تناصية العرض والواقع في مسرحية “الفرن” – العراق

من جملة نصوص لكتاب وشعراء عراقيين هم (علي عبد النبي الزبيدي, محمد خالد, كاظم خنجر, تمار ميثم) جاء خطاب العرض المسرحي (الفرن) شتاتا لنصوصٍ عدة, خاطبت مأساة الفرد العراقي كونهم ينتمون إلى المرحلة الراهنة بكل مافيها من مأساة وتقلبات وجراحات وإحباطات.
 
والنص عبارة عن إشارات أو شذراتٍ لنصوصٍ شعرية عدة, جاء أغلبها موثقاً لحقائق حياتية, إذ غلب عليها طابع الشكوى, في مجموعة برقيات شعرية/ حوارية وفقاً لما تمليه طبيعة المكان الذي تجري فيه الأحداث (الفرن).
أتت اللغة بسمةٍ تصويرية, اختيرت بدقة لتتماشى مع مشهدية العرض, لذا أتت لغة خطاب العرض على شكل (سكتشات), وهي تستخدم للدلالة على (عملٍ قصيرٍ وخفيف يعالج موضوعاً بشكل قصير … تحتوي على عددٍ قليل من الشخصيات …

ويستخدم الاسكتش كشكل تقطيع بحيث يهدف الى النقد الاجتماعي والتحريض, لأن بنيته تقوم على عرض مشاهد متتالية مستقاة من الحياة المعاشة). ومايؤكد ذلك التطرق الى أسماء حقيقية مثل (حسن طيارة, نهر جاسم, فالح أبو العنبه, هيفين/ المرأة الايزيدية , علي العمية/الدفان).

