جماليات البوح الرقمي في عروض المعاصر والتجريبي

د. محمد حسين حبيب

سطورنا هذه تتوقف عند ثلاثة عروض من المهرجان هي: ‘الزومبي والخطايا العشر’ و’فينوم هاملت’ و’الرمادي’.

عبر تاريخه الطويل الذي أمضاه المسرح وسيمضيه ما بين تطور التقانة المسرحية (السمعيبصرية) ومسعاها الابداعي من أجل تفعيل جماليات السينوغرافيا وزلزلت كيانها الصوري, وبين القناعات الموجبة تلك تفرض مشروعيتها التوظيفية في بنية خطاب العرض نفسه، لما يزل صراع التلقي يختلف كثيرا ويتفق قليلا على مسوغات مثل هذه الافادة التقنية الرقمية والجمالية المنبعثة من أجهزة الرقمنة الجديدة عبر أنظمة برامجية حاسوبية تتنافس شركاتها على بث كل ما هو جديد ومبتكر – لا سنة بعد أخرى – بل يوما بعد آخر وأحيانا ساعة بعد ساعة.

والمسرح كما هو معروف هو ذلك الخطاب الجمالي الصوري الحاوي والمستعير من كافة الحقول المعرفية والعلمية والأدبية بغية توسعة خطابه فكريا وصوريا مع الأخذ بنظر الاعتبار أن هذه الإفادة التقنية مشروطة بوجود مسوغاتها الفنية والابداعية التي يبوحها العرض بمنظوماته الأدائية التقليدية وخلطها بفضاءات سينوغرافية تستند الى سرديات رقمية من شأنها تفعيل وتثوير بنائية العرض الصورية والفكرية.

توافر عدد من عروض “مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي والمعاصر” بدورته الحالية 23 سنة 2016 من تلك التي استندت الى مثل هذا “التوظيف الرقمي” لدرجة الاعتماد عليه جملة وتفصيلا في جميع ثنايا العرض، بل ان هذه التقانة الرقمية هي الاساس الاصل لبنائية هذا العرض فلولاها لما ظهر العرض بصورته الأخيرة.

مع أهمية الإشارة هنا الى ان هذا الاستثمار الرقمي يأتي أحيانا محفوفا بمخاطر من شأنها الإطاحة بالعرض نفسه أو رفعه أحيانا آخر الى التحليق بفضاءات جمالية تدعم عملقته السينوغرافية وهيمنته على ذائقة التلقي لدرجة الدهشة، تلك الدهشة الجمالية التي لا يختلف عليها أحد.

سطورنا هذه ستتوقف عند ثلاثة عروض من المهرجان هي: “الزومبي والخطايا العشر” لمركز الهناجر للفنون، و”فينوم هاملت” من المكسيك فرقة ارتيفاكتيوم / ارتيجوريو، و”الرمادي” لمركز الهناجر للفنون.

ولقد تباينت مستويات “التوظيف الرقمي” في هذه العروض الثلاثة بل وصلت لدرجة التطابق في سياق أو أسلوب العرض نفسه كالذي حدث بين عرضي “الزومبي” و”الرمادي” مع اختلافات بسيطة جدا أهمها الملفوظ الحواري للشخصيات جمع بين اللهجة المحكية فقط في الرمادي واللغة العربية الفصيحة في الزومبي وان تواجدت ملفوظات حوارية محكية سريعة فيه لكن العرض كان قائما على الملفوظ اللغوي الفصيح والشعري والروائي والنص المنثور أيضا الجامع للصور الشعرية والشاعرية بدرجة كبيرة.

يبدو أن تشابه مصادر الإعداد في كلا العرضين “الزومبي والرمادي” المنحصرة في رواية جورج أوريل 1984 – وان تنوعت هذه المصادر في الزومبي الا أنها كانت المصدر الوحيد في الرمادي – اقول ان هذا التشابه هو الذي اودى بمخرجي العرضين (طارق الدويري وعبير علي) الى خلق فضاءات فنتازية مهيمنة أصلا على فضاءات السرد الروائي ذاتها ليسردا لنا فضاءات فنتازية في الاغلب منها كانت التقانة الرقمية هي القادرة اليوم بامتياز على البوح بمثل هذه التخيلات الاخراجية المشاكسة لكل ما هو تقليدي وسائد.

