عين على المسرح -برزخ استفهامات عالقة حول شهداء الثورة الـــحــكــرة نضال في وجه الظلم والقهر -بقلم : عــبــاســيـــة مـــدونــي – سيــدي بلـعــباس- الــجــزائــــر

في ظل فعاليات مهرجان دوز العربي للفن الرابع في دورته الحادية عشر على شرف المرحوم

” ابراهيم بن عمر “  ، والذي عرف مشاركة دول عربية من الجزائر ، المغرب وليبيا ، كان للعروض التونسية حصّة الأسد ، حيث تمّ عرض عديد العروض المسرحية من دولة تونس ، أين عرفت دار الثقافة  ” محمد المرزوقي” برمجة عرض مسرحي مزج  بين الكوميديا والدراما أين لامس الأبعاد الراهنة ما بعد الثورة ، كما طغى عليه الخطاب السياسي المباشر وغير المباشر .

أولى العروض كانت بعنوان ” بـرزخ” للمرحوم ” إبراهيم بن عمر ” واللمسة الإخراجية السينوغرافيا لـ“حافظ  خليفة ” ومن توقيع جمعية مدى المسرح  من الجنوب التونسي بمدينة تطاوين ،  حيث تناول العرض قضية شهداء الثورة  ، مرتبطين بسؤال بارز مفاذه : هل مصير أولئك الشهداء البرزخ الموعود ؟

وسط جهد بارز للممثلين وطاقة واضحة لإيصال رسالة العرض ، حيث الاستفهامات عالقة بمن هو أحق بالبرزخ ، ناهيك عن الملفات موضوع البحث والتنقيب بين جريح وشهيد ، وان كان جميعهم راضون عما يجري بتونس اليوم .

 

باعتماد تقنيات خيال الظل وسينوغرافيا متحولة ، شخّص المخرج جلّ مراحل إمكانية العبور ، معتمدا على عديد اللوحات ، وعلى الرغم من أن العمل تمّ مع مجموعة من الهواة إلا أنه كشف عن إمكانيات واضحة في التمثيل والرغبة في تشخيص لوحات العرض ، معتمدين الكوميديا والجديّة في الطرح مع استحضار البعد التاريخي وذاكرة الثورة حتى لا يشوب الحقائق النسيان ، وتغدو المراحل الراهنة والآتية محلّ نقاش وجدال بغية الوصول الى الحقيقة المطلقة في ظلّ التهميش والتزوير ، وتغييب دور الإنسان  كعنصر فاعل في لعبة التلاقي والتواصل واستعراض حقيقة الأمور بمنأى عن تشويه الدين الإسلامي ، مع استحضار مآثر التضحية ووضع ” سناء محيدلي “ كأنموذج حي لذلك ، فكانت صوت الأمة وهمس النضال وصدى المقاومة وهي تغادر الوجود في ريعان شبابها حينما نفذت عملية استشهادية ضد العدو الإسرائيلي في لبنان وهي في ربيعها السابع عشر، وكان العبور الى البرزخ بمثابة واجهة للعديد من اللقاءات والتعرف عن قرب عن فحوى نضال كل طرف ، وهل سيظل ملفه عالقا أم سيسمح له بالعبور .

كان العرض بمثابة الكوميديا السوداء التي تنبش في الحقائق ، وتعمل على تمحيص الرؤية الواضحة لإبراز الشهيد الحق والأحق بالبرزخ ، بعد سفر الشخصيات الثلاث باحثة عن الخلاص وهي عالقة بين الدارين وهم مختلفي الفكر والتوجه ، القاسم المشترك الوحيد بينهم الفضاء الذي يجمعهم والرصاصات التي اقتنصتهم ، أين لامسنا عالم الأموات ، وعايشنا التناقضات والصراعات المطروحة ، بين زمنين متناقضين ، للبحث فيماهية ” الــشــهيــد” بين عبث الموجود وعتمة ما ينتظرهم .

العمل المسرحي ” بــرزخ ” صمت وشهقة يضيقان الخناق على المجتمع التونسي والعربي بشكل عام ، أين النضال واضح بغية تحصيل الحرية والكرامة  ، مع انتظار التحرّر من ربقة التشوه الحاصل بحجة الاستشهاد وتحصيل الحريات المغتصبة .

أما ثاني العروض فقد احتضنته دار المسرح دوز ، وكان من توقيع فرقة المشهد المسرحي القنيطرة من المغرب ، تأليف ” بديعة الراضي” ، اخراج الفنان ” محمد الزيات” ، لمسة السينوغرافيا لـ” مصطفى العلوي”  ، مع تشخيص للفنانة ” ماجدة زبيطة ” .

” الحكرة ” دعوة واضحة لمجابهة الصمت والتحرر من قيوده ، وتشخيص للقهر والسلطة الظالمة في زمن الشعارات الجوفاء والادعاءات الكاذبة الصادحة بزيف الحرية ، وكان العرض مونودراما شاخصة ببعد سياسي تعالج قضايا الوطن الأم والدول العربية وما ترزخ تحت نيره في ظل الصمت والاكتفاء بدور المتفرج ، واعتمدت الممثلة في أسلوب تشخيصها العرض الحوار المباشر مع الجمهور وإشراكه في اللعبة الركحية من خلال استعراض القضايا المطروحة بالقرب منه ، مع تسليط الأضواء على ما يكابدونه كل يوم ، وفي هذا كسر للجدار الرابع ، كما صاحب العرض وصلات من الغيوان وزجل لــ” عبد الاله المتوكل ” .

وقد ارتكز العرض على معالجة البعد السياسي وامتزاجه بالبعد الفكري وما ينعكس جرّاء ذلك على الاتجاه

الفني ، مستندة على المطالبة بالعدالة والمساواة ، الكرامة والحرية وهي مطالب شرعية راح ضحيتها قوافل من البشر نتيجة سفك الدماء ونشر الفوضى ، مع استعراض نضالات من ذهبوا جرّاء المطالبة بالحقوق المشروعة في أوطان تدّعي الديمقراطية والحرية كواجهة لإراقة دماء الأبرياء ، فكانت صرخة مدوية رسالتها ” كفانا من الحكرة ، من الظلم ومن القهر ” ، حيث تمكنت الممثلة ” ماجدة” من ضبط الايقاع العام لعرضها المونودراما ، على أمل أن يصل صدى الطرح الفني وهو يعري وجع الأمة العربية قاطبة .

عن عباسية مدوني

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.