وللشعرية سواءً في الأدب أو الفن (فضاءٌ واسعٌ لحضور مجموعة الأجناس والأنواع الأدبية والفنية).
وهنا نجد حضوراً للشعرية بتنوع المفردات الحياتية وتوظيفها بشكلٍ أو بآخر لتأخذ بعدها الفني متجسدةً على خشبة المسرح.
وامتاز الحوار بالجمع بين اللغة الشعرية / نثر وبين اللهجة العاميّة, وذلك لتأكيد احداث أكثر تأثيرا وتفاعلا, ولأن بعض الحوارات لابد من إلقائها فـ(اللهجة العاميّة) لها التأثير والتفاعل على المشاهد وداخل الفرن نفسه.
وسعى العرض إلى تنطيق أو أنسنة الجماد وذلك من خلال توجيه الحوار والعتب عليه/الحائط, فقد كان حوار شهدناه في شاشة (الفيس بوك) تم توظيفه بعد الجزع من محاورة العقلاء من البشر.
وللنص حضوره الأكثر فعاليّة على الخشبة مقارنة ببقية عناصر العرض الأخرى, وذلك لسعي المخرج/ المعد (محمد زكي) وراء الكلمة تحقيقاً لفكرة الشواء.
ولم يتبنَ خطاب العرض المسرحي (الفرن) تسلسلا منطقيا للأحداث, الحدث واحد هو الشواء داخل الفرن معتمداً على الحادثة ذاتها التي هي استمرار للواقع الخارجي الحياتي, فداخل الفرن هو ذاته في الخارج, فالكل في حالة استعداد للرمي أو القذف داخله. وهذا ما أكدته عملية استمرار الشواء لحظة استخدام الفرش لدهن أجساد المشاهدين الذين ينتظرون القذف والشواء داخل الفرن, وتمريرها على الحاضرين وللحاق بمن سبقهم.
وإذا ما اعتدنا أن تكون هنالك بليفونية سواء للصوت أو للون, فإنها هنا جاءت للتذوق أو الطعم وهو توظيف ينعدم توظيفه في مجمل العروض المسرحية , أي ان هنالك بليفونية متعددة الأطعم لـ(لحوم عدة) (حُرقَت, عُذبت, قطعت أشلاؤها,…) لذا قام المخرج بتوزيع علك (البستجْ) على الحاضرين أو الداخلين إلى القاعة داخل/ الفرن في بداية العرض, لعُسرة هضم اللحوم المشوية ونحن نلوك لحوم أجناسنا.
بدأ العرض بتهيئة الفرن للاشتعال, بحضور ممثل من أسفل الفرن (الصالة) الى مقدمة (الفرن/المسرح) حاملاً معه احدى مصاطب الخشب وادخالها الفرن وهذا ماعرف به المسرح الملحمي بأن تكون الصالة جزءاً من الخشبة ومكملاً لها, وحدث هذا الفعل لمرة واحدة في حين كان بالإمكان تكراره بين الحين والآخر للدلالة على الاستمرار في الشواء والتقليب. وعُني المخرج (محمد زكي) بتجسيد (الفرن) عبر الإضاءة الحمراء المنعكسة على الفحم وهو يغطي كافة أرضية المسرح/الفرن. أي ان هنالك إشارة واضحة دون الاكتفاء بالتلميح لواقعية الحدث.
تكوّن العرض من خمس لوحات وهو التناص مع المسرح البريخي للتأكيد على غياب التسلسل المنطقي للأحداث فهو تناوب في عرض لوحات عدة تنصب جميعاً من موضوع واحد, وجاء اختيار عرض لوحات في هذا العرض مناسب مع مأساوية الحدث التي غاب عنها أي منطق حياتي.
تمثلت اللوحة الأولى بوجود ثلاثة ممثلين, وهم ذات الكادر الذي اعتمده المخرج (محمد زكي) في عرض مسرحيته السابقة (تحوير تأليف: علي عبد النبي الزبيدي ضمن مهرجان الدورة السابقة), وظهر الممثلون وهم حاملين مظلات مضاءة من الداخل التي يمكن التحكم بها بإضاءتها إرادياً من قبلهم, وهي تنوب عن الإضاءة التي اعتدنا عليها. كما انها طريقة تتناص به مع مسرحيته السابقة (تحوير) باستخدام الزناد حيناً والشمعة حيناً آخر, فقد ظهروا ضمن هذه اللوحة وهم يرتدون السيلوفان للدلالة على التهيئة داخل الفرن كأية مادة تم إعدادها وإدخالها الفرن.
وهذا تأكيد تناصي آخر لشكل ومضمون (الفرن) كلمةً ودلالةً.
وجاءت اللوحة الثانية بـ(عملية الطهو), من خلال ممثلين اثنين يرتدون اللون الأسود على جانبي وسط المسرح دلالة على الفعل المأساوي وهما يقومان بعملية تحريك ودوران الطعام للتأكد من استوائه (نضجه). وهي أشبه بالنار (الجحيم) وجاء الحوار أشبه بتقليب الأوضاع المأساوية التي يعيشها الفرد العراقي وذلك بغناء النص القرآني بنغمات مألوفة بدلاً من التجويد الذي اعتدناه, وهذا تناص بريختي آخر وفق مفهوم (التغريب).
