ديناميكية الإضاءة المسرحية دلالات مهمة تسهم بنجاح العروض – جبار جودي

 

تتخذ إضاءة المسرح أوضاعاً متعددة في التعبير عن الجماليات المتنوعة في العرض المسرحي ، فمنذ أن وُجد المسرح لم يُعرف للضوء وظيفة أخرى غير الكشف عن مجريات الأحداث الدرامية مثل وظيفته الإعتيادية في الطبيعة ، وهي توفير النور الكافي لعين الإنسان كي يرى بها الأشياء على حقيقتها وطبيعتها . ومع اتخاذ المسرح أشكالاً جديدة في التقديم والتمثيل أوجدتها ضرورات التطور التاريخي من مغادرة البناء المسرحي المكشوف وضوء الشمس المباشر الذي ينير ذلك البناء ، الى داخل الفضاءات والقاعات المبنية في العصور الوسطى ، ومنها فضاءات الكنائس المغلقة ، حتى تطلّب الأمر توفير مصدر آخر من النور للكشف أيضاً عن الحدث الدرامي ، فجاءت المشاعل ثم الشموع والشمعدانات والمصابيح الزيتية ، وإن تباينت الإجتهادات في حينها في محاولة لتطوير وسائل الإنارة هذه واستخدامها استخدامات فنية تحاول جاهدة خلق نوع من التميز ومفاجأة الجمهور بتنوعها وحيوية تأثيرها والتخلص من مشاكلها وعيوبها المعروفة ، ومن ذلك محاولات مصمم  حفلات البلاط الإنكليزي إينيكو جونز. ثم تطور مشهدية المسرح بتطور التكنولوجيا وأنيرت المسارح بالغاز ومصابيح الكربون ، ومع إكتشاف المصباح الكهربائي حدث التغيّر الأوسع في جغرافية فن المسرح بشكل عام.  وبدأت وظيفة الإضاءة المسرحية تتضح من خلال الكثير من تنظيرات فناني المسرح الحديث وعلى رأسهم أدولف آبيـا الذي وصف الإضاءة المسرحية أوصافاً شاعرية ، مقارناً إياها بالموسيقى وجمالياتها وقيمها الدرامية المعبرة ، ولم يكن ينشد الإنارة العامة في تنظيراته بل الإضاءة البؤرية المركّزة والضوء المنضبط والموجّه الشبيه بنوتة موسيقية معبرة ودقيقة فالقوة التعبيرية للإضاءة تعمل على توحيد مفردات العمل الفني فالأضواء الحية التي تكتنف الممثل شأنها شأن الموسيقى التي تعبّر تعبيراً مباشراً عن روح العمل الدرامي . ان التطور في ميدان الإضاءة المسرحية ساهم بفاعلية متميزة في إرساء المفاهيم الجمالية والتعبيريـة المتنوعة في العروض المسرحيـة ، فالإضاءة أخذت تسهم مساهمة كبيرة في خلق الجـوالنفسـي العـام فـوق خشبة المسـرح وإبراز وتعميق القيم الدرامية ، وشحذ المنظر المسرحي بجماليات خالصة لايمكن لها أن تتوافر لولا حركة الضوء بشدّته وخفوته وحيويته وانتقالاتـه ، كذلـك تحكّمه في الإيقـاعات المسرحية المختلفة من خلال الإنتقـالات السريعة أو البطيئة وتنوع الألوان الباردة والدافئة على خشبة المسرح .

وتزخر الإضاءة بالدلالات التي تسهم جميع عناصر العرض في إنتاجها بتوهّجات تصل بالمتلقي الى حافة الدهشة ، والإرتقاء بذائقته الجمالية الى مستوى متقدم من الإدراك الحسي من خلال تفاعله المتواصل مع مايُقدم على الخشبة فالإضاءة والظل تسحب التركيب الحقيقي للمشهد الى هيمنة الخيال والوهم ، ويمكن أن يتحول الحدث الى رؤية ملموسة إن لم يتحول الى حلم ، ولايأتي هذا التعبير بالإضاءة بمفردها وإنما بتكامل وتظافر العناصر الفنية بمجموعها التي تنجز الصياغة الجمالية لشكل ومضمون العرض فالعناصر الإسلوبية تتضافر لتخلق الجمال ، لامجرد أداء المعنى وحده ، بل صياغة الشكل الأروع ، فالصورة المسرحية المعروضة على خشبة المسرح بتفاعل جميع عناصرها في التعبير عن الشكل والمضمون تجد صدى إبداعها وتأثير جمالياتها في عين المتلقي وحواسه الأخرى ، من خلال تفاعله في صياغة المرئي والمسموع والملموس والمحسوس الى معاني يفهمها ويفسّر طبيعتها ، وهذا يحيلنا الى إبداع الفنان الذي أنتج شكلاً معبراً ، وإدراك المتلقي لهذا الشكل وطبيعته ومعناه ففي إستعراضات الأداء نجد الإبداع والإدراك متزامنان ، حيث يحدث تبادل إتصالي بين الفاعلين والمشاهدين ، تفاعل حقيقي ، يؤسس لمطلب إتفاق بين الطرفين حول المكان والزمان حيث الحدث ووقوعه ، وهذا ماتؤكده سوزان لانجر أيضاً حيث تقول أن الفنان  يبدع شكلاً ، وهذا الشكل المبدع هو مايدركه المتذوق ، وعلى هذا يكون الشكل مُبدَعاً ومُدرَكاً في ذات الوقت .

