أخبار عاجلة

الدراماتورجيا البديلة: نقاش بين الأستاذين محمد السلاموني (مصر) وخالد أمين (المغرب)

من أجل الإفادة والاستفادة تم نقل هذا النقاش من على صفحات الفيسبوك الخاصة بالأستاذ الدكتور محمد السلاموني والموقع المتخصص في الشؤون المسرحية المسرح دوت كوم الذي يشرف عليه الأستاذ سباعي السيد، وهو النقاش الذي يدلي فيه البروفيسور خالد أمين برأيه حول مجموعة من القضايا الخاصة بالدراماتورجيا البديلة التي طرحها الأستاذ السلاموني موضع نقاش وتوضيح. يعاد نشره كاملا من أجل اطلاع الرأي العام العربي المهتم بالدراسات المسرحية وتطور فنون الفرجة.

قضية للمناقشة: المسرح البديل ومشكلة التمثيل؟

محمد حامد السلموني:

يبدو لى أن هناك مشكلة كبيرة، بل وأصيلة أيضا، فيما يخص المسرح (البديل)، السائد الآن، باعتباره (وسيطا موسعا يستوعب كل باقي الوسائط .. وما مسرح ما بعد الدراما إلا مثال على ذلك…)؛ كما يقول الدكتور خالد أمين ..

ذلك أن التيارات المسرحية الجديدة، على اختلافها، تؤسس عروضها (فيما تتصور أنه الممارسة الاختلافية المعاصرة ذاتها) على (التجسيد ؛ المتعدد الوسائط) عوضا عن (النص – اللغوي) ؛ سعيا لتجاوز مشكلة اللغة والإيديولوجيا ، وتحقيقا لتواصل أكثر نجاعة مع المتفرج المعاصر – هذا على الرغم من أن إشكالية المسرح الآن تكمن فى (التجسيد أوالتمثيل نفسه) ؟ .. فإشكالية المسرح (الكلامي) ، في العصر الحديث ، تكمن في اتساع الفجوة بين (اللغة والعالم والوعي) ، مما تعذر معه استمرار المسرح في أداء وظائفه التقليدية (نقل الرسائل ، إحداث أثر ما …) ؛ وبلغة مسرحية ، لم يعد العرض المسرحي (بما هو استعارة) ممكنا ؛ نظرا لغياب (المرجع المشترك) بين العرض والمتفرج ، ذلك المرجع الذي هو قوام (نظرية العرض) ؛ إذ هو وسيلتنا في تحقيق الإيهام (بالواقع) ومن ثم إنتاج المعنى .. مما يعنى أن (العرض بوصفه تجسيدا مرئيا مسموعا) لم يعد يوهمنا بواقع ما ، مشترك ، مما حوله إلى مجرد اقتراح تخيلي من قبل المخرج بصورة ما عن الواقع ، مثله مثل الصور الخيالية العديدة التي ترتسم في أذهان المتفرجين عند تمثلهم للغة التي تتدفق من أفواه الممثلين (فاللغة لم تعد تتطابق مع العالم – كما كان يعتقد من قبل – ومن ثم لم تعد تستحضره بكيفية محددة ومتماثلة في الأذهان جميعا) ..

ولمزيد من إيضاح الأمر، أقول : تتأسس نظرية العرض المسرحي على النظرية اللغوية القديمة التي تقول بأن الكلمات تنوب عن الأشياء في الحضور ؛ فهي وإن كانت لا تتطابق معها ، إلا أن بينهما علاقة تناسب ومواءمة (أو هكذا قال سقراط وأفلاطون وأرسطو) ، مما يعنى أن الكلمات (تحاكي أوتمثل) الأشياء ، لذا جرى الاعتقاد ، طوال تاريخ المسرح ، بأن الإيهام الأدبي المتعلق بالنص اللغوي ، يتحول تلقائيا إلى إيهام مسرحي بمجرد تحويل النص إلى عرض؛ ومن هنا كان الحديث عن التطهير ، ثم الاندماج والانفصال …

و بعد دي سوسير ، وبعد انفصال أو استقلال نظام اللغة عن نظام الأشياء، وإقراره باعتباطية العلاقة بين العلامة اللغوية والشيء ، ثم انتهاؤه إلى أن العلامة (تدل) على معنى الشيء ، دون أن (تمثله) ، أقول: بعد دي سوسير ، تحولت العلاقة بين النص والعرض المسرحي إلى إشكالية ، وما ظهور الإخراج المسرحي؛ والمذاهب والمدارس والمناهج والتيارات والحركات المختلفة والعديدة، في النصف الأول من القرن العشرين ، إلا محاولات متوالية لحل تلك الإشكالية ..

