أخبار عاجلة

عين على المسرح-مهرجان فرحات يامون للمسرح في طابعه العربي انطلاق قطار الحكايات للأطفال وعروض للأطفال تستقطب جمهور الغد …. في مجملها وصفات جادّة بتقنيات تربوية هادفة …-بـقـلم : عــبـاسيـة مـدوني – سـيـدي بـلعـبـاس – الــجــزائــر

في دورة سادسة  وعشرين من فعاليات مهرجان يامون للمسرح والفنون الركحية في محور ” المسرح والتراث” ، توسّعت دائرة البرمجة ضمن فعاليات العرس المسرحي العربي لهته الطبعة ، لتستحدث قطار الحكايات الذي جمع كمّا لا بأس به من الأطفال في رحلة بالقطار السياحي على مستوى مواقع أثرية على غرار مدينة ميننكس ، متحف قلالة و برج غازي مصطفى بحومة السوق  ، الرحلة التي نشّطها الحكواتي الأستاذ ” يوسف البقلوطي” بمعيّة لفيف من طلبة المعهد الأعلى لإطارات الطفولة بقرطاج درمش ، وكانت فرصة هامّة ومتعة لا تعوّض للأطفال الذين استمتعوا بالمناطق الأثرية وبأثير الحكايات من التراث الشعبي الحاملة لعديد الرسائل التي تجمع بين البعد التربوي والتعليمي ، مع تحصيل الحكمة والموعظة والمتعة في الآن ذاته ، قطار الحكايات خطوة إضافية تحسب لصالح المهرجان الذي جمع بين تحقيق المتعة للأطفال وتحقيق البعد السياحي والفني في نفس الوقت .

هذا واحتضنت دار الثقافة” فريد غازي” بحومة السوق مجموعة من العروض المسرحية  ضمن فعاليات المهرجان ، العروض التي حجّ إليها جمهور غفير من الأطفال التوّاقين للفرجة والاستمتاع بمحتوى العروض التي جمعت بين العديد من الاتجاهات والرسائل التربوية الهادفة ، فريد غازي” حومة السوق بجزيرة الأحلام ” جربة ” ، شهدت التظاهرة عروضا مسرحية موجهة لجمهور الغد جمعت بين المتعة ، الفرجة والأهداف التربوية الهادفة ، أولى العروض المبرمجة التي عرفها البرنامج المسطر كانت بعرض ” الدمية والبخيل ” لجمعية النهوض المسرحي بجربة ، من تأليف وإخراج ” منير المخنيني” .

العرض الذي اتّسم بطابعه الابداعي من حيث توجيه رسائله التربوية ، ومن حيث اداء الممثلين بتقنيات جمعت بين الفرجة وتحقيق المتعة لدى الطفل ، العرض عالج في موضوعه قضية البخل وقضية التفاني في العمل الى حدّ العجز ، أين كان صانع الدمى الشيخ الوقور رمزا للعطاء والتفاني في تفنّنه في تصميم الدمى وتقديم عروض بها لرسم البسمة على محيّى الأطفال ، وحين ألمّ به الكرم وتمكّن منه المرض وأعياه الارهاق عجز عن مواصلة عمله الذي منحه كل قطرة عرق جبين من اتقانه ، في ظلّ عجزه راح صاحب المنزل يطالبه بأجرة البيت مستخدما شتى وسائل الحيلة وسبل المراوغة لحمله على مغادرته ، في هذا الصراع بين ضعف الشيخ وجشع المالك قررت الدمى رفع التحدي ومساعدة الشيخ الذي أفنى عمره في نحتها ، ليظهر وليد الابن القادم من غربته الذي وبفضل مساعدة الدمى تمكّن من شراء المنزل ووضع حدّ لمعاناة والده .

عرض ” البخيل والدمية ” جمع بين عديد التقنيات منها خيال الظل والمؤثرات الصوتية المتماشية ولوحات العرض المسرحي ، الذي جاء حواره سلسا يسهّل من استيعاب الطفل لثيمة العرض والإلمام بفحوى ومغزى العمل المسرحي ، وهو عمل رصّ قيما تربوية نبيلة لحمل المتفرج الصغير على استيعابها ونحتها ، ليعمل بها مستقبلا باعتبار الفن رسالة تربوية في المقام الأول.

    ثاني العروض المبرمجة ضمن فعاليات تظاهرة مهرجان يامون للمسرح كانت بعرض ” وردة المحبة  “ لجمعية مسرح الشباب والطفل من سيدي لحسن، سيدي بلعباس ، الجزائر العرض الذي عرف حضورا جماهيريا واسعا ، وشدّ إليه الانتباه ، وهو يندرج تحت إطار مسرح الدمى مع استحضار الحكواتي ، الراوي أو القاص لتفاصيل محطات العرض .

