أخبار عاجلة

عن كتاب “بورقيبة والمسرح” لعبد الحليم المسعودي حاتم التليلي – فلسطين

عن كتاب “بورقيبة والمسرح” لعبد الحليم المسعودي

حاتم التليلي

منذ قدم القديم، كان “ثيسبس” يجرّ عربة الاله العاق ديونيزوس “آكل اللحم البشريّ”(1)كما حمل من جملة أسماءه، ويعيش صخب الصيرورة المسرحيّة في جيناتها الأولى، بما تحمله من مخاض صعب يبشّر بولادة هذا الفنّ، حتّى أنّ السياسي “بيزاستراتوس” فيما بعد أشرف على مهرجان ديونيزوسي بالكامل، ومن ثمة كان أن رفعت الاحتفالات الجمعية من الساحات العامة إلى أفضيتها وقاعاتها، مرورا بقصائد الشعراء التراجيديين الغابرين، إلى أن حلّت فلسفة القرن الرابع قبل الميلاد  فأرست له جملة من القواعد والضوابط.

نأتي بمثل هذا التقديم ونحن إزاء قراءة كتاب “بورقيبة والمسرح” لعبد الحليم المسعودي، لا من باب مشابهة تقول بأن هذا المؤلف  “ثيسبس” أو فيلسوف جديد، أو إنّ ذلك الرّئيس الغابر زعيم سياسيّ أشبه برجالات الإغريق، ولكن مقصدنا يتنزّل في خانة  التذكير بأن المسرح منذ قدمه كان على علاقة بما هو سياسيّ منذ أن تمّ “احتواؤه ونشره من لدن الأرستقراطيّة”، حتى أنّه “أضحى  متضمّنا داخل البناية “(2)، وليس ثمّة من ينكر الآن على الحبيب بورقيبة خلوّ سلّة حكمه من اهتمام بالفعل المسرحيّ كما يثبته خطابه في أوائل ستّينات القرن الماضي – بغضّ النظر عن الموقف السياسي بين من هرول إليه أو عارضه، وعن تاريخه السياسي-.

وبما أنّ راهننا جعل منه “حصان طروادة” أو مثابة “وليّ صالح”(3) منذ أن تمّ  رفده من قبل أحزاب عديدة بغاية توظيفه داخل لعبة الشطرنج السياسيّ عسى أن تتمّ عمليّة كنس الوحش الظلامي، فإنّ ذلك قد يفضي بالقول –نسبة إلى البعض- أنّه ثمّة دافع ما يجعل من كتاب كهذا يطفو على الساحة المسرحية، ولكن قولا من هذا القبيل لن يتبنّاه غير ناقد يجد اقامته في مستنقع سياسيّ، ما يحملنا إلى عدم الاهتمام بمبرّرات مولد هذا الكتاب بقدر الاشارة ما اذا كان ثمّة في مضمونه أنصال ضدّ ورم أصاب مسرحنا التونسيّ ولم يجد له حلولا بعد.

من حيث الجانب الشكلي، امتدّ هذا الكتاب على ما يقارب مائتي صفحة، وتضمن احدى عشر فصلا، مع اعتبار المقدمة والخاتمة وجملة الملاحق المتكوّنة من نصوص ووثائق تلتها الأيقونوغرافيا، ولأنّنا طرحنا سلفا من مقالنا المغزى من سؤال “لماذا بورقيبة والمسرح”، فإنّ ذلك سيجعلنا نقتفي أثر الفصول جميعها وما تضمنته من معلومات واشكاليات بخصوص متن هذا الكتاب.

ما الذي دفع بصنم الآن، زعيم الأمس، عدوّ  هؤلاء، ملهم أولئك، ليكون رجلا تصحبه غواية الفنّ المسرحيّ منذ طفولته؟ سؤال نظفر بإجابته منذ الفصل الأوّل وقد عنون بـ”الهروب إلى الفردوس”، وتكفي هذه العتبة لتحيلنا إلى أنّه ثمّة تراجيديا ما، مؤلمة، مفزعة، يعايشها الطفل الحبيب بورقيبة، دفعته إلى البحث عن جنّة من خلالها يكون ثمّة ضرب من ضروب “التطهير”، وشاءت له الصدفة أن يجدها في المسرح، ولكنّها ليست صدفة بالمعنى الميتافيزيقي، إذ أنّ هذا الطفل صاحب “الحذاء الرثّ” والذي “عايش حوادث الجلاز” كما “شاهد مشهد إعدام محمد المنوبي”(4)، تسنّت له عمليّة اكتشاف الفعل المسرحيّ من خلال شقيقه “محمّد بورقيبة” ونشأته في حاضنة قرّبته إلى ذلك.