ولكننا نلاحظ أن ذلك كله كان يتم في إطار الإقرار بوجود ما يسمى بـ (مبدأ الواقع) ؛ أي الواقع الحقيقي (الموضوعي) الذي لا يتسلل إلينا الشك في وجوده ، فالاستعارة المسرحية (أيا كان نوعها) لم تكن سوى تمثيلا له …

وبعد اغتيال ذلك الواقع، في إطار ما سمى بالواقع الافتراضي ، كان محتما على الاستعارة المسرحية (ونظرية العرض المسرحي برمتها بالطبع) أن تواجه الإشكالية التاريخية المتعلقة بتبرير وجودها ذاته ..

من هنا كان التحول الأخير الذي نحياه الآن ، إلى الفنون الأدائية أو مسرح ما بعد الدراما …

فالمسرح الجديد ؛ بارتكازه على العرض (المجسد بوسائط عديدة – بمنأى عن اللغة الكلامية ؛ إذ لم يعد يتمركز حولها) ، إنما يضع المتفرج أمام (صورة غير ناطقة للعالم – أو ناطقة في الحدود الدنيا) ، وهنا نجد أنفسنا أمام ظاهرتين ، الأولى : سيقوم المتفرج بتحويل الصور المرئية إلى لغة كلامية (ذلك أن الأشياء تسكن ، تتوطن اللغة ، ونحن نتعامل معها عبر اللغة) ، أي أن المتفرجين سيتحولون إلى مؤلفي نصوص ؛ مما يعنى أننا إزاء عملية مسرحية معكوسة (لا تبدأ بالنص وإنما تنتهي إليه ، وبذلك يصير العرض سابقا على النص ، بل على النصوص ؛ نصوص المتفرجين) .. والثانية : الصورة ؛ صورة العالم التي يقدمها العرض الجديد ، ما مصدرها ؟ .. نحن نعرف أنها لم تعد تمثيلا للواقع (الذي تم اغتياله)، وأنها مجرد صورة متوالدة من الصور الأخرى (المصطنعة) التي حلت محل الواقع الحقيقي وتدعى تمثيله والتحدث باسمه …

ما يعنيني هنا أمرين :

(1) تحويل المتفرج إلى مؤلف – وعلى الرغم من أنه أمر جيد ، إذ يفجر الطاقة الإبداعية عند المتفرج، إلا أنه يحطم سلطة المسرحيين ويأتي بالكامل على هيمنتهم على العرض (من حيث الرسالة والأثر) ..

(2) كون العرض مجرد صورة متناسلة من صور أخرى ، يضعنا أمام القتل المضاعف للواقع الحقيقي، إذ يبتعد بنا عنه أكثر وأكثر ، مما يحول المسرح إلى أحد وسائل اختلاط المعايير ..
وبالربط بين الأمرين سنجد أنفسنا أمام متفرجين غارقين ، كل في منولوجه الداخلي المتمحور حول عالم وهمي ، مما يدفع بهم نحو مزيد من العزلة (؟!!) ..

هذه المقاربة النظرية الأولية للمسرح البديل ، بقدر ما تشير (أو تحاول أن تشير) إلى أن هناك مشكلة جذرية تتعلق بالمسرح من حيث علاقته بالواقع وبالمتفرج ، إلا أنها لا تعني أكثر من الدعوة لضرورة مواجهة (مبدأ التمثيل) ، مواجهة جدية ، ذلك أنه يستحيل علينا تجنبه ؛ لأنه (فحص لمعنى الواقع) – كما تقول ليندا هتشون – فأيا كان الواقع (أحادي ، متعدد ، حقيقي ، افتراضي … إلخ)، فلا وسيلة لدينا لفحص معناه سوى التمثيل ..