وردة المحبة جسّدت الصراع بين ثنائية الخير والشر ، على لسان مجموعة من حيوانات الغابة كاليمامة ، السلحفاة ، التنين ،وغيرها ، وبالغابة توجد وردة رمز للمحبة وللعطاء ، هي من يحافظ على توازن الغابة وجمالها ، إلى أن تعرضت في أحد الأيام إلى هجوم وتمّت سرقتها ، فاجتمعت حيوانات الغابة لتباحث الأمر والسعي لإيجاد طريقة أنسب وأنجع لاسترجاعها وإعادة الحياة للغابة ، فما كان أمامهم سوى الاستنجاد بالبطل ” ليث” ، الذي خاض مغامرة محفوفة بالمخاطر والصعاب  لكنها كانت حبلى بالمتعة والمغامرات الشيقة .

في المزج بين الراوي وبين الدمى المتحركة ، تمّ نقل رسالة العرض للأطفال الذين تابعوا بشغف كل تفاصيل العرض المسرحي ضمن محطاته المتنوعة ، في البحث عن سيبل لإنقاذ وردة المحبة ، ورسم معالم الاتحاد والتعاون ، وكشف خفايا النفس الشريرة ودحض أساليبها ، لتدبّ الحياة من جديد بالغابة وسط أجواء من الفرح والبهجة مع تجاوب للأطفال المتعطّشين للفرجة.

  ” بائعة الكبريت ” للمخرج ” حاتم مرعوب” ، من بين العروض المبرمجة برزنامة مهرجان فرحات يامون للمسرح في دورته السادسة والعشرين ، استقطب العرض جمهور الغد الذي توافد الى قاعة دار الثقافة ” محمد غازي” إنتاج شركة كـارمن  ، كان ثالث العروض المبرمجة ضمن التظاهرة ، والذي جسّد ضمن لوحة إبداعية أسلوب حياة في ظلّ التضحية ، وجمعوا بين الاستعراض والأداء على الركح لنقل الفرجة للمتلقي من جمهور الأطفال.

  بائعة الكبريت القصة العالمية لـ: هانس أندرسن ، طوّعها المخرج وفق تصوّر راهن ، ورسم من خلالها  كفاح طفلة وهي تحت عزّ المطر وعاصفة الثلوج ، وهي تبيع علب الكبريت لتوفير حاجيات الجدّة من طعام ودواء ، تحوّلت في مهرجان فرحات يامون الى رسالة إنسانية جسّدت ذلكم التفاني وصوّرت معاني التعاطي مع الأمل في أحلك الظروف ، لتحكاك الحكاية ضمن نسيج إنسانيّ يطالب بحقوق الطفل الشرعية بأسلوب تربوي ، تعليميّ هادف ضمن حبكة فنية واضحة وبسيطة .

 

الـسـاحـر” للمخرج ” حمزة بن عون”  عرض آخر ضمن جدول العروض المسرحية الموجهة للطفل بمهرجان فرحات يامون للمسرح بجزيرة الأحلام ، وهو من توقيع مركز الفنون الدرامية بمدنين ،  احتضنته دار الثقافة ” فريد غازي” بحومة السوق ، هو الآخر جمع بين الفرجة والمتعة ، مع استقطاب اهتمام الأطفال من حيث الإثارة السمعية والبصرية التي اعتمدها المخرج في عمله ، ناهيك عن أداء الممثلين الذي اتسم بالخفة والرشاقة ، ونقل المشهدية للطفل المتفرج ضمن حيّز من التوعية والتوجيه الهادف ، كما اعتمد فيه المخرج الشاب تقنية الإضاءة السوداء التي نقلت عديد الصور والإيحاءات للطفل ، ليكون الساحر مغامرة شيقة في عالم الحكاية نقلا للتفاصيل وما مرّ به  عندما فقد لوهلة ألعابه وعاش جرّاء ذلك جملة من الصراعات .

ليكون عرض ” من حكايات هذا الزمان” للمؤلف والمخرج الدكتور” زهير بن تردايت” وتوقيع فرقة تعابير للمسرح ، ضمن العروض الهادفة التي تضاف الى سلسلة العروض المبرمجة بمهرجان فرحات يامون للمسرح في دورته السادسة والعشرون ، وهو عرض اتّسم بالمزج بين تقنيات تحريك الدمى ، توظيف الفيديو والأغاني التراثية ضمن تناسق بين أداء الممثلين ، العرض الذي نقل المتفرج الى عالم معانقة الأمل والحب والعطاء ، والتشبث بالنور مهما استعصت المآسي ، لتكون الرسالة واضحة للعيان ، حينما يحوّل عمران الابن البيت الى مسرح ، هو العاشق للعبه ، ممّا يجعل الأب يعيد ترتيب أولوياته وينتبه أكثر الى ابنه الذي كانت ستتآكله الوحدة ، العرض يلامس عديد القضايا التربوية الهادفة في مقدّمتها فحوى العلاقات الأسرية وما بها من ظواهر عنف ، وكان العرض في مجمله ذا بعد فرجوي اعتمد المسرح اللّعبي من حيث استخدام العرائس وتقنية الفيديوهات ، في محاولة لإشراك الجمهور في اللعبة الركحية بشكل أو بآخر ، اذا ما سلّمنا أن اللعب في مسرح الطفل يحمل دلالة ورؤيا واضحة تكشف مكامن المتلقي وتعرّي شغفه ولهفته، في محاولة جادّة لزرع قيم الجمال والحب بمنأى عن العنف والتعصّب ، دونما المساس بروح وجوهر ما هو مترسّخ وقائم لدى الطفل من مبادئ وجذور تربية سليلة قيم وما يغرس لديه من حبّ للجمال وللعطاء بمنأى عن السلبية التي تحدّ من تقدّمه ومعانقته للنجاح والأمل .

