تنتظر زوجاً مُستنسَخاً، يُنكره القلب ويَقبله الجسد.. فتسخر من فِصامِها المرير مرددةً: “يا للمهزلة؛ زوجةٌ تنتظرُ زوجاً يأتيها زوجان!”. يدخلُ الزوجُ في المشهد الأخير، كائنٌ آليٌ، بثيابٍ بيضاء ناصعة، يُديرُ حواراً حميماً لا يكّلُ ولا يمل يردد نغمته الواحدة “لقد عدت يا حبيبتي”، وقد وظَّف دلالاته العميقة الممثِلُ علي عادل ببراعة ادائية هائلة، إلا أنه، مع الحميمية القصوى هذه، يظل حواره مصُطَنعاً عقيماً عاجزاً عن ردم هوة الشوق والعناق المُنتظرَين من قبل الزوجة الحبيبة المُمثِّلة أسل الغزي… تتوالى وتتعالى طرقاتُ الباب من جديد.

——————————————————
المصدر : مجلة الفنون المسرحية – محمد عطوان – الزمان

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.