أخبار عاجلة

الفرقة القومية للتمثيل…جذور وآفاق 1967 – 2003 – العراق

تعد الفرقة القومية للتمثيل الفرقة المسرحية الأولى التي تشكلت بمبادرة من الفنان الرائد الراحل حقي الشبلي مع مجموعة من الفنانين المسرحيين (يوسف العاني، عزمي الصالح، سلام علي السلطان و جعفر العلاق) بتاريخ 14/آيار/1967 وكانت باكورة أعمالها المسرحية (وحيدة) من إعداد الفنان حقي الشبلي عن الكاتب موسى الشابندر وإخراج الفنان محمد القيسي وكانت فكرتها حول موضوعة الخير والشر وتم تقديمها في مسرح الفرقة السابق في كرادة مريم بتاريخ 13/10/1968.

إن الغاية من تأسيس الفرقة القومية للتمثيل هو جمع الفنانين المسرحيين العراقيين الأكاديميين وكان أغلبهم من خريجي الجامعات الأمريكية والبريطانية وبعض الدول الإشتراكية سابقاً، إضافة الى خريجي أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد. وقد إستطاعت الفرقة بالفعل إستقطاب أغلب هؤلاء الفنانين من أكاديمية الفنون الجميلة والفرق الأهلية في بغداد، التي عملت الى جانب الفرقة القومية ومن أهمها (فرقة مسرح الفن الحديث ومؤسسها الفنان الكبير يوسف العاني مع عدد من الفنانين الكبار –خليل شوقي وسامي عبد الحميد-).
وكانت هذه الفرقة تعد من أنشط الفرق المسرحية ولها جمهور واسع في جميع المحافظات وبغداد وكانت تتخذ من مسرح بغداد مقراً لها. والفرقة الأهلية الثانية “فرقة المسرح الشعبي” ومؤسسها الفنان الكبير الراحل جعفر السعدي كانت تتخذ من “مسرح الستين كرسي” ببغداد مقراً لها وحظيت ايضاً بجماهيرية مهمة.
وفرقة المسرح الحر ومؤسسها الفنان الكبير الراحل جاسم العبودي، وفرقة مسرح الطليعة ومؤسسها الفنان الكبير بدري حسون فريد، وفرقة مسرح 14 رمضان ومؤسسها الفنان الرائد أسعد عبد الرزاق، وفرقة مسرح الرسالة ومؤسسها الفنان سعدي يونس، وفرقة مسرح اليوم. والعديد من الفرق الأخرى المنتشرة في بغداد والمحافظات.
وكان ينحصر نشاط هذه الفرق الأهلية بتقديم العروض المسرحية في بغداد في القاعات المخصصة لهذه الفرق ولم تستطع أن تكون واجهة للمسرح العراقي خارج العراق من خلال المهرجانات العربية والدولية إلا بعروض قليلة جداً أغلبها من فرقة المسرح الحديث برغم وجود نخبة متميزة من الفنانين العراقيين تعمل في هذه الفرق.
وقد جاءت ولادة الفرقة القومية للتمثيل في ظل حركة مسرحية وثقافية كان يشهدها الواقع الثقافي العراقي في أوج عطاءه ورقيه الإبداعي، مما جعل الفرقة القومية تأخذ مساراً جديداً وتتوج رسمياً لحمل راية المسرح العراقي في المهرجانات المسرحية العربية والدولية وحصلت خلالها على العديد من الجوائز والتكريمات ومن أهمها (مهرجان القاهرة التجريبي ومهرجان دمشق المسرحي ومهرجان قرطاج المسرحي والمهرجان الأردني) وقدمت عروضاً مسرحية مختلفة في المغرب وتونس والجزائر والإمارات والقاهرة.
ضمت الفرقة القومية للتمثيل ثلة إبداعية من المخرجين الذين إمتازوا بتنوع تجاربهم واساليبهم الإخراجية وإستفادتهم من دراستهم الأكاديمية في الدول التي درسوا فيها ومن هؤلاء المخرجين الكبار (سليم الجزائري) ومن أهم أعماله المسرحية (الثعلب والعنب وجيش الربيع، الأشجار تموت واقفة). والمخرج الراحل جاسم العبودي ومن أهم أعماله المسرحية (كلهم أولادي)، والمخرج الكبير الراحل إبراهيم جلال ومن أعماله (المتنبي والشيخ والغانية، البيك والسائق)، وقد إتسم أسلوبه بالمدرسة البرشتية وقد أكمل دراسته العليا في الجامعات الأمريكية.
والمخرج الكبير سامي عبد الحميد ومن أهم أعماله (كلكامش هاملت عربياً، عطيل في المطبخ). والمخرج الراحل عوني كرومي ومن أهم أعماله (الخال فانيا، صراخ الصمت الأخرس، رثاء أور) وكان له مشروعه المسرحي المتأثر بالطريقة البرشتية لكنه إستطاع أن يضع بصمته المتميزة في هذا المشروع.