تقول (ليندا هتشون) : (… ليس بمقدورنا أن نتجنب التمثيل ، غير أنه يمكننا أن نحاول تجنب جعل فكرتنا عنه ثابتة ، والافتراض بأنها تتعدى التاريخ وتتجاوز الثقافة) ، هذا على اعتبار أن (ما بعد الحداثية تكشف عن رغبة في فهم الثقافة الحاضرة على أنها نتاج أشكال تمثيل سابقة ، فيصبح تمثيل التاريخ تاريخ التمثيل) ، وتضيف : (إن الفن ما بعد الحداثي يعترف بتحدي التقليد (tradition) ويقبله ، وهو (لا مهرب من تاريخ التمثيل ، لكن يمكن استغلاله والتعليق عليه نقديا بالتهكم والسخرية)

خالد أمين: شكرا صديقي في المعرفة الباحث الفذ الأستاذ محمد السلاموني على إثارتك لهذه الإشكالية الآن ونحن نحتفي باليوم العالمي للمسرح. لدي درس الآن، لكني أعدك بالمساهمة بوجهة نظري في الموضوع في الظهيرة إن شاء الله.مع التحية والتقدير.

محمد حامد السلاموني:

شكرا يا دكتور ، وممتن لحضرتك جدا ..

خالد أمين:

أشكرك صديقي في المعرفة الأستاذ محمد السلموني على إثارتك لهذه القضية الشائكة ونحن نحتفل باليوم العالمي للمسرح… واحتفالنا هذا يعني أن مسرحنا جزء مما يقع في العالم من حولنا…. سأعطي وجهة نظري بخصوص بعض النقط، ولكن قبل ذلك أريد أن أوجه لك صديقي في المعرفة تحية خاصة على ملاحظاتك الدقيقة بخصوص بعض من دراساتي…. وآرائك الفاحصة والبالغة الأهمية… ما أحوجنا لمثل هذه النقاشات الجادة في مجالنا العمومي الافتراضي، لكن مع مراعاة أدبيات ثقافة الاختلاف… لأن الاختلاف رحمة وهو السبيل لتطور معارفنا المسرحية…

(1) رغم اتساع الفجوة بين (اللغة والعالم والوعي كما تفضلت)، لا يزال المسرح يؤدي بعض وظائفه التقليدية ومنها على الخصوص ‘إحداث أثر ما على المتفرج… بل حتى مسرح ما بعد الدراما بإمكانه كشف الهوة الكامنة بين التجربة الشخصية والإدراك، حيث نواجه ـ باعتبارنا متفرجين، ولو لفترة وجيزة هي مدة العرض ـ ذواتنا بما هي وجود إنساني داخل مجتمع سريع التحول نتيجة السيرورات الوسائطية الثاوية في عمق التبادلات المادية والرمزية المحيطة بنا… لذلك أقول: أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار مستويات التحقق النصي في العرض المسرحي: النص اللساني (منطوق)، نص الإخراج المسرحي، ونص الفرجة من حيث هي بنية محددة وشاملة للحدث المسرحي، فمن الممكن أن نلاحظ، كما يؤكد هانس ليمان أيضا، أنه في الوقت الذي يختفي فيه الحوار (اللغوي) فور إنجازه فوق الخشبة، ينشأ حوار من نوع آخر بين الخشبة والجمهور: حوار يرغم المتلقي على مواجهة ذاته. وهذه المواجهة تدخل في صلب دراماتورجيا المتفرج، كما تفضلت صديقي ببلاغة راقية. ولا أخفيك أن آخر مساهمة لباتريس بافيس (لا تزال قيد النشر/ ترجمة سعيد كريمي/خالد أمين) قد طرحت نفس الإشكالية وقد سماها هو بدراماتورجيا المتفرج….

(2) أتفق معك في الكثير من النقط بخصوص العرض المسرحي وتحولاته الراهنة “فالتحول الأخير الذي نحياه الآن والذي يتجه كما أشرت إلى الفنون الأدائية أو مسرح ما بعد الدراما يؤكد تحديدا مقولة “المسرح وسيط موسع يستوعب وسائط أخرى وفنون أخرى”.. وهي مقولة يتبناها العديد من الباحثين… لقد عرف المسرح تحولات عميقة، كما تفضلت، ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين فيما عرف بـ”المنعطف الفرجوي”.. وأهم ما ميز هذا التحول، هو انفتاحه على باقي فنون المدينة والوسائط… لم يعد مفهوم التمثيل يؤدي نفس الوظيفة…. وهنا أتفق معك بالكامل… ولكن الحساسيات الجديدة لم تلغ سابقاتها…. بل فقط نقلت التشديد من مكونات إلى أخرى… أما مسرح ما بعد الدراما فقد اعتمد كل مكونات العرض المسرحي بشكل متساوي، وهو بذلك لم يلغ النص الدرامي، كما ذهب إلى ذلك البعض منا، بل فقط اعتبر النص مثله مثل غيره من المكونات الأخرى….

