المثقفون يرقصون على أرض ملغومة

في حوار مع الوطن رأى الممثل والمخرج والناقد المسرحي الفنان العراقي عزيز خيون أن المهرجانات المسرحية في العالم العربي تعبر عن حالة التصميم والارادة والعناد من أجل الانتصار لمشروع الجمال والسلام والحرية، وأشار إلى أنه يعول كثيرا على الجبهة الثقافية في احداث التغيير المطلوب في بلادنا التي تمر بانعطافة تاريخية وتعصف بها العديد من التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية. حديث «المنتمي إلى مدرسة كبار المسرح العراقي» لـ الوطن جاء على هامش استضافته في مهرجان الأردن المسرحي في عمّان، إلى جانب نخبة من الفنانين العرب ومنهم الفنان القطري الكبير غازي حسين وآخرون، وتناولت الجلسة الحوارية معه واقع المسرح العراقي ومستقبله ودور الجوائز في المشهد المسرحي وغيرها من القضايا.

تزايد عدد المهرجانات المسرحية بصورة لافتة في عالمنا العربي خلال السنوات القليلة الماضية، كيف تقرأ هذه الحالة؟

– مهرجانات المسرح تصب في اتجاه العديد من الرسائل والأهداف التي نناضل من أجلها، فهي مشروع جمالي وابداعي له أهمية خاصة لاسيما في تلك الظروف الاستثنائية التي نمر بها نحن كعرب، تجسد هذه المهرجانات بالنسبة لي، المجتمع المتسامح الذي يفرد ذراعيه للآخر، وتعني لي، جسرا للتواصل مع أخي العربي فنيا وثقافيا، فأنا كنت ولازلت أعول على المشروع الثقافي كجبهة مهمة وأعول على المثقف العضوي الذي يحمل مشروعه كحالة متحركة باتجاه الشارع، ومهرجانات المسرح تصب في هذه الطموحات، وهي تعبر عن إرادة وعناد المثقفين العرب وسعيهم من أجل تحقيق مشروعهم الابداعي ورسالتهم الجمالية في محيط مضطرب يحمل كل يوم مفاجأة، هذه المهرجانات تشكل انتصارا لقيم المحبة والسلام والإبداع الحقيقي، وفرصة حقيقية لتلاقي التجارب وتلاقحها وخلق حالة من الحوار الفني البناء.

كيف تقيم المستوى الفني للأعمال التي عرضت خلال مهرجان الأردن المسرحي؟ هل شهدت رؤى فنية جديدة ومختلفة؟

– في الحقيقة كل مهرجان يقدم أطروحات مختلفة، ولانستطيع أن نطالب مهرجانا بمستوى تقف عنده كل العروض على صعيد الرسائل أو الضبط التقني أو على مستوى تحديث الظاهرة المسرحية، وبالتالي فإن المهرجان سوق للرؤى والتصورات وللشك في ما أنجز وينجز من قناعات وتوسلات في منطقة البحث لتطوير الظاهرة المسرحية، ولكن المميز في هذا المهرجان أن المشاركين يعيشون حالة من القلق وهو أمر مشروع نظرا لأننا نمر بانعطافة تاريخية وجميع العروض تعزف على هذه النغمة، بعض الأعمال ذهبت للتاريخ العربي البعيد أو النص الأجنبي وبعضها حفر في أرضه الخصبة بحثاً عن موضوعات تجيب عن التساؤل الوجودي حيث عين التجربة المسرحية على قضية مركزية في المنطقة وهي القضية الفلسطينية كذلك الوضع المقلق في الكثير من البلاد العربية، وقد كانت كل العناصر الجمالية تضخ مواقف وأساليب من الثقة لكي ترفد هذه المعركة المصيرية.

ثبت أن الفن المسرحي عصي على الاندثار رغم ظهور حقول فنية أخرى، وبالتالي لم يعد السؤال «هل يزول المسرح؟ بل أي مسرح نحتاج كعرب؟.

