(عين) الفضاء التجريدي وسردية الفعل في مسرحية “خريف التماثيل” – العراق

” لم يعد الفعل قادراً على تحمل مفاهيم الكلمة القديمة ، وأصبح من الضروري على الفعل أن يشيد ذاته عبر الفن”
جوزيف شاينه

إن هيمنة الفعل وبالتالي اللغة البصرية مقابل تسيد الكلمة أو تفكيك المادة وإعادة صياغتها أو كما يسميها شاينه بـ ( الانبلاج ) , يمكن أن تشكل مدخلاً لقراءة عرض مسرحية ( خريف التماثيل ) للكاتب عمار نعمة جابر وإخراج الشاب علي حسن بإشراف د . ياسر البراك ، حيث قدمتها جماعة الناصرية للتمثيل على قاعة النشاط المدرسي ليومي 9,8/2/2016 . فمن خلال هذا المفهوم نجد أن النص يعالج في ثيمته المركزية موضوعة الديكتاتور، بوصفه سلطة قاهرة سلبت الإنسان كل شيء وفي مقدمتها إنسانيته ، وقد وضع المؤلف الديكتاتور في خريف حياته تحديدا على مصطبة غسل الموتى , لتبدأ اللحظات الدراماتيكية وهو مسجى أمام غاسل الموتى ليحاكيه الأخير عبر استرجاع الوجع الإنساني الذي أفرزته جرائم الديكتاتور من قتل وتهجير وانتهاك الحريات ومقابر جماعية وتأثيرات ذلك على سيكلوجية المواطن , وعلى الرغم من هذا الاسترجاع المؤلم الذي جاء عبر شخصية غاسل الموتى في الهزيع الأخير من الليل , والتي لعب فيها الشبح المفترض دورا فاعلا بوصفه محركا للأحداث إلا أن الأحداث وقعت أسيرة المحلية وبالتالي وقع النص في بعض من تفاصيله في المباشرة , على الرغم من محاولات الكاتب في البحث عن مساحات تأويلية كونية , حيث ينتهي الحال بإعادة الحياة إلى جثه الديكتاتور , المسجاة , ليقوم المؤلف بإحداث ( صدمة مرجعية ) عبر إرسال رسالة مفادها : أن موت الديكتاتور أنتج لنا حياة لديكتاتوريات جديدة لعل في مقدمتها ديكتاتورية التطرف المتمثلة بالإسلام السياسي الذي فشل في إدارة العملية السياسية في البلاد طيلة المدة الماضية .
جاءت الرؤية الإخراجية لتخلق نصا محايثا لنص المؤلف عبر تجريد المكان وخلق فضاء مكفَّن عبر تغليف الفضاء بالقماش الأبيض وتجريده إلا من الإطارات الحديدية الثلاثة حيث يُشير تكفين الفضاء إلى دلالة فكرية تتمحور حول احتضار العالم وشعوره الموشك على الموت , وهنا يأتي الفعل الإخراجي ليلعب دورا مركزيا في خلق أنساق جمالية وعلاماتية في خضم هذا التجريد المادي للشكل , بل حاولت الرؤية أن تسرد الكلمة , عبر تشكيلات فنيه سواء على مستوى المفردة المركزية ( الإطارات الثلاثة ) أو عبر جسد الممثل وصوته أو من خلال إضفاء الجو النفسي العام عند المتلقي . وفي كل تلك التحولات أنتجت الرؤية خطابا جماليا يحمل ثيماً متعددة عبر المساحة الإبداعية التي أوجدتها بين الكلمات التي تميز بها النص , وبين الفعل البصري الذي كان رهان الرؤية الإخراجية . ومن هنا فقد عبأت الرؤية تلك الإطارات بدلالات واضحة عضَّدت خطابها المسرحي عبر التحول العلاماتي المستمر , ومن تلك الدلالات ( صورة , مرآة , مصطبة , جثه , سلم , جدار مقصلة , الخ ) وقد ساهمت تلك التحولات بإيجاد أنساق تأويلية غلَّفت الخطاب الجمالي ومنحته بُعداً كونياً ليحدث الانجذاب