وبعد أن أسس مشروعه هذا بأعمال ناجحة لم يستطع أن يتواصل بسبب هجرته الى ألمانيا، وإستطاع هناك أن يؤسس مشروعاً مسرحياً مشتركاً مع الألمان حتى رحيله قبل عامين.
وكذلك عمل في الفرقة القومية للتمثيل المخرج الكبير قاسم محمد وكان يعد ويكتب أغلب عروضه المسرحية مستفيداً من التراث العراقي والعربي. ومن أهم أعماله (كان يا ما كان، شخوص في مجالس التراث، الباب، طير السعد، حكايات العطش والناس) وإستطاع المخرج الكبير الراحل هاني هاني أن يقدم عروضاً مسرحية عالية التجريب أكدت حضورها في المهرجانات العربية، ومن أهم أعماله (الناس والحجارة، قصة حب معاصرة، ألف أمنية وأمنية).
وعمل المخرج الكبير محسن العزاوي عدة أعمال مسرحية للفرقة وتميز أسلوبه الإخراجي بالإهتمام الكبير بتوظيف السينوغرافيا العالية الصورة والخيال. ومن أهم أعماله (الغزاة).
ومن أهم عمال المخرج الكبير فتحي زين العابدين الذي أنهى دراسته في تشيكوسلوفاكيا (سابقاً) (جزيرة أفروديت، الطائر الناري، صورة عائلية، الأمس عاد من جديد -وهي من تأليف يوسف العاني-، ومسرحية المحطة).
وكذلك قدم المخرج والممثل الكبير عزيز خيون العديد من الأعمال المسرحية وإستطاع أن يحقق حضوراً عربياً ودولياً من خلال عروضه التي إمتازت بالتجريب. ومن أهم أعماله (مسافر زاده الخيال). وكذلك قدم المخرجون وجدي العاني وسعدون العبيدي وعواطف نعيم وفخري العقيدي و د. عبد المرسل الزيدي، أعمالاً مسرحية عديدة للفرقة القومية وأصبحت جزءاً من تاريخها الفني.
إستعانت الفرقة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات بالعديد من المخرجين الكبار من خارج تشكيلتها الإدارية وإستطاعوا أن يجذروا المسرح التجريبي العراقي وإنتشاره عربياً وأصبحت هناك اساليب ومدارس خاصة بهؤلاء المخرجين المبدعين، وكان تحديثهم للمسرح العراقي وتجربة الفرقة القومية من أهم اسباب إنتشار المسرح العراقي عربياً.. وهم المخرج صلاح القصب والمخرج د. عقيل مجدي والمخرج سامي عبد الحميد والمخرج د. شفيق المهدي والمخرج والناقد د. عبد المرسل الزيدي و د. ناجي عبد الأمير.
كما ضمت الفرقة القومية للتمثيل نخبة كبيرة من الممثلين والكتاب الكبار وقدموا أجمل العروض المسرحية وحصدوا العديد من الجوائز في المهرجانات العراقية والعربية والدولية وحصلوا على شهادات كبيرة من أهم الشخصيات الفنية في المسرح العربي والعالمي، ومن هؤلاء الممثلين المبدعين(عبد الجبار كاظم، طعمة التميمي،طالب الفراتي، راسم الجميلي، غازي التكريتي، عزيز عبد الصاحب، محسن الشيخ، محمد القيسي، سليم البصري، كامل القيسي، عبد الستار البصري، عبد الجبار الشرقاوي، سامي قفطان، عزيز خيون، عز الدين طابو، عدنان شلاش، محمود أبو العباس، آزادوهي صاموئيل، فاطمة الربيعي، سليمة خضير، سعدية الزيدي، هناء محمد، شذى سالم، إقبال نعيم، عواطف نعيم، فوزية حسن، سمر محمد، زهرة الربيعي) وآخرون ممن رفدوا هذه الفرقة بأجمل ما يملكون من أداء رائع للأعمال المسرحية العراقية والعالمية.
شاركت الفرقة القومية للتمثيل في مهرجانات المسرح العراقي ودوراته العديدة، وإن كانت غير منتظمة زمنياً، وكذلك في مهرجان بغداد العربي للمسرح الذي أقيم في بغداد لدورات قليلة وبمشاركة أغلب الفرق المسرحية العربية الرسمية. وكان يعتبر من أهم المهرجانات العربية بعد القاهرة وقرطاج، إلا أنه كان سلبياً بالنسبة الى الفنان العراقي لعدم إستطاعته تفعيل الحركة المسرحية العراقية بشكل يوازي أهمية هذا المهرجان العربي فيما كانت السلطة آنذاك تقدم الدعم الكبير للوفود العربية المشاركة، يالإضافة الى عملية الإقصاء والتهميش التي كان يعاني منها العديد من المسرحيين العراقيين المبدعين في ظل تلك السلطة.