– المسرح ضرورة كوسيط جمالي ابتكره الانسان منذ ظهور الحضارات القديمة في بلاد الرافدين ومصر ثم اليونان وروما، نعم سيبقى المسرح ما بقي الانسان وقلقه الوجوديان لكنه ليس مسرحا واحدا بل عدة مسارح مختلفة، لكل مسرح لون واتجاه، الجانب الابداعي برأيي مرهون بالمسرحي الذي يعيش مشروعه المسرحي بقناعاته وبشغف كبير أي أن يرهن عمره لهذا المشروع ويحمل المسرح كخشبة على ظهره دون أن يشتكي ويضع اللوم على الظروف الانتاجية، انني أرنو إلى ذلك المسرحي الذي له القدرة على تشييد تجربته المسرحية في كل الظروف، نعم الابداع يتأثر بالظرف العام والخاص لكن هذا لايعني ان يتنازل الفنان عن مشروعه، عليه أن يواصل انطلاقاً من كون منصة المسرح يجب أن تكون متمردة وثائرة وغير متفقة ولا تركن إلى القناعة اطلاقاً، المسرح فن اللحظة لكننا نحتاجه دائما وهو يستشرف المستقبل.

ما تقييمك لأثر الجوائز المسرحية التي تعزز حضورها في العالم العربي خلال العقد الفائت وهل من دور لها في إغناء الحراك المسرحي وتفعيله؟

– المشروع الفني الناضج أهم بكثير من أية جائزة، هذا ينطبق على المسرح والأدب والشعر والفن، روايات نجيب محفوظ على سبيل المثال أهم من نوبل، ورواية «مائة عام من العزلة» لماركيز كذلك أهم من نوبل، هل كان بدر شاكر السياب يطمح بجائزة عندما كسر عمود الشعر العربي، هناك أدباء ومبدعون كثر رفضوا أهم الجوائز، سارتر على سبيل المثال رفض جائزة نوبل، عندما يبدع الفنان وهو يفكر بالجائزة يموت الابداع وتموت القيمة الحقيقية للجائزة، لذا فإن الجوائز نوع من التكريم لا يعول عليه في خلق فن حقيقي، والجائزة الحقيقية برأيي هي المنجز الابداعي والجمالي الذي لا تضاهيه أية جائزة في الكون، وهذا لايعني أنني ضد دعم الكاتب من المؤسسات الرسمية والخاصة وانما ليس على شكل جائزة بل بتمويل مشاريعه الابداعية وتقديم الدعم اللوجستي له.

أخيرا، كيف توجز ملامح المشهد العراقي اليوم؟، وما هو المطلوب من المثقف العراقي في تلك المرحلة؟

– إذا كانت ثمة بيوت نائحة في العراق كله فالبيت الأكثر ألماً ونواحاً هو البيت العراقي والمثقف العراقي ككل، فعناصر الجمال المبدعة هي التي دفعت الضريبة ومازلت تدفعها شهداءً وقتلى ومسجونين ومهجرين، فأي ثقافة وأي مسرح ينجز في مثل ذلك الفضاء المضرب والمحتقن!

الا أن المدهش هو كون العناد العراقي لازال بهياً وسيبقى، فالمسرح موجود ولكن ليس بالصورة التي نتمناها ونطمح لها، نعم نعاني ونقلق كثيرا من موت مشاريعنا لكننا كمسرحيين ومثقفين في العراق صامدون ونصر على التمسك بهذا التراب ليس مدعاةً للبطولة وانما مدعاةً للعشق والجمال والمحبة والفن والابتكار.. مايزال العراق هو الساقي رغم أنه مريض وعليل ومتآمر عليه من إخوانه وابناء عمه وربما بعض أبنائه، الا أن السؤال الملح هو: «إلى متى نبقى نرقص على أرض ملغومة؟!».

 

 

http://www.al-watan.com/

Khaled Sameh Almajali

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.