«شامـان» رحلـة روحيـة للبحث عن الـذات : هند سلامة

المصدر : روز اليوسف : نشر محمد سامي موقع الخشبة

«شامان».. قد يوحى الاسم بالغموض عند سماعه للوهلة الأولى، لكن عندما تدخل فى الأجواء الروحية أو الطقسية التى صنعها المخرج والمؤلف سعيد سليمان بقاعة مسرح الغد سوف تكتشف حقيقة هذا الاسم، «الشامان» أو «الشامانية» هى ظاهرة دينية بدائية من أديان شمال آسيا تتميز بالاعتقاد بوجود عالم محجوب، وهو عالم الآلهة والشياطين وأرواح السلف، هذا العالم لا يستجيب إلا للشامان وهو كاهن يستخدم السحر لمعالجة المرضى، فهم سحرة دينيون يدعون بأن لديهم قوة تتغلب على النيران ويستطيعون إنجاز الأمور عن طريق جلسات تحضير الأرواح.

الغرض الرئيسى للشامان هو المعالجة، والشامان الناجح يتمكن من السيطرة على الأراوح التى يعمل معها ويستطيع التواصل مع الموتى ويجب عليه معرفة كيفية استخدام الأمور الطقسية مثل قرع الطبول بالإضافة إلى حفظ الأغانى المؤدية لهذه الطقوس.
رحلة البحث عن الذات
بنى سليمان فكرة عرضه على معنى كلمة «الشامان» الموجودة فى الأسطورة القبلية بشمال آسيا، واتخذ من المعنى الإيجابى له عنوانا وصياغة لعمله المسرحى فى الشكل والمضمون، فاعتمد فى تناوله للأسطورة على البحث عن المعالج الروحانى داخل أنفسنا، فبدلا من الاستعانة بهذا الشامان الذى يدعى قدرته على المعالجة نفسيا وروحيا، قرر سليمان أن يدعونا للبحث عن شاماننا أو معالجنا الروحانى الذاتى، ليصبح هذا الشامان معتمدا على قدرتنا الذاتية والفردية فى اكتشاف مواطن قوتنا وضعفنا ثم الوصول إلى العلاج بجهودنا الذاتية دون الحاجة إلى مساعدات خارجية.
الأوبرا الطقسية
دأب سليمان على استخدام مصطلح «الأوبرا الطقسية» فى صناعة عروضه والتى تتلخص فلسفتها فى اقتران الغناء بالعزف الموسيقى الحى من أبطال العرض أثناء أدائهم لرسالته، استخدم هذا التكنيك فى عرض «الإنسان الطيب»، ثم فى عرضه الأخير «شامان» وإن نقصت مساحة الغناء فى هذا العرض عن العمل الماضى فلم يكن استخدام مصطلح الأوبرا هنا دقيقاً خاصة وأن الغناء لم يعتمد على الشكل الأوبرالى المعتاد باستخدام مساحة عريضة ومفتوحة من الأصوات، لكن فى كل الأحوال استخدم المخرج طقوس العزف على آلات الدفوف، الكمان والأكورديون، والآلات الحديدية والخشبية، يبدأ العمل بخروج أبطال العرض بالعزف على هذه الآلات والتغنى بشكوى صراعهم الإنسانى، وحوار بين كل فرد وقرينه أو شيطانه الذى يغالبه.
التجرد من قواعد المسرح بالعزف والغناء
عادة ما تقترن هذه الطقوس خاصة ولو تم وضعها فى إطار ديكور يشبه نقوش المعابد الفرعونية القديمة وبعض الرسومات والصور لأشكال شيطانية وكأنك فى محفل لتحضير الأراوح، وهو ما أراده بدقة مؤلف ومخرج العرض فمن خلال هذا العمل المجرد من القص الروائى أو الدرامى والمعتمد فقط على الإنشاد الصوفى فى استعراض صراع الإنسان مع قرينه أو شيطانه الذى لا يريد له الحياة فى هدوء وسعادة وقد يبث داخله دائما مشاعر الفشل وسوء الظن بكل شيء ويحثه على كراهية الحياة التى أصبحت بلا جدوى، خرج الممثلون فى البداية