لقد أصبح استعمال الوسائط في تجاربنا المسرحية العربية أمرا مثيرا للاهتمام كما لمسنا ذلك في آخر دورة لمهرجان المسرح العربي بالشارقة 2014. وهنا لا بأس من إدراج تجربة مهمة من مصر لداليا بسيوني وفرقة السبيل. تعيد الأجهزة الفيلمية لداليا بسيوني في مسرحية “سوليتير” النظر في التجربة الفرجوية وتقترح إقامة علاقة مختلفة جدا بـ’الحقيقي’؛ وبذلك، فإن الوسائط الجديدة تساعد على تجنب حدود ‘التمثيل’، واقتراح مكان جديد للمشاهد والمؤدي على حد سواء، إذ بمجرد ما تنزاح الإحالات الذاتية للحدث الفرجوي يصبح الركح مكانا مفتوحا للتفكير في قضايا شائكة مثل: الأرشيف والذاكرة الفردية والجماعية والتاريخ داخل شروط اللحظة التاريخية المعيشة. والأرشيف، هنا، “يحمل في طياته مشكلة الترجمة؛ فمع التفرد الذي لا يستبدل بوثيقة ما للتفسير، للتكرار، للاستنساخ… وبالتالي معروضا وغير متاح للترجمة بآن معا، مفتوحا على ومنغلقا على التكرار والاستنساخ التقني…”

أما بخصوص إلغاء التراتبية فيمكن استحضار تجربة مغربية. تتميز دراماتورجيا فرجة “دموع بالكحول” (فرقة أنفاس من المغرب، إبداع 2013) بنزوع نحو إلغاء التراتبية بين مكونات العرض المسرحي. لقد تم توظيف كل من النص الدرامي، والممثل، والفضاء، والزمن، والإضاءة، والملابس، والموسيقى الحية، والمنجز السينوغرافي… بطريقة متساوية وبمعزل عن مركزية أو هيمنة لمكون ما… وهذا في حد ذاته اختيار ذكي من طرف المخرجة أسماء الهوري. إنه أسلوب ما بعد درامي فيما يخص دراماتورجيا الفرجة وتعاطيها مع مكونات العرض المسرحي…

أما النقطة الثالثة (3) والأخيرة: “فالمسرح الجديد ؛ بارتكازه على العرض (المجسد بوسائط عديدة – بمنأى عن اللغة الكلامية؛ إذ لم يعد يتمركز حولها) إنما يضع المتفرج أمام (صورة غير ناطقة للعالم – أو ناطقة في الحدود الدنيا)، وهنا نجد أنفسنا أمام ظاهرتين، الأولى: سيقوم المتفرج بتحويل الصور المرئية إلى لغة كلامية (ذلك أن الأشياء تسكن ، تتوطن اللغة، ونحن نتعامل معها عبر اللغة)، أي أن المتفرجين سيتحولون إلى مؤلفي نصوص؛ مما يعنى أننا إزاء عملية مسرحية معكوسة (لا تبدأ بالنص وإنما تنتهي إليه، وبذلك يصير العرض سابقا على النص، بل على النصوص ؛ نصوص المتفرجين”

