أخبار عاجلة

الممثلة التونسية سعيدة سراي: الكاهنة أعادتني إلى عشق المسرح…

من هي الكاهنة البربرية؟ من يعرفها ما الذي قدمته الكاهنة لشعبها ليذكرها التاريخ ويفتخر بها سكان شمال افريقيا؟ كيف كانت ملامح الكاهنة، هل هي فارسة فقط؟ اين الحب في حياة هذه المرأة؟ لمَ سُمّيت بالكاهنة ؟

اسئلة تخامر كل امرئ يرى معلقة كتب عليها «عرض الكاهنة»، مُعلقة تثير في النفس حيرة واستفهاما أجابت عنه سعيدة سراي من خلال مسرحية «الكاهنة» التي جسدت دورها بكل اتقان بعد غياب عن الرّكح تجاوز الخمس سنوات، الكاهنة هي شخصية تاريخية حكمت الاوراس قبل الفتح الاسلامي لتونس…

نص الكاهنة ليس تأريخا بالمفهوم المتداول لأنه نص يغوص في ثنايا الانسان نص يجمع بين القسوة واللين بين الحب والحقد كما الإنسان وقد تمكنت الممثلة سعيدة سراي من تجسيد الكاهنة فبدت على الركح ساحرة ماكرة وعاشقة لأرضها ولركحها مُتحدية الاخر وجعلت الجهور يصفق اعجابا بها وبأدائها.

بين الكاهنة وسعيدة سراي: عشق الأرض واحد والتضرج بدمائها واجب
الكاهنة البربرية، أو دهية ابنة تيفان سيدة قوم قال عنها المؤرخون أنها قوية الشخصية صلبة النظرات وفائضة الأحاسيس، قال عنها الباحث ابن عذاري المراكشي «جميع من بأفريقيا من الرومان منها خائفون وجميع الأمازيغ لها مطيعون» ، كذلك كانت سعيدة سراي على الركح في كل عروض مسرحية الكاهنة، شامخة مرعبة عاشقة لطيفة وعنيفة، كل المتناقضات اجتمعت لتجسّد شخصة دهية بنت تيفان «عزيزة قوم لا تهان، الفارسة ام الفوارس».

حين تشاهد المسرحية وتركز في نص بوكثير دومة تشعر وكأنك بالكاتب يناجي الكاهنة المحبوبة الابدية والمعشوقة المتلاشية مناجاة الكاتب الجزائري واسيني الاعرج لميترا الحبيبة التي لا توجد إلا في قلبه وأحلامه فيقول لها في كتابه الاخير عشتها كما اشتهتني «للقلب سلطانه، اخترتك انت من بين مئات الاشخاص والشخصيات لتكوني أنا ولأروي لك آخر الحكاية كما تراءت لي، قبل ان اضع النور الاخير الذي بقي متقدا في ذاكرتي» كذلك كانت الكاهنة في نص بوكثير دومة القبس الأخير: قبس نور إن انتشر سيضيء كل كتب التاريخ والحضارة.

تقمّصت سعيدة سرّاي دور الكاهنة فتعطّرت بأنفاسها القوية الثائرة وتجمّلت بحبّها لأرضها فبدت على الركح كطائر الفينيق الذي ينبعث من رماده ليحلق في سماء الحرية ويرى الكل نثارا يكاد يكون رمادا.

حين تشاهد «الكاهنة» تتلاشى أثقال الحياة ومتاعبها رويدا رويدا وكلما تحركت الممثلة يزداد شغفك بها وتذوب في العمل وتبدأ الروح في التحليق والسمو الى ان تصل هناك الى اعالي جبال الاوراس وتتجول بينها بحثا عن سر دهية ابنة تيفان، تصعد الجبل الحزيز الكزيز الذي لا تبلغه إلاّ النسور وتتجول بين السهول والوديان باحثا عن قبس او طرف خيط قد يوصلك الى هذه المرأة الساحرة الماكرة الجميلة العاشقة علّك تعرف بعضا من سرّها.

حين تشاهد سعيدة على الركح ينقسم الاحساس إلى أحاسيس: فالحاضرات من النساء تسكنهنّ الكاهنة وتتدفق فيهن دماء النخوة والعزة اما الرجال فيشعرون انهم «خالد» ( خالد ابن يزيد العبسي الاسير الذي احبته دهية وتزوجته رغم معارضة رجال قبيلتها ليخونها ويقدمها اسيرة الى جيش العدو)، الفارس والحبيب، خالد الاسير والخائن لدرجة ان يبحث كل واحد داخله عما يملكه من خالد.

سعيدة سراي عاكست هزاز الريح وتدفق المياه المنبعثة من مكبرات الصوت ليعلو صوتها ويتدفق كشلالات هادرة وتغلب كل الاصوات بل تخضعها الى رغبتها .

كذلك كانت الممثلة سعيدة سراي على الركح، قوية نظراتها حادة انفاسها متهدجة تخيف الناظر أو تجعله محتارا متسائلا، من الكاهنة؟ ومن التي على الرّكح اهي الممثلة الرقيقة صاحبة الابتسامة الهادئة سعيدة سراي ام هي الكاهنة البربرية بُعثت من مثواها وعادت لتحكي لنا قصّتها، قصة عشقها لأرضها وتنقل حكاية ابناء الاوراس وتقول للجميع «سجل يا تاريخ، واشهدوا يا رجال، اني ما خنت يوما هذه الارض».