أمّا الفصل الثاني، والذي حمل عنوانه “غواية قبلة المسك”، فقد كان استكمالا للأوّل، من خلاله تمّت الاشارة إلى ذلك الطفل وهو يدرج أولى خطواته على الرّكح معيّة “حبيبة مسيكة”، تلك التي  لها غير القليل من كروموزوم الأنوثة(5)، حيث منحته جحيم قبلة مشتهاة في حين أنّها حرمت منها حبيبها اليهوديّ. هذا الجانب النفسيّ/السيكلوجي كان له الدور الكبير في تعلق ذلك الطفل بالفنّ المسرحيّ، سيّما اقترانه بلحظات مواجهة ضدّ المستعمر الذي منع عرض “شهداء الوطنيّة”، ما جعل الأمر يغذّي الوعي السياسيّ لديه أيضا.

يكشف لنا الفصل الثالث كما الرابع، عن السيرة البورقيبية من حيث ازدياد تعلّقها بالفنّ المسرحيّ، واستكناه وظيفة الفنّ، وامكانيات استثماره السياسيّ، فمن متابعته للعروض المسرحيّة الفرنسيّة(6) أين سافر إلى هناك إلى تعلّقه بالفرجة على مجمل خطابات السياسيين، ما جعلنا نكتشف مرمى مؤلّف هذا الكتاب، إذ هو يسعى إلى جعل بورقيبة أثرا فنّيا، أو ربما يدرس هذا الرجل من زاوية كونه فرجة في حدّ ذاته، وهو ما نكتشفه فعلا من خلال التركيز على المقدرة الخطابية له وما تتضمنه من أداء تمثيلي حقّق له كاريزما  مكنته من “بسط نفوذه كبطريارك سياسي أثناء بناء الدولة التونسيّة”(7).

هل خذل بورقيبة المسرح باستثماره سياسيّا؟ هل هذا الذي يبعث من عظامه الرّميم -كوحش حداثيّ في نظر البعض- رجل مسرح أم إنّه محض أثر فنّي تتحقّق فيه مقوّمات الفرجة وعناصرها؟  وإذا كان قد جمع بين هذا وذاك: هل حمل في جعبته الفكريّة (وهو السياسي والمحامي) تصوّرا فنّيا ومشروعا مسرحيّا ما؟

تدفعنا هذه الأسئلة جميعها إلى ضرب من الاقامة في الفصل الخامس، مساءلة وبحثا، أو استنطاقا لقراءة مؤلّف الكتاب، عبد الحليم المسعودي، لبيان بورقيبة: ثمّة دقّة علميّة نكتشفها من خلال كيفيّة تناول ذلك البيان، من حيث التركيز على أجساد مصطلحيّة تضمنها، لها مدلولاتها في الحقل الجمالي والفلسفيّ من قبيل “الفنّ الجميل” و”الفنّ الجليل”، والاشارة إلى تشبّع هذا الرجل بالمعارف والآداب والفنون(8)، ما يحيل إلى أنّ بورقيبة له سعة اطلاع وتكوين شاسع، لكن من ثمّة ذهب الباحث إلى الكشف عن المنظور البورقيبي للمسرح من حيث ارتكازه على بعض الشذرات التي يلتقطها من البيان، وأن يتمّ تشبيهه بنابليون بونابرت، فهذا وحده كفيل بجعلنا نفهم أنّ مشروعه المسرحيّ وإن كان يهدف إلى “خدمة الأمة”(9) من حيث جوانبه التعليميّة وتغذيّة الحسّ الوطنيّ فلن يخرج، من ناحيّة، عن دائرة تضخّم الأنا السياسيّة.

ومن ناحيّة أخرى سيجعلنا نساءل بورقيبة نفسه عن تقنيات بناء هذا المشروع من حيث اللامركزيّة الثقافية، وهو الذي وجد إقامته المسرحيّة في المسرح البلديّ، والجوانب الهيكلية والتنظيمية بغية ترجمة مشروعه على أرض الواقع؟ أمّا أن نساءل الباحث أو الناقد عبد الحليم المسعودي عن ذلك، عند حدود هذا الفصل الخامس، فهذا ما لا يمكننا فعله إذ حاصرنا منذ البداية بوصف كتابه على أنّه “قراءة في أطياف بيان تأسيسيّ”، لا محاكمة سياسيّة ومسرحيّة من خلالها ندين أو نمجّد الحبيب بورقيبة. لنترك هذا “الزعيم” الذي استبدل حذاءه الرثّ بالنظر في مرآة حذاء زوجته وسيلة كما روى لنا الاعلاميّ الصافي سعيد في كتابه الحمى 42 درجة،  جانبا، ولنبحث عن لحظة انتقال في المسرح التونسي مضت معه.