والتوحّد مع الآخر كما أنها ،أي الأنساق التأويلية، خلقت جسورا تواصلية عبر فتح ممرات معرفية وجمالية مع المتلقي على الرغم من أن كل ذلك كان يسير في حقل ألغام دقيق جدا , أوجدته الرؤية الإخراجية , بسبب الإشكاليات الموجودة في المدونة النصية وأساليب المعالجة من قبل الرؤية والأخيرة كانت تعي خطورة الموقف , وعبر ذلك يمكن القول أن الفضاء المسرحي التجريدي الذي أوجدته الرؤية الإخراجية اتسع وتقلّص بحسب المعايير الفكرية المتمثلة في نص المؤلف من جهة والقوالب الجمالية لتلك الأفكار بحسب الرؤية الإخراجية من جهة ثانية ، بمعنى آخر أن الرؤية حاولت أن تقلص من الكلمة بقدر المستطاع لتعطي مساحه أكبر للفعل , وهذا هو ديدن التجريب في الفعل المسرحي الحديث , الذي سعى الإخراج إلى تحقيقه عبر البحث عن سيميائية الفعل المُنتج ، وأنطولوجيا المعنى المتمظهر , أما بالنسبة للمنظومة الأدائية التي جسدها الممثلان الشابان , حيدر الطيب ( غاسل الموتى ) ، وكرار عبد العالي ( الشبح + الزعيم ) ، فيمكن أن أسميها بـ ( التظاهرة الأدائية ) , وهذا يعني أن الأداء منذ اللحظة الأولى كان يروم تحقيق أهداف محددة وأن الممثلين بوصفهما متظاهرين يحملان شعارات ضد الوضع القائم كانا مؤمنين بها وبالتالي قدما وهما بهذا الوصف , أقصى غايات الأداء للوصول إلى الهدف وهذا ما فعلاه , فقد كان ثمة هارموني بين الصوت والجسد والإحساس والفعل والعناصر البنيو – رؤيوية المرافقة للفعل الأدائي المجسد في نسق العرض , لكنه بغياب التمارين المتواصلة إنخفض إيقاع الممثلين في المشاهد الأخيرة وبدأت الحيوية تقل خصوصا عند الممثل حيدر الطيب , الذي كان يؤدي الشخصية الرئيسة بوصفها شخصيه ( مونودراما ) على الرغم من الجهد المميز الذي بذله ، ومن جانب آخر ساعد في تطور الأحداث وخلق أجواء مناسبة ، ولأول مرة في عروض مدينة الناصرية ترسم الإضاءة بريشة الفنان عمار سيف لوحة اختزلت الكثير من الأفكار والمعاني المبثوثة في العرض , كما أنها استطاعت أن تماهي القيم الدراماتيكية في العرض مع حركه الممثل بمساندة الموسيقى لعمار نعمة جابر , حيث شكلتا( الإضاءة ، الموسيقى ) روح العرض بل كانتا الحياة التي تنتج العلامات الموجودة في الفضاء التجريدي , وقد أعطت الحيوية للمتغيرات التشكيلية التي كانت تتماشى مع التركيبة الفنية للدوال الموجودة في العرض .. كما أنها أوجدت خطوط تواصل مابين المتناقضات المتمظهرة نتيجة للفعل الإخراجي أو التي لوح لها الفعل عبر المتخيل لتعطينا نسيجا مؤتلفا في جماليات المكان..
لقد أثبتت جماعة الناصرية للتمثيل في عرض ( خريف التماثيل ) نهجها في تبني مواهب الشباب وتطويرها حيث يُعلن هذا العمل عن ولادة مخرج مسرحي شاب نأمل أن يتواصل جهده مع الجماعة في رفد الحركة المسرحية بطاقات شابة مبدعة كما عودتنا الجماعة عبر مسيرتها المسرحية منذ عام 1992 وحتى اللحظة الراهنة .

———————————————————————

المصدر : مجلة الفنون المسرحية – حيدر جبر الأسدي – المدى

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.