وتتكلم بأعلى صوتها وتنادي حبيبها، خالد الذي خانها وخان حبها وسلمها أسيرة ذليلة الى جيوش حسان ابن النعمان، وحسب الاساطير والحكايات الشفاهية التي تناقلها الاجداد هنا في تونس وشمال افريقيا فان حسان كلف مجموعة من الرجال لقتل الكاهنة لأنها كانت قوية وهي أسيرة «كيف تهاجمون مرا مغلولة» كما جاء في نص بوكثير دومة.

على الركح الصغير لفضاء الأرتيستو ، او في ساحة المعابد بسبيطلة او دار الثقافة بعقارب او القاعة الصغرى بمركز الفنون الدرامية والركحية بالكاف فضاءات متعددة بُعثت فيها الكاهنة في روح سعيدة سراي فصالت وجالت، رقصت وبكت غنّت وتاهت، ناشدت الحب وحاربت الكره والانقسام، بزينتها البسيطة ولدت الفارسة وتحركت وتموجت على الرّكح امام جمهور جاء ليعرف من «الكاهنة» او كيف ستكون على الركح.

بقرطيها الأحمرين وعقدها أحمر اللون كذلك كتبت حكايتها بالدماء التي سالت في سبيل أرضها دماء نقية سالت لأجل وطنها الاوراس فحُبّ الأرض أسمى حب والذّوبان في عشق التراب والتاريخ أجمل عشق هكذا كانت سعيدة سراي على الركح وهكذا شاهدنا الكاهنة او دهية بنت تيفان التي تناقلت اخبارها الاساطير فكانت ولا زال راسخة في الذاكرة الجماعية مثلها مثل ام البنين الفهرية و الجازية الهلالية والسيدة المنوبية وعزيزة عثمانة واروى القيروانية ومجيدة بوليلة وتوحيدة بالشيخ وراضية حداد وبشيرة بن مراد وكل امرأة ساهمت في بناء لبنة من حضارة دول شمال افريقيا، وأضاءت تاريخ تونس.

المسرح ملاذي… للحياة
بمسرحية الكاهنة عادت الفنانة الى خشبة الفن الرابع من باب الكبير وتمكنت من الذوبان في النص لتخطف ثقة الحضور وإعجاب الجمهور بعد انقطاع تجاوز الستة اعوام ورغم انفتاحها على كل الفنون وعملها بالإذاعة والتلفزة والدبلجة يبقى المسرح هو الأقرب الى قلبها ونفسها ميالة اليه دوما.

وقد انطلقت تجربة الفنانة في المسرح مع الفرقة القارة لمدينة صفاقس مع عبد الحميد جليل و مسرحية «حوت البر» لبشير المناعي التي اقتبسها عن نص الياطر للرائع حنا مينة كما قالت، ثم مثلت في «عجب» و «كرش الغابة» نص وإخراج الممثل مقداد معزون، بعدها شاركت في «ليلة الصداق» وليلة العرس» مع الممثل التونسي القدير المنصف الأزعر.
وتتواصل رحلة سعيدة سراي مع الفن الرابع وكانت عنصرا أساسيا في مسرحية «جمرة الهواء» للمخرج لطفي العكرمي .

وأكدت الممثلة أن للمسرح رونقه وسحره الخاص فهو «متنفسي وملاذي، على الخشبة اشعر ان روحا خفية تسكنني وتدفعني للنجاح، على الخشبة أكون أنا هكذا تحدثت عن ولعها بالمسرح لأنها ترى انه اكثر الفنون قدرة على دفع الممثل الى النجاح والتميز وحول الأدوار المتشابكة فالكاهنة مثلا تختلف كل الاختلاف عن دورها في جمرة الهواء قالت سراي «بالعكس أشعر بالفرح كلما كان الدور الجديد مختلفا عما سبقه لأنني حينها اعمل أكثر وسأغوص في خبايا الشخصية الجديدة وانزع عني رداء الشخصية الاخرى وكلما بحثت أكثر كلما تيقنت أنني لا أزال اسير في طريق الإبداع والتميز وذلك هدفي وحلمي».

وأشارت محدثتنا ان للمسرح دور هام في حياتها اليومية لأنها تعتبره وسيلة نضال .

الكاهنة هي قصة عشق» أراني في أنفاسها، أراني في قوتها، أحببت النص وعشقت الشخصية، تأثرت بها وأثرت فيّ»، بهذه الكلمات تحدثت سعيدة سراي عن قبولها انجاز مسرحية الكاهنة وأضافت هناك خيط رفيع شدني الى هذه الشخصية فقوتها ولينها وعشقها لأرضها جعلاني انكب على إكمال قراءة النص والسير نحو انجازه للجمهور أردته ان يقاسمني فرحتها بالحياة، فكم نحن محتاجون لامرأة قوية وعاشقة في آن، امرأة تعاند كل الامراض وان كان السرطان.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.