عازفين مرتدين الملابس السوداء وبدأ كل منهم فى اتخاذ موضعه بالقاعة فمنهم من سجن بين السلالم المائلة ومنهم من سقط على الأرض ومنهم من يحاول تسلق الأحبال للصعود والخروج من ذاته إلى أعلى، ويظل هذا الصراع مستمراً، حتى يرتدون الأقنعة التى يتمثل فيها كل منهم بقرينه ثم يدور الحديث والصراع مع هذا القرين، مرددين عبارة «سأصبح لنفسى شامان منتبها للنور والظل والألوان» أى سيصبح كل فرد هو المعالج الروحانى لنفسه، فى رحلة بحثه عن ذاته التى تاهت واحترقت فى صراعه مع عالمه الداخلى والخارجى، فلكل منا صراعان صراع مع نفسه للعثور عليها وعلى ما يضمن لها الراحة والبقاء والاستقرار ومع العالم الخارجى الذى يحاول دائما إفساد بلوغنا لهذه الغاية.
التدقيق فى الشكل على حساب المضمون
كما سبق وذكرنا جرد المخرج سعيد سليمان العرض من قواعد المسرح التقليدية وهى التمثيل والسرد الدرامى بداية ووسط ونهاية، وأبقى فقط على الشكل الطقسى فى عرض هذا الصراع النفسى، سعيا لتحقيق حالة التجرد الصوفى والروحانى، وهو نوع من الجرأة الفنية أن يراهن المخرج على فرض عالمه الخاص وتجربته الفنية المجردة جدا على الجمهور ومن ثم تقبل الجمهور لهذا العالم والشكل المسرحى الجديد الذى لم يعتد عليه، وبالتالى هى تجربة تستحق التأمل، لأنها بالفعل نجحت فى إدخال الجمهور فى هذه الحالة الصوفية التأملية من خلال العزف الموسيقى، والسينوغرافيا الملابس والديكور والإضاءة، بينما لم تكن معالجة الصراع من خلال الإلقاء الشعرى والغنائى بالعمق الذى جاء عليه الشكل الخارجى للعرض، وكأن المخرج عالج بعض قشور الصراع الإنسانى الداخلى، ولم يتعمق بالقدر الكافى الذى بدا عليه، فجاء الإطار الخارجى الذى وضع فيه العمل أعمق من سرده الباطنى، بمعنى أن الأجواء كانت أشد تأثيرا وعمقا من أداء الممثلين ومن الجمل الشعرية التى تم استخدامها فى المقاطع المغناة، مست هذه الأشعار الشكل العام والتقليدى لصراع الإنسان مع قرينه أو مع الشيطان الذى يحاول هدم قناعاته دائما وصراعه أيضا فى بحثه عن ذاته، ولم يمس العمق الباطنى لهذا الصراع الذى يحمل الكثير من المعانى الداخلية شديدة الصعوبة والتعقيد، والتى لم تتضح بشكل متكامل، وكأنه حرص على التدقيق فى تفاصيل الشكل على حساب المضمون، فكونه يدعو للوصول إلى قمة التجرد للحصول على السعادة والهناء بعد أن عالج كل منا ذاته بنفسه دون انتظار معالج خارجى، هذه المثالية فى الطرح الصوفى بوصول الإنسان إلى غايته وارتداء الملابس البيضاء بعد تخلصهم من ظلمة وسواد عالمهم الكئيب حيث النقاء والصفاء النفسى والوجدانى، كانت فى حاجة إلى عرض تفاصيل صراع أشد صعوبة وعمقاً، فتحقيق قمة الصفاء عادة ما يأتى نتيجة وصول الصراع إلى ذروته..!
شارك فى بطولة العرض محمود، حسام، نهال، مصطفى، ميما، عبد الفتاح، نورا، زياد، ميرا، معاذ، إسلام، كاسبر، وسام، رامى، مستورة، منصور، سيلفيا، شمس، مارى، عمر، ديكور صبحى عبد الجواد، ملابس نهاد السيد، تصميم حركى محمد بيلا،  ألحان هانى عبد الناصر.

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.