برنسلاف نوشيتش

اليوغسلافي – برنسلاف نوشيتش في إطار الحياة..الحزن يجاور الفرح ..!

تتطابق فلسفة الكوميديا المسرحية اليوغسلافية الى حد كبير مع قول – فرناندز – الذي أفاد : ” الكوميديا فن رفع الخداع ، اي التحرر من الخطأ – نزع القناع الموازي تماما لفن حلّ العقدة ، ولكن العقدة لا تُحلّ إذا لم تُعَقّد أولا ، والحل يأتي في الختام ” ويضيف أيضا ” في معظم مسرحيات الكوميديا ماكنا إلا مخدوعين ، والكاتب المسرحي يعمد إلى فضح خُدَعنا بأن يلعب خدعة أكبر منها علينا وقد جعلنا بامتياز نحن الجمهور مغفله الرئيس – جراب الآلاعيب الذي يحمله أمير الحيالين – المؤلف –  هذا هو فن الكوميديا ” ، كما اتوقف ايضا عند مقولة أحد كتاب الأساطير الأغريقية القديمة الذي يتماهى مع ذات المعنى ” ماذا ستفعلون في هذه السماء ..؟ التعساء موجودون على الأرض ..! ” القراءة المتأنية لمسرحيات الكاتب اليوغسلافي الكبير – نوشيتش – تقودنا إلى التفسير العميق لما تقدم من افكار وفرضيات ، مسرحه زاخر بالموضوعات المختلفة حيث يختلط الضحك بالبكاء والمرارة والحزن داخل إطار لوحة الحياة التي اجاد – برنسلاف – تأملها وابدع في رسم تفاصيلها وحاول بذكاء وتفرد إعادة صياغة الأحداث والأفكار ليجعل الجميع ينتظم في مشاهدة مبصرة لدواخل النفس البشرية وتناقضاتها الغريبة ، لوحات متوترة في مسرحيات عديدة تعجُ بالرجال الطيبون والأشرار على حد سواء ، نجدهم ليسوا منساقين كليا نحو الطيبة او الشرّ لديهم لحظات راحة ولحظات عمل وتتفاوت درجات الفضائل والرذائل بتنوع المواقف والأهداف إلى ما لانهاية ، وكما قال ” شكسبير ” إن النوع الجديد المسمى دراما – الناجم عن التراجيديا والكوميديا قد ورث المشجي عن الأولى والصور الساذجة عن الثانية ، هو الى درجة قصوى أكثر نفعا وأكثر حقيقة وأكثر تأثيرا وفي متناول حشود النظارة ” وهذا القول ينطبق تماما على مسرح – برنسلاف نوشيتش –
اطلعت من كثب على ارشيف المسرح في زيارتي الأخيرة ليوغسلافيا الحديثة المتجددة صاحبة الأرث الكبير المتمسكة بهالة التاريخ والتفاعل الحضاري المستند إلى الأثر الواضح الذي احدثته الحضارة الإسلامية إبان حكم الدولة العثمانية للإراضي اليوغسلافية في الحقبة القديمة – تلك مرحلة لا ينكرها اي باحث او مثقف او كاتب او فنان او رجل سياسة ، حيث  البصمات واضحة على مجمل فروع الحياة –نجد ذلك بوضوح ممثلا في المساجد الكثيرة والمكتبات العامرة بالمخطوطات النادرة التي تشير الى تلك المرحلة ودور العلوم المنقولة عن الدول العربية وخاصة – بلاد مابين النهرين – على تطور العلوم والفنون ومصادر تكوين الثقافة والإبداع للشعب اليوغسلافي ومناطق أخرى تجاور حدوده ، توجد الكثير من كتب السيرة المستوحاة من الملاحم والمواقف التاريخية وبالخط العربي ولها حواش مترجمة وقد انعكس ذلك في تطور كتابة القصيدة الشعبية او الحكاية المروية ذات النمط الفولكلوري حيث تتداخل الكلمة الدرامية مع الغناء ، تلك اصبحت مع تاثيرات أخرى محلية وعالمية الينبوع الذي يأخذ منه كتاب يوغسلافيا مواضيع اعمالهم الدرامية الراقية ،  وقد تتبعت مسار العديد من القصص والمسرحيات والروايات المتأثرة تماما بأساطير سومر وألف ليلة وليلة بشكل أدق ، وجد الشعب في حكايات – جحا الرومي – انموذجا مناسبا للتداول ، كانت تلقى مضامين التص المروّي رواجا وحضورا من قبل عامة الشعب يضاف إلى ذلك وجود مجلدات كثيرة ترجمت ونقلت قصص – الجن والأساطير للحضارات المتعاقبة كونيا  ..