عرفت الدراماتورجيا في زمننا الراهن تطورا ملحوظا، ومع ذلك يحق لنا أن نتساءل: هل كلمة “بديلة” كافية لاستيعاب هذه التلوينات الدراماتورجية الراهنة؟ وقبل هذا وذاك، هل كلمة ‘بديلة’ تعني بالضرورة القطيعة مع ما هو سائد؟ يمكن فهم “الدراماتورجيا البديلة” على أنها كل أنواع العروض الفرجوية الجديدة التي لا تنطلق من بنية مسرحية نصية/ أدبية محضة، وتتطور من حيث هي عروض وأشكال فرجوية، لفظية وغير لفظية، تختلط بالأدوات الوسائطية، والكوريغرافيا، والرقص، والارتجال… إذ لا يخفى على المتتبع لتاريخ وتطور الفنون الفرجوية أنه قد بدأت الفرجات المحايثة (بما فيها فن الأداء والفرجة الخاصة بالمواقع)، منذ ستينيات القرن الماضي، في إبعاد الأدوات المسرحية الفردية عن سياقاتها التقليدية العامة (إريكا فيشر ليشته 2008، 140)؛ ذلك أن انتشار ما تسميه فيشر ليشته بـ”الظواهر الناشئة” قد ساهم بشكل واسع في تقويض إمكانية الاستمرار في إنتاج المعنى بشكل متواصل من خلال التمثيل المسرحي التقليدي فقط. وبالتالي، فإن “الدراماتورجيا البديلة” هي أيضا محاولة لإيجاد طرق بديلة لاستفزاز منظومة “الحضور” و”التمركز حول الذات”، وهي أيضا سعي لإعادة النظر في أدوار المؤدين والمتفرجين والنقاد على حد سواء. ناهيك عن تفكيك المفاهيم الكلاسيكية الجديدة الخاصة بدراماتورجيا النص الدرامي/ الحبكة/ الشخصية/ الوحدة العضوية، وذلك من خلال محاولة تعطيل ونقض جميع أشكال التراتبية الكامنة في تخوم آليات صناعة الفرجة… وإيجاد بدائل دراماتورجية قادرة على التعبير بشكل أفضل عن انشغالات إنسان القرن الحادي والعشرين.

لا تعني الدراماتورجيا البديلة بالضرورة القطيعة مع ما هو سائد، بل على العكس من ذلك، فهي تلك الممارسة الدراماتورجية المختلفة والمغايرة التي لا يمكنها أن توجد إلا في حدود علاقتها مع آخرها. وهي بذلك استيعاب وتجاوز للدراماتورجيا السائدة في نفس الآن دونما إلغائها بالكامل. لذلك، يمكن التأكيد ها هنا بأن الدراماتورجيا ‘البديلة’ لا تعني بالضرورة الانفصال والقطيعة، لأنها لا تلغي ما سبقها. فكل الأساليب الدراماتورجية لا تزال تتجاور وتتعايش وتقتبس من بعضها البعض… وما يميزها عن بعضها هو نقل التشديد من أحد مكوناتها إلى آخر دونما التخلي عنه كلية… فدراماتورجيا ما بعد الدراما لا تعني البتة التخلي المطلق على النص الدرامي، بل فقط اعتماده كأحد مكونات دراماتورجيا الفرجة. والدراماتورجيا البرشتية الملحمية لم تعن في يوم من الأيام إطراح الدراماتورجيا الأرسطية بل نقل التشديد من آليات الاندماج إلى آليات التغريب…

ومع ذلك يحق لنا أن نتساءل: هل توجد علاقة ما بين الحساسيات المسرحية الجديدة التي تكتسح عالمنا العربي اليوم، والتي هي تقليد مسرحي ما-بعد كولونيالي في العمق، وما يمكن تسميته بـ ‘أصولها الأوروبية’ سواء الحداثية أو ما-بعد الحداثة؟ هل تلك التجارب مجرد إسقاطات وتمارين تحاكي الحداثة المسرحية الغربية كما يريد أن يوهمنا البعض (وقد ذهب بعضهم إلى اتهامها بالعمالة للغرب وخدمة الأجندات الأجنبية) أم هي بالفعل نابعة من وضعنا البيني الملتبس؟ مع الأخذ بعين الاعتبار مفهوم ليوتارد J. F. Lyotard حول معنى ما-بعد الحداثة عندما يذكرنا أن “ما-بعد الحداثة” “ليست هي الحداثة في نهايتها، لكنها الحداثة نفسها في بداية جديدة، وهي حالة ملازمة لما بعد الحداثة ودائمة.”… (يتحدث كتابنا المشترك مع د. محمد سيف حول الدراماتورجيا بتفاصيل أكثر بخصوص هذه العلائق).

صديقي في المعرفة، أشكرك جزيل الشكر على تفاعلك وعلمك وجدية طرحك… وكل عام وأنت ومسرحنا العربي بألف خير.