صورة متكاملة

فالإضاءة هي المحرك الرئيسي لتشكيل الصورة المتكاملة للعرض أمام الجمهور وتتسيد المشهد من خلال تأثيرها المباشر في ذائقـة المتلقي ، فهي عملية إبداعيـة يتمخض عنها نتائج جمالية مبهرة تتولد من الحركة المتاحة لها عبر التنقلات في فضاء العرض ، وينتج عن ذلك متابعة المتلقي لها أكثر من أي عنصر آخر في التشكيل المشهدي فالديناميكية الخاصة بالضوء تأخذ بالهيمنـة على عملية التصميم في المراحل الأخيـرة من تصميم الإنتاج أكثر من جميـع العناصر البصرية .    فالخاصية التعبيرية للضوء تمتلك حضوراً جمالياً من خلال التركيز والظلال والأشكال النحتية التي تبرز نتيجة لذلك ، وانتاج البـؤرالتشكيلية والفضاءات الملونة التي تسهـم في خلـق التوتر العاطفي لدى المتفرج وتزيد من جماليات الشكل الكلي وقيمه الدرامية .  ان التوتر العاطفي الحاد يتآتى بأستخدام الضوء والظل من أجل تحقيق قوة تعبيرية ، وجرأة في تشكيـل التكوينـات الحيوية ، فالتكوينات والتشكيلات المشهدية في فضاء العرض تعبّر عن الجمال الذي يبرز من خلال التعبيرات الكلية للشكل المسرحي الذي تعززه الإضاءة وتنتج من خلاله القيم الجمالية المعبرة ، إذ أن الجمال يتبدى في العمل الفني من خلال إمكاناته التعبيرية ، لأن الجمال هو التعبيرية ، والعمل الفني كلما كان معبّراً كلما كان جميلاً ، وكلما فقد شيئاً من هذه التعبيرية فقد جماله ، وهذه القوة التعبيرية التي تنتج الجمال لايمكن أن تأتي بشكل عرضي ، بل بالوعي الثقافي والمعرفة التي يمتلكها مصمم السينوغرافيا والخبرة والدراية بمفاصل عمله وصولاً الى مرحلة متميزة في التقديم لعمله على خشبة المسرح ، فهو أشبه بالرسام الذي يرسم لوحة معبرة بالفرشاة واللون ، على اعتبار أن السينوغرافيا راوياً بصرياً ، والسينوغراف رسام خريطة الفراغ.   والفرشاة عند مصمم السينوغرافيا هي الإضاءة التي يخلق بها التشكيل السينوغرافي المتميز كي يثير الإستجابة العاطفية لدى المتلقي إذ يغيّر الفنان من الإيقاعات والتوافقات من أجل أن يوضّح جانباً مختلفاً من الموضوع الفني ، ليُحدث تنمية معقدة للمؤثرات ، مثل تنويع الإضاءة أو التنويع في مستويات الصورة ، مما يعمل على تمزيق المستـوى المعتـاد للإستجابات البصرية والعاطفية ويحقق التميز ، إن الإضاءة إتخذت قيماً جمالية تعبيرية مؤثرة ، وأصبح الضوء عنصراً متميزاً في التقدم الحاصل في الخريطة المسرحية من خلال الإظهار والتجسيم وخلق التكوينات الجمالية ، فهي بسقوطها المباشر على أجساد الممثلين وهم يجسدون الحدث الدرامي ، تكشف عنهم وعن حركتهم المشهدية ضمن الفضاء والبيئة المسرحية المناسبة ، ومن خلال انعكاسات الضوء والظلال على مجمل الصورة المسرحية المتكوّن من مجموع عناصرها كالديكور والأزياء والماكياج وقطع الملحقات ، إنما تحقق ذلك السحر والخيال الذي يزيد من التفاعل بين المتلقي ومايجري فوق خشبة المسرح ، مهما تنوّعت أساليب عمل وتصميم واختيار تلك الإضاءة المسرحية بأجهزتها المختلفة وتنوّع أماكن وضعها بين الصالة وخشبة المسرح .

 

http://www.azzaman.com/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.