عند الاقتراب من فترة التاريخ المعاصر في ضفاف المرحلة التي قادها – جوزف بروز تيتو – انفتح الأدب اليوغسلافي على تجارب مهمة للواقعية الاشتراكية الروسية والواقعية الفرنسية وتيارات التعارض في الأدب الألماني ، ومناهج وصلت رياحها من بقاع أخرى ،أثر ذاك الصدى القوي في التشكيل والتكوين ونتج عنه بداية ثقافة جديدة مختلفة – حيث حاول الكتاب اليوغسلاف بجهد مبتكر كتابة قصص وروايات ومسرحيات مشابهة لتلك التي شكلت بمجملها الانجازات الكبيرة التي ظهرت فيما بعد ، ازدهرت تبعا لذلك عملية التأليف وبفعل الترجمة المتواصلة اقترب الكتاب من بناء جسور التلاقي مع الابداع البشري الذي اندفع تياره الى مراحل مهمة ومتقدمة ، وكان للمسرح اليوغسلافي في ذلك نصيبه الوافر ، ومع تراكم النتاج العالمي وجد الكاتب والفنان اسلوبه المميز الذي يمثل هويته ونظرته الثاقبة ، تجلى ذلك في ظهور مسرحيات ذات اهداف مختلفة في التناول حاول الكتاب فيها مزج أفكار ” الوعظ بالبحث عن أصول الأخلاق – إلى جانب كشف عيوب الممارسة السلطوية الغاشمة ” أغلب تلك المسرحيات اقتبست أو أُعدت عن نصوص اجنبية ، وبالرغم من وجود غرابة في مضامينها وأفكارها لكنها في المحصلة النهائية تجد لها رواجا كبيرا واهتماما بالغا بما يتفق مع المفهوم القائل ” ان الدراما تعبير وانعكاس للمجتمع الذي أو جدها ، لأنها تقدم صورة مباشرة عنه تُطري الذوق والافكار والعادات ” وهكذا نجد ان ارشيف المسرح اليوغسلافي يشير إلى ارتباط نجاح الدراما – التراجيديا – الكوميديا – بخطوات التفوق التي حققها المسرح العالمي في القرن الثامن عشر ،عندما ايقن الرواد – اليوغوسلاف –” نجاح الدراما يكمن في ابتكار مضامين واشكال متفردة ، كما يضمن ذلك القيمة المتجددة فكريا وفنيا ويستخلص الشهادة التاريخية للتواجد على المنصة العالمية ” من وجهة النظر هذه انطلقت الدراما وتوجهت دون تردد للكشف عن المعادل الاجتماعي الأعلى لدى الطبقة المتنفذة والصراع المتوثب لدى العقول المستنيرة ، وعن التعارض والكفاح العنيد لدى الفلاسفة والكتاب والشعراء ، على انه فوق كل شيء فإن لهجة واسلوب النتاج المسرحي المتتابع ظلت تمثل الشهادة البليغة على حساسية العصر واندفاعه الذي لا يقاوم مغلفة بالعواطف الإنسانية الصافية والمتحطمة على صفحة المواجهة مع الفعل الرديء ، الصورة الاجتماعية والتجاذب السياسي والصعود والانحسار لمواقع القوى العاقلة والمستبدة في مهماز السياسة والفساد غير المحدود وما يخلق من مراكز قوى مستهترة ومستبدة وشريرة ، كل ذلك ظهر على خشبة المسرح اليوغسلافي ولهذا تنبه المتلقي الاجنبي الى ذلك ونشطت حركة الترجمة لتطلع شعوب العالم على نصوص مبهرة تماما كان لها النصيب الاوفر في المسرح العربي ..