ليس ثمّة من شكّ حين ذهب الباحث عبد الحليم المسعودي إلى القول بأنّ دوافع خطاب بورقيبة كانت ذاتيّة وسياسيّة في نفس الوقت، منها ولعه بالفنّ المسرحيّ، ومنها الرّهان الذي جعله يوظّف هذا الفنّ خدمة لمشروعه السياسيّ، فتتقاطع على إثر ذلك كاريزما الذات بما يتطلّبه الرّاهن من لعبة شطرنج ضدّ الخصوم السياسيين، سيّما من حيث ما تتضمنه سلّته الفكرية والإيديولوجية التي منبتها وترعرعها في تربة ذلك الفنّ. لقد تمّ وصف خطابه على إنّه مانيفيستو من جهة كون المسرح له من الأدوار دور البناء والتشييد التي تتطلبه الدولة التونسيّة أنذاك، ودور تفكيك القديم والقطع مع ما هو تراث تمّ وصفه بالمأزوم، ودور التربية وما هو تعليميّ،  في اتجاه مرمى عنوانه الايتيقا المسرحيّة.

وفي نفس السياق، عطفا على قراءة المسعودي لذلك الخطاب، نجده ينبّهنا غلى مسألة جدّ مهمّة، ألا وهي “تغوّل” “ذات المتكلّم”(10) وطغيانها، كما لو أنّ الجانب التوجيهي –لذلك الخطاب- كلام مقدّس لا ريب فيه، ما يعكس ويثبت باطرياركيّة بورقيبةمن جهة وانتماءه إلى الشكل الحداثيّ الفرنسيّ، حتّى المنتفعين من ذلك لم يكونوا غير فئة من البورجوازيّة من خلالها تمّ التعويل على ما هو  شكليّ لا عضويّ “يعبّر عن عن احتياج شعبيّ”(11)، ما جعل من الدولة تبسط سلطتها على الفعل المسرحيّ من منطلق الوصاية والقناعة الايديولوجية، وجدت تحقّقها أيضا عبر تبنّيها من قبل  بعض الفنانين والمسرحيين.

يتّجه الباحث فيما بعد إلى تسليط الضوء على جملة من التجارب المسرحيّة وبعض روّاد المسرح التونسي كعلي بن عيّاد وعز الدين المدني، كما لا يغفل الاشارة إلى عديد من المآزق الهيكلية لهذا الفنّ، وذلك من زاوية البحث عن البعد العلائقي بين المسرحيّ والسياسيّ، وما اذا كان الأوّل يحمل نفس الرهان الايديولوجي والمشروع السياسي للثاني أم يعارضه، ذلك أنّ السؤال الأهمّ بالنسبة لمؤلّف هذا الكتاب كان مفاده ما اذا كان خطاب بورقيبة قد نجح في “إلغاء تطلّعات مسرحيّة وجماليّة أخرى في المسرح التونسيّ؟”(12).

ومن منطلق ذلك التساؤل، يقودنا الباحث إلى الحفر في طبيعة العلاقات تلك، عبر ضرب جملة من الأمثلة التي أرفدها لنا من سيرة المسرح التونسيّ أنذاك، ومن تمّت تزكيّة مسرحه لأنّه لم يتجاوز الخط الفنّي المحدّد سلفا من قبل “الطيف البونابارتي”، ومن تمّت عمليّة تهميشه أو منعه، سواء كان التجأ إلى التجريب أو حاد عن مشروع ذلك “الباطرياركي”، ولأنّ لكلّ ذات تضخّمت مصير تصدّعها في النهاية، فقد نزح بورقيبة آخر أيام حكمه إلى مسرحه “المغلق داخل القصر”، حاملا جمرة غضبه وعجزه على “تأديب المسرحيين بكّازته”(10)، كما لو أنّ مشروعه هو الوحيد الأجدر بالكينونة والممارسة.

ولم يعد يذكره الآن غير بعض المسرحيين والسياسيين، إذ ثمّة من يدلي برأيه فيدّعي أنّ هذا الرّجل له فضل عظيم سياسيّا ومسرحيّا، وثمّة من عجز على بناء المستقبل السياسيّ فارتدّ خطوة إلى الوراء، بينما فضّل آخرون الهجرة إلى معادلة فنّية وجماليّة أخرى، بينما تطوف روح ذلك الصنم بين مريد وملحد، قراءة وتفكيكا، مديحا وهجاء.

________________

1- المسكيني (فتحي): “الهوية والحرية: نحو أنوار جديدة”، جداول، بيروت-لبنان، ط1، 2011،  ص 192.

2-  أمين (خالد): “الفن المسرحيّ وأسطورة الأصل”، منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية، تطوان، ط1، 2000، ص 55.

3- المسعودي (عبد الحليم): “بورقيبة والمسرح”، دار آفاق- برسبكتيف للنشر، تونس، ط1، 2016، ص 09.

4- (م،ن)، ص 24/25.

5- (م، ن) ص 32.

6- (م،ن)، ص 43.

7- (م،ن)، 51.

8- (م،ن)، ص 59/60.

9- (م،ن)، ص 67.

10- (م،ن)، ص 97/98.

11- (م،ن)، ص 100.

12- (م،ن)، ص 183.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.