محمد حامد السلاموني:

نشكرك يادكتور على تلك الإضاءات الضافية والعميقة في الحقيقة ، وكم أتمنى من المسرحيين جميعا أن يشتركوا معنا في إخصاب تلك القضية – التي تقع في القلب من اشتغالاتهم .. عموما – إن جاز لي الحديث عن النقاط الرئيسة فيما سبق ، فبالإمكان القول أنها تتمحور حول : (1) التمثيل (2) المتفرج .. / (التمثيل) : وأعني به العرض المسرحي ككل (بوصفه استعارة) ، صار متمحورا حول المحاكاة الساخرة parody للتمثيل القديم ، وتحديدا حول تفكيك ميتافيزيقا العرض القديم (المركزية ، التراتب ، الوحدة ، الترابط … إلخ) – فالعرض الاستعارى صار يسخر من استعاريته ؛ تلك التى فقدت مبررات وجودها ، بل ويمكن القول أن الاستعارة الجديدة صارت استعارة تقويض وهدم لا استعارة بناء ، إذ تنبثق عن نوعين من الاستعارات ؛ (الواقع الافتراضى ، بماهو فيض هائل من الاستعارات التي غمرت الواقع الحقيقي ، والاستعارات المسرحية القديمة) مع ملاحظة أن (بودريار ودريدا) قد انتهيا إلى أن (كل شيء بات استعاريا ، لذا فلم يعد هناك من وجود للاستعارة) ؛ هذا على الرغم من مساريهما الفلسفيين المختلفين .. وبذا فهي تقف في مواجهة تاريخها كله (الذي هو تاريخ التمثيل) ، وتضعه في موضع سؤال تاريخي .. وأعتقد أننا في المرحلة المقبلة ، سنشهد ازدهارا كبيرا لذلك النوع من الدراسات المتعلقة بالعناصر المسرحية (الديكور ، الإضاءة ، الملابس ، السينوغرافيا ، الموسيقى … إلخ) ، من حيث التاريخ والنظريات والتقنيات ، ذلك أنها لم تعد تلعب دورا هامشيا ، مكملا .. / أما عن (المتفرج) : فقد تخلى هو الآخر عن تاريخه (السلبي) ، ولم يعد مرغما على إنتاج المعنى والأثر ، داخل المنظومة الاستعارية ، المجتمعية التي كان المسرح مضطلعا طوال تاريخه برعايتها ، بل صار متحررا ومبدعا لنصه الخاص (كدراماتورج) ، وأعتقد أيضا بأن نوعا جديدا من النقد والتنظير المتعلق بجماليات ونظريات (الفرجة – عوضا عن القراءة) المسرحية ، سيزدهر هو الآخر .. ومع ذلك كله ، يبقى سؤال الأسئلة كلها : ثم ماذا ؟ ، لم نزل أمام متفرجين غارقين ، كل في منولوجه الداخلي المتمحور حول عالم وهمي – أليس كذلك (؟!!) .. يبدو أن الإنسان لا يطيق العيش داخل كهف المعنى الفردي فقط ، لذا يبدو أيضا أن ظهور (بعد ما بعد الحداثة) ، بما هي عودة للمعنى (الحداثي)، إن هي إلا محاولة للخروج من كهف الأوهام الانفرادية ، ولعلها في هذا تتوازى مع عودة الإنسان الغربي إلى الجماعة أو (القبيلة – بالمعنى المجازى) – تلك التي تحدث عنها ميشيل مافيزولي، في كتابه (تأمل العالم) .. / وكل عام والمسرحيين جميعا بخير ..

في الحقيقة لا أريد للحوار أن ينتهي عند هذا الحد ، وفى حدود علمي ، فهذه ربما تكون هي المرة الأولى التي نصادف فيها حدثا حواريا حول تلك القضية ، لذا أدعو المسرحيين جميعا بألا يبخلوا علينا بمشاركتهم البناءة والهادئة – كمحاولة لاستثمار ذلك المنجز التكنولوجي الرقمي في عقد مؤتمرات (غير رسمية) موسعة ، حول الشأن المسرحي ..