الرائد الأول في المسرح اليوغسلافي 
في الفترة الأولى لنهوض المسرح اليوغسلافيبرز – بوبو فيتش – كأحد الكتاب البارزين وقد استمد خبرته في الكتابة من تفاصيل عمله كمدير للمسرح القومي الأمر الذي طور امكانات الكتابة ووسع من افاق التجربة والتكنيك وتتحدث مقالات الارشيف عن اعداده للكثير من المسرحيات العالمية وخاصة الروسية منها ، وفي فترة نجوميته المطلقة قدم على خشبة المسرح نصوصا تاريخية تتحدث عن امجاد بلاده ثم انعطف نحو الأدب الشعبي – التراث المحكي – وتمكن من توظيفه بنجاح ، يتفق النقاد انه في المسرحية الأولى التي كتبها كانت الكثير من العيوب ماثلة ، تجسدت اغلبها في تكنيك الكتابة ووضع الحلول الاجبارية للمشاهد بشكل مرتجل والنقص الواضح في ملاحظات الاخراج او التصور للوحدات الثلاث ، الا أن مسرحياته الأخيرة بدت أكثر نضوجا وحملت شكلا متوازنا في الصراع والمواجهة وعقلانية في كتابة الحوار وهي تكشف عن دراية وحنكة في كتابة الدراما ، وقد تمكن بنجاح كبير من كتابة المسرحية الكوميدية ويشير اغلب النقاد الى التأثير الواضح لمسرح الفرنسي – مولير – على نتاجه خاصة في مجال الكوميديا ،كما ذيل هذا الاعتراف على الصفحة الاولى من احدى مسرحياته الساخرة حيث اشاد بجهود ومكانة – موليير – قال : ” موليير يعلمنا ذاك الفن العسير جدا ، أعني فن رؤية انفسنا رغما عنا “..
الكاتب ” برنسلاف نوشيتش “
تشير وقائع حياته الى انه ولد في – بلغراد – عام 1864 انهى دراسته في الحقوق وعمل بعد التخرج في وظائف مختلفة وقام بإدارة بعض المسارح الحكومية – يسر له ذاك العمل فهم طبيعة الفن المسرحي وتعرف من كثب على تفاصيل مايجري من استحضارات لدعم الكلمة فوق الخشبة ، والتأثير المطلوب تحقيقه في الجمهور ، في بداية اهتمامه بشؤون المسرح اتجه للقراءة وتأثر كثيرا بالكاتب الروسي – نيقولاي غوغول – وخاصة مسرحيته الرائعة المفتش العام  ، تلك كانت بمثابة نقطة التحول في تفكيره واستعداده للتعامل مع الفن المسرحي وتشخيص ما يناسبه من افكار وأحداث ومضامين وتناولها بشكل مبتكر يثير الدهشة ، ظهر كل ذلك في مسرحيته الأولى – ممثل الشعب – التي تضمنت نقدا لاذعا لنواب الشعب وطريقة انتخابهم ثم ظهرت مؤلفاته الأخرى والتي توزعت بين الروايات وأدب الرحلات والمذكرات الشخصية والقصص القصيرة والمقالات الأدبية والفكرية والمسرحيات التي توزعت بين الكوميديا والدراما الاجتماعية والتاريخية ، وكذلك المسرحيات الناقدة الموشاة بالكوميديا ، النقاد في يوغسلافيا وخارجها اعتبروه – رجل المسرح اليوغسلافي الأول – كتب مجموعة كبيرة من المسرحيات ذات الفصل الواحد كما اهتم كثيرا بكتابة المسرحيات ذات الاهداف النقدية الساخرة وفي فترات متباعدة من حياته وحصل على شهرة واسعة في مسارح عالمية كثيرة ومنها المسرح في الوطن العربي حيث قدمت له مسرحيات عديدة في سوريا والعراق ومصر والكويت اقصد هنا مسرحيته الموسومة – حرم جناب الوزير – وممثل الشعب – والدكتور – ومستر دولار – إلى جانب اقتباس العديد من مسرحياته ضمن قنوات بث التلفاز والإذاعة كما في العائلة الحزينة وعرض البحر …
الحزن والفرح فوق مركب واحد