كلا العرضين قائمان على التوظيفات الرقمية البصرية منها والسمعية والتي هيمنت كثيرا على صناعة المشاهد التراتبية لبنية العرض وان تشاركت معها عدد غير قليل من المشاهد الأدائية الحوارية التقليدية مرة والأداءات الجسدية التعبيرية مرات كثيرة وخاصة في عرض الزومبي الذي جاء ضاجا ومستندا على هذه الشاشات الرقمية المتنوعة بين (المستطيلة الكبيرة والدائرية والمربعة والممتدة والجانبية والامامية والخلفية) لدرجة انها شكلت زحمة جمالية رقمية أربكت التلقي في الكثير من محطات العرض الذي أباح لنا جماليات كان من الممكن اختصار الكثير منها لكي لا يقع في فخ التكرار والتركيز على ترميزات فكرية ودلالية كنا قد قبضنا على مدلولاتها من اللحظة الاولى لبثها, الامر الذي أطاح بايقاع العرض وخفوته برغم هذه التخمة الصورية والأدائية الفردية منها والجماعية والتي وقعت هذه الاخيرة أيضا في التكرار والاعادة والتشابه مع طابع الابهام او الغموض لتحولات جسدية راقصة تصل لدرجة التمارين الرياضية أحيانا فاقدة لمدلولاتها الحركية الدرامية وفقا لفكرة هذا المشهد او ذاك.

لكنه بالمقابل لم تخلُ بعض هذه الأداءات الراقصة الدرامية من إشارتها الحيوية التي أباحت لنا ما ينبغي البوح به لانها تضامنت مع فكرة الموقف الدرامي في ذات اللحظة ولم تكن تغرد خارج سرب أفكار العرض .. كالذي حدث مثلا في عرض “الرمادي” الذي اقحم مقطوعتين غنائيتين في وسط العرض، وفي ختامه كانتا خارج السياق أصلا.

جاء عرض “الرمادي” أكثر رشاقة رقمية من عرض “الزومبي” برغم انه اعتمد ذات الاسلوب الاخراجي وتحديدا في توظيفه للتقانة الرقمية عبر توزيعه لشاشاته الحاسوبية الرقمية.

ومنذ لحظة دخول الجمهور وهو يرى نفسه – أي الجمهور – أثناء الدخول واثناء لحظات أخرى في العرض وصلت دلالتها ولم تكن محملة بصفة تكرارية غير مبررة، هذه الرشاقة الادائية المختزلة أوضحت المتن الحكائي للعرض الذي أوشك ان يغيب في عرض “الزومبي”, فلم يكن ثمة تخمة رقمية زائدة عن حاجتها في عرض “الرمادي” بل كان البوح الجمالي لهذه الشاشات منضبطا ومحسوبا في الكثير من مواطن البث فيه ومنه، ويبدو أن عناصر الجذب الأدائية التمثيلية التقليدية التي جاءت على درجة عالية من البساطة واليومية بعيدة عن الافتعال الأدائي لجميع الممثلين قد حفز ذلك متابعة التلقي وتفاعله مع المشاعر والصدق الأدائي المتميز والتي تناسقت إخراجيا مع نسيج العرض وشكله بطريقة ما، كان شأنها أن تسهم في ضبط إيقاع العرض وعدم الوقوع في فخ التكرار والملل.

أما عرض “فينوم هاملت” الذي جاء متناصا مع النص الشكسبيري الا انه ابتكر في الشكل الأدائي أولا. وفي توظيفه للموسيقى والغناء الفولكلوري المكسيكي وضمها روح النص الشكسبيري الأصل ثانيا.

هذه الخاصية الابتكارية التجريبية بامتياز، كان لوحدها هي التي حلقت ببنائية العرض عاليا وعمدت الى شد ذائقة التلقي بانبهار ودهشة واضحين طيلة زمن العرض، فلم يكن فضاء العرض الصوري بحاجة الى مثل تلك “التوظيفات الرقمية” التي احتلت الواجهة الخلفية للعرض من البداية حتى النهاية. فلم نكن بحاجة نحن كمتلقين الى اظهار اسم هاملت او افيليا وغيرهم على الشاشة لكي نعرفهم، لان خزيننا الشكسبيري كاف لوحده ان يتعرف على الشخصيات وعلى الحكاية الأصل تلك المخزونة في ملفاتنا الدماغية وبامتياز.

لذا فقد جاء هذا الملف الرقمي زائدا على ملفنا الدماغي التذكري، فضلا عن أن هذا العدد من الأشكال والزخارف الرقمية والصور الشخصية لبعض الممثلين كانت قد أربكت فضاء العرض وشكله لدرجة أنها شوهت التناسق بين ألوان الازياء والالون المباحة رقميا مما اربكت التلقي وشوشت ذائقته، لدرجة انني سأفترض أن هذا العرض نشاهده من بدايته حتى نهايته بدون هذا الاستثمار الرقمي للشاشة العملاقة التي احتلته.

أعتقد انه سيكون اكثر ثراء واكثر بوحا جماليا، ذلك ان عملقة شخصيات النص الشكسبيري بهذا الابتكار لوحده كان قادرا على ان ينتج لنا عرضا مسرحيا تتكامل فيه بناه الدلالية شكلا ومضمونا.

——————————————————-

المصدر : مجلة الفنون المسرحية – ميدل ايست أونلاين

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.