وقد جاءت أغلب هذه المهرجانات بخطاب سياسي تعبوي يدعم الحرب ورفع الحصار الإقتصادي ولا يمكننا إغفال بعض العروض المسرحية التي تخطت مقص الرقيب “والسلامة الفكرية” بقصد أو بغير قصد وقد إستطاعت أن تعبر عن الواقع المأساوي الذي عاشه العراقيون آنذاك، ورفضها لفكرة الحرب والدعوة الى الحرية وأهمها (الذي ظل في هذيانه يقظاً، المومياء) لغانم حميد. حيث إمتاز هذان العرضان بجرأة كبيرة ومستوى عالٍ من الخيال والجمال وإستطاعا كسر حواجز الكسل والعجز والسبات التي عانى منها المسرح العراقي في الثمانينيات.
في منتصف ذلك العقد إنتشرت ظاهرة المسرح الإستهلاكي أو التجاري، وللاسف، ساهم فيها العديد من الفنانين، وخاصة أن الفرقة القومية بدأت تنتج مثل هذه الأعمال الهابطة والهادفة الى السخرية من الإنسان ورسالة المسرح العظيمة من خلال توظيف الغجر وبنات الهوى في تلك العروض، وجذب نوع مختلف من الجمهور الى تلك المسارح وخاصة إنها كانت تعرض في أهم قاعات المسرح مثل (الرشيد، الوطني، الإحتفالات، المنصور).
وكان يقود هذه الأعمال بعض من المخرجين المسرحيين الذين كانوا يعملون في المسرح الملتزم والجاد وركبوا التيار بدعم كبير من المؤسسة الفنية والسلطة السياسية وتجسد هذا الدعم مادياً وإعلامياً وتوظيف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة لتروج لذلك النوع الهابط من الأعمال المسرحية للفت إنتباه بعض فئات المجتمع الى تلك العروض دون الإنتباه الى ما يحدث من مأساة حقيقية من جراء مغامرات الحروب والخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالعراق.
وبذلك ساهم هؤلاء الفنانون الذين عملوا في هذا المسرح الإستهلاكي بالإساءة الى شعبهم ومسرحهم وثقافتهم وأخذوا يتفاخروا بما يقدموه على قاعات المسارح وبعلاقاتهم المشبوهة مع بعض المسؤولين من السلطة الحاكمة.
ولهذا عزف الكثير من أعضاء الفرقة القومية عن العمل في المسرح وإرتأى القسم الاخر الهجرة خارج الوطن. إن هذه الظروف السيئة لوضع المسرحي العراقي أدت الى إختراق وهيمنة الطفيليين والمتطفلين والسماسرة والتجار للفرق المسرحية وبضمنها الفرقة القومية للتمثيل وتحويل الفرقة من التمويل المركزي الى التمويل الذاتي لإرغام الفنان على العمل في اي نوع تريده السلطة والمؤسسات الرسمية. ولا زال الفنان العراقي يعاني من تلك التركة الثقيلة دون حلول لها من قبل المؤسسات الجديدة في دائرة السينما والمسرح وخاصة الفرقة القومية للتمثيل.
كذلك إستطاعت الفرقة القومية للتمثيل تقديم عروض مسرحية عديدة تتناول موضوعات الحرب وتأثيراتها الفكرية والإجتماعية على الإنسان العراقي. إن تلك العروض ما هي إلا وجه آخر من العروض التعبوية التي تدعم توجهات السلطة من خلال ترويج رسائلها الإعلامية ومنها (إننا لا نريد الحرب ولكنها عندما تفرض علينا نقاتل).
و روّج لهذه للعروض التعبوية لتغطية الحقائق والبشاعة والمحرقة التي كانت ترتكب بإسم القومية والوطنية والكرامة مقابل تدمير بنية المجتمع العراقي بمختلف أجياله وفئاته داخل محرقة (الحرب المفروضة).
تعاقبت على الفرقة القومية للتمثيل عدة إدارات مختلفة تبعاً للمتغيرات الإدارية لدائرة السينما، فتولى إدارة هذه المؤسسة (عبد الأمير معلة و يوسف الصائغ و فاروق سلوم ومن ثم عاد د. فاضل خليل الذي لم يستمر سوى ثلاثة اشهر مع إنه كان يحمل مشروعاً فنياً حقيقياً لأجل الإرتقاء بالواقع الماساوي لدائرة السينما والمسرح لكنهم سرعان ما أحلوا لؤي حقي مكانه ليبقى الأخير حتى سقوط الصنم في 9/4/2003 أو بعدها بأشهر.
وكانت هذه الإدارات تضع من يقود الفرقة ممن له باع طويل في علاقاته الشخصية الكبيرة مع هؤلاء المسؤولين وليس على اساس الكفاءة والتمييز والإستحقاق وهذا من أهم المشاكل التي واجهتها الفرقة ولا تزال لحد يومنا هذا.

——————————–
المصدر : مجلة الفنون المسرحية – عماد محمد – مرافئ

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.