لجأ – نوشيتش – الى كتابة المسرحية الكوميدية لأنه اكتشف وجود موهبة كبيرة لديه تمكنه من كتابة الكوميديا ولأن المسرحية في هذا النمط تؤدي دورا لايمكن الافصاح عنه ببساطة ، وفي خضم انشغاله بالتأليف لاحقته المتاعب المتعلقة بالرقابة والامكانات المالية وكذلك تكاتف الخصوم ضده بشراسة وكلهم كانوا يعملون على انسحابه من دائرة الضوء ، الأمر الذي دفعه مرغما للتوقف عن الكتابة بعض الوقت وبعد انحسار مد الحسد والنفاق ضده عاد في مرحلة الشيخوخة ليواصل انجاز مشاريعه المتوقفة في مجال التأليف المسرحي وجاءت أغلب مسرحياته حافلة بنماذج من الطبقة الوسطى تلك التي لم تتمكن من الارتفاع فوق المشكلات المحيطة بها بل تتمسك بخيوط الماضي التي تشدها إلى اسفل ، كما صور الصراع على المناصب والوظائف والبحث عن اقصر الطرق لجمع الثروة والمكاسب كما رسم ببراعة كبيرة سذاجة الاشخاص الذين صاروا في مواقع القرار السياسي كاشفا سلوكهم الكاريكاتوري المثير للسخرية وهم يتدافعون بهمجية شيطانيةلتحقيق مكاسبهم وتبديد المال العام وسرقة قوت الشعب ، قدم – نوشيتش – تلك الموضوعات وغيرها بإسلوب نقدي مليء بالسخرية التي تفيض بالكوميديا مضخما تلك الافعال والممارسات بشكل لا يخلو في حقيقة الأمر من النقد اللاذع وقد مكنته موهبته من تناول العديد من الأفكار اليومية في مسرحية واحدة كاشفا من خلال الشخصيات والحوار عن الكثير من الممارسات الخاطئة التي كانت تشيع في دهاليز السياسة وتحرك الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية وتقرر مصير الشعب ..
المرحوم وممثل الشعب
من أهم المسرحيات التي كتبها – نوشيتش – وحققتا له مكانة مرموقة بين الكتاب والأدباء اليوغسلاف كما وضعتا نتاجه المسرحي في دائرة الضوء وحصل أيضا على التقييم الرفيع من النقاد ورجال المسرح في بلاده وخارجها ، كتب مسرحية ممثل الشعب في العام 1883 وظلت ممنوعة عن التداول او التمثيل على خشبة المسرح حتى صدور عدد من مسرحياته ربع قرن مرت على حجز المسرحية وذلك بموجب تقرير من الرقابة التابعة لإدارة البوليس اليوغسلافي وقد جاء في حيثيات قرار المنع “ان مسرحية ممثل الشعب تحفل بمواقف وأفكار في غاية السخرية والاستهانة بالنواب وأعضاء الحكومة ” الكاتب عرض في المسرحية مشكلة الديمقراطية في الصرب خلال تلك الحقبة الممتدة من عام 1880- 1900 وقد استطاع باسلوبه المسرحي الكوميدي الكشف عن العيوب والمخالفات التي ترافق عملية الانتخابات وكيف تفرض السلطة بشكل قسري ومن خلف الستار مرشحيها على جماهير الشعب وتتلاعب بنتائج الانتخابات محققة لنوعية من النواب الفوز دون ان تتوفر فيهم المقومات المطلوبة لتمثيل الشعب ، والكاتب لا يتوقف عند تصوير ذلك بل يتوقع الكثير من الأحداث التي وقعت فيما بعد في يوغسلافيا وهو يعلن بشكل صريح ان محاصرة الحرية وإدارة شؤون البلاد بشكل قسري يؤدي الى تفاقم المشاكل التي ربما تفضي الى حرب أهلية … أما في المسرحية الثانية – المرحوم – فهو يعمد إلى الخوض في تفاصيل الصراع الأزلي المتمثل بالمواجهة بين قوى الخير وقوى الشر ، حول الصراع بأسلوب ساخر ليكشف عن مأساةإنسانية تشد انتباه المتلقي وتجعل منه يشعر بالقلق والتحسب لمصيره وهو يتابع قصة تكشف بوضوح عن مرارة الحياة وكيف يتحول صوت الباطل الى صوت يدوي ويرعب بينما يتوارى الحق مهزوما ، فالمرحوم الحي الذي يعود ليجد سدا قويا يقف بوجهه لكي لا يعود ويهدد مصالح من اتفقوا على موته واختفائه لذلك عليه ان يعود من حيث اتى ..!
—————————————————————————–

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.