وتمثلت اللوحة الثالثة بظهور الممثلة (بلسم صادق) بدور (هيفيد الإيزيدية) بحوار يلخص مسيرة عذاباتها, ابتداءً من حلاقة رأسها حتى تذويب النايلون على جسدها وحرقها في النهاية من قبل الجماعة الإرهابية, مرتدية بدلةً بيضاء دلالة على عذريتها ويقابل هذا إظهار صورتها المباشرة على البانوراما كتصوير حي, أي عبر تقنية صورة داخل صورة بغيةً للتأكيد على وحشية الفعل ويزامن ذلك قيام الممثل (أصيل العساف) بوضع خطوط ومنحنيات باللوميند (الأحمر والاسود) في عمق المسرح غاب عنها الوضوح لكنها تشتد (الخطوط) مع حرارة الحدث وقساوته.
وجسدت اللوحة الرابعة من خلال الممثل (محمد المسعودي) لوحة الانقاذ, متمثلة بالزي (سترة الإنقاذ الحقيقية) دلالة (الرحلة/الارتحال) الخيالية أو الفنطازية من (النار) إلى (الجنة) المفترضة, وبعد حوار منلوجي بينه وبين الكرة التي تم تمزيقها وهو في مرحلة الطفولة الأولى ثم بينه وبين أمّه معاتباً إياها (لماذا اختيرت كرته دون الكرات), وهو تناص مع الحادثة الاجرامية الحقيقية التي جرت في ملعب المحاويل لكرة القدم. لذا نجد قراره بالرحيل من (النار) الى (الجنة) وكأنه اختيار ذاتي بحثاً عن كرةٍ لاتتمزق طامعاً بـ(أنهار) من الخمر و (حور) العين, وجاء (أصيل العساف) برحلة معاكسة من (الجنة النار) بحثاً عن التنوع والاختلاف. وحوارات اللوحة توزعت بين اتجاهين أفقي/أفقي بين الأشخاص (الابن/الام), أثناء الحوار المونولوجي متخذاً سمة المجادلة ثم حوار أفقي / عمودي (الابن/الله) متخذاً من الشكوى والعتب سمةً له.
أما اللوحة الخامسة وهي الأخيرة فكانت متجهةً نحو كوكب المريخ هروباً من جحيم الأرض الواقع (إنطوا فلوس حتى تسافرون), وهي لوحة دلت على السخرية والخيال والإحباط آزاء الحالة التي يعيشها الشخوص. واللوحة هنا شأنها شأن اللوحات السابقات التي حاكت الواقع القائم وهي الهجرة التي أقبلت عليها العوائل والشباب ملاذاً لهم من أوطانهم المتلهبة.
وفيما يخص بقية عناصر العرض, فقد تباينت بين لوحةٍ وأخرى, إذ كانت لكل لوحة خصوصيتها من حيث الإضاءة والموسيقى والزي, مع ثبات لجميع اللوحات الأرضية التي تم إكساؤها (الفحم) علامة مباشرة بين اسم المسرحية (الفرن) والمكان المفترض التي تقع فيه أحداث اللوحات الخمس.
ان تعدد لوحات العرض واحتفاظ كل لوحة بحدث معين كانت له آثارة وانعكاساته على الأداء لدى الممثلين, فكانوا في كل لوحة ينوعون أداءهم الذي يخص حدث اللوحة نفسها وذلك ما أتاح أن تتنوع أساليب التمثيل في مجمل لوحات العرض. فكانت للممثل (أصيل العساف) أدواره داخل عرض (الفرن) في تنوعها إضافة الى أدواره في عروض أخرى وبما عرف عنه من مرونة جسدية وكذلك مع الممثل (محمد المسعودي) وما يمتلكه من قدرة صوتية سمحت له بالأداء والانتقال من دور إلى آخر.
امتاز العرض بفضاءين, الأول هو فضاء الصالة إبتدأ من توزيع (عِلك البستج) على المتلقين المشاركين وهي دلالة لتسهيل عملية هضم لحوم تم شواؤها تحت طرق مختلفة من التعذيب.
ثم دخول الممثل (محمد الدليمي) من أسفل الصالة حاملاً اللوح وإدخاله للفرن/المسرح حيث الفضاء الثاني, ثم قيامه بعملية طلاء المتلقين بالفرش المدهونة لتهيئتهم للدخول في مرحلة الشواء القادمة. وفي نهاية العرض ثم توزيع (عدد الأسنان) وهي دلالة على انتهاء الوجبة, وتنظيف ماتبقى من لحم مابين الاسنان علامة على أكل البشر لبعضهم البعض.
لذا كان الفضاء الأول /الصالة ممثلاً للواقع فهي جزء من المكان المفترض, أما الفضاء الثاني الذي تتم به عملية الشواء (المسرح), كما أنه المكان الذي عرضت فيه اللوحات الخمس, والمكان الذي تواجد به الممثلون الثلاثة (أصيل العساف, بلسم صادق, محمد المسعودي) متناوبين في الأداء والأدوار كل ومقتضيات اللوحة التي يتم عرضها في فضاء اللعب المسرحي( ).
———————————————————————-
المصدر : مجلة الفنون المسرحية – د. زينة كفاح الشبيبي -المدى

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.