آخر العروض الموجهة للطفل ضمن أجندة مهرجان فرحات يامون كانت بعرض ” المتفقد العام  ( روفيزور) من اخراج ” محمد المختار الوزير” وتوقيع شركة أفونير للإنتاج ، العرض المقتبس عن نص الكاتب الروسي” نيكولاي غوغل” كان بمثابة نقد اجتماعي لاذع ضمن اسقاطات فرجوية هادفة ، تناول عديد المواضيع من الرشوة والفساد والاستغلال .

و” ريفيزور” كلمة روسية معناها ” قاضي دائرة المحاسبات” ، أين سعى المخرج لتعرية كثير من الفساد ومعالجة موضوع القيم والانحلال الخلقي ، بإسقاط واقعي يساير الآنية بالمجتمعات .

الحكاية استهلت بإحدى المدن النائية والتي تعرف فسادا شاملا وعامّا ، ليتمّ السعي الى إرسال من يتقصّى الوضع ويأتي بتقرير مفصل وشامل عن الوضع بتلك المدينة العفنة بالفساد بشتى أشكاله ، ويتمّ التباحث في أمر من سيتفقد المدينة ضمن مربّع يشمل قاضي القضاة ، مديرة مستشفى ،مدير مدرسة و مدير بريد ، فيتمّ تبادل التهم بين الجميع ضمن نقاش حادّ وساخن ، يتّضح أن للفساد أكثر من ملمح ووجه .

مع التأكيد على ضرورة رفع الأصوات لإعلان الفساد ، فالسكوت عن سوء الوضع بأية جهة يعدّ فسادا ، فالصمت عن سوء الوضع في المستشفى فساد ، والصمت ضدّ فساد المدرسين واستغلالهم للتلاميذ عين

الفساد ، وإصدار أحكام بشكل جزافي دونما الاستناد على دليل أو برهان أمّ الفساد ، واستغلال منصب الدولة أو هيبتها لمآرب شخصية قمّة الفساد ، فذلكم الأخير دودة تنخر جسد الأمّة .

الممتع في العرض ، توظيف السخرية بشكل يحمل على المتعة ، وأن كلّ شئ به قائم على الصدفة وتراسل الأحداث ، فجاء العرض عملا نقديا للظواهر الاجتماعية المستثيرة بالمجتمعات ، وما قدّم بسخرية كانت أنجع سبيل لشدّ انتباه الطفل وترسيخ الحكمة والهدف لديه .

صفوة القول ، أنّ  غالبية العروض المسرحية الموجهة للطفل التي احتضنتها دار الثقافة ” فريد غازي” في ضوء فعاليات  مهرجان  فرحات يامون في دورته السادسة والعشرين في محور ” المسرح والتراث”  ، اتّسمت بالجديّة في طرح مواضيعها ، بالسلاسة في حواراتها لتوصيل الرسالة الى الطفل ، باعتماد تقنيات الفرجة الهادفة التي جلبت اهتمام المتتبع الصغير وحملته على التفاعل والمشاركة تلقائيا ، كما كشفت تلكم العروض عن تجارب واعدة في مجال مسرح الطفل كل بأسلوبه وطرائقه ، كما عرّت شغف جمهور الغد وتوقه للمسرح ، مع تحصيل التنوع والثراء في المواضيع المتناولة وأهداف كل عرض مسرحيّ .

لتأتي العروض المبرمجة ضمن فعاليات العرس المسرحي العربي هادفة بالدرجة الأولى ، فيها دعوة صريحة للتشبت بالمبادئ والقيم والحفاظ على أصول التربية السليمة ، ناهيك عن حمل الطفل على التفاعل والتجاوب الايجابيين ، فهو أكبر ناقد مستقبليّ وهو جمهور الغد المعوّل عليه في رهانات المسرح الواعدة ، ليستلم بدوره دفّة الابداع ويحرّكها نحو أنجع سبيل بأرقى السبل والطرائق خدمة لأبي الفنون في لغته الانسانية السامية .

عن عباسية مدوني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.