تواصلا مع الطرح المعمق الذي فاض به علينا الدكتور خالد ، ربما أمكن القول إن مسرح ما بعد الدراما يثير من الإشكاليات ما من شأنه أن يفتح باب المناقشة مجددا حول ما تواضعنا عليه بخصوص (نظرية العرض المسرحي التقليدية) .. فمثلا : ماذا نعنى تحديدا بـ (دراماتورجيا المتفرج) ؟ ، وهل اضطلاع المتفرج بهذه المهمة أمرا جديدا ؟ ، ثم على أي نحو يقوم المتفرج بأداء مثل هذه العملية ، ولأجل من ؟ ، وما علاقتها بالأثر المسرحي للعرض ككل ؟ .. إذا كانت دراماتورجيا العرض تعني الاهتمام بكيفية عمل (بنى العرض ككل – وليس النص فقط) ، على تفعيل وطرح إستراتيجيات تأليفية أوتركيبية ، كما تقول باتريس بافيس – بغرض إحداث أثر ما ، فدراماتورجيا المتفرج هى اشتغال المتفرج على كل تلك الدراماتورجيات (أثناء عملية التلقي) ، بغرض (إعادة رؤية تجربته) ؛ كما يقول (فوخس) – ليصبح أكثر وعيا بأوجه لم يلحظها من قبل، كإعادة النظر في الواقع السياسي أو الاجتماعى ، أو الإنساني بوجه عام ، بأعين جديدة .. / يبدو أن مثل هذا الطرح برمته (جوهريا) ، إنما يتأسس على نفس ما كانت تتأسس عليه نظرية العرض القديمة – وهو ما أشرت إليه من قبل – إذ يعتقد المسرحيون بإمكانية إحالة العرض إلى واقع موحد ومتماثل (متطابق بكيفية ما) بينه وبين المتفرجين جميعا ، مما يجعل من التواصل (الإندماجي؛ العاطفي – كما عند ستانسلافسكي ، أو الانفصالى ؛ العقلي – كما عند برخت) إمكانية متاحة .. ويبدو أن هذه هي الفكرة المركزية الحاكمة للنوع المسرحى على مدار تاريخه كله ، والتي بدونها يكف المسرح عن الوجود ، وقد تم التعبير عنها بصيغ مختلفة ، عبر العصور ، وغير خاف أنها هى نفسها فكرة العقل الجمعي والعقل الكلى ، والذات الجماعية … إلخ ، تلك التي تمتح من فكرة (اللوغوس) !.. هكذا ، فالعرض المسرحي الحقيقي يبدأ من تلك اللحظة التي يتحول فيها المتفرج من الذات الفردية الصغرى إلى الذات الجماعية الكبرى ؛ ومعلوم أن تلك هي اللحظة التي يندمج فيها المتفرجون (كذات واحدة) في المعنى الكلى؛ الكوني – وقد سبق لدريدا أن تحدث عن تلك اللحظة ؛ بماهي لحظة الحضور القصوى ؛ حضور الذات والعالم ، واندماجهما معا ، بما هي أساس ميتافيزيقا الحضور … وهو ما تنبني عليه الميتافيزيقا بأسرها .. ويبدو أن الاعتقاد بتلك النظرية (مسرحيا) يصعب – إن لم يكن يستحيل – خلخلته ، نظرا لأن المسرح هو فن اللحظة الحاضرة أبدا .. / إذن ، هناك علاقة عضوية بين النظام المسرحي والنظام الميتافيزيقى واللاهوتى أيضا ، ويبدو أنه بالإمكان تأكيد ذلك بأكثر من وجه (فالمؤلف المسرحي ؛ واضع النص ، الخطة ، يعادل الله … وهكذا ، ويبدو أن المقولة الشيكسبيرية الشهيرة ، ” ما الدنيا إلا مسرح كبير ” إن هي إلا إحدى تجليات تلك الفكرة) .. ويبدو أيضا أن تلك الفكرة هي التي لم تزال تشد المسرح إلى نشأته الدينية ..

يبدو أن دراماتورجيا المتفرج ، وهى عملية شديدة التعقيد ، كما أشار الدكتور خالد ، إذ يعمل المتفرج خلالها على عدد كبير من النصوص ، إنما تتم على مرجعية محددة ، هي تجربته هو (ذاكرته، وعيه ، خبرته … إلخ)، هذا ودون أن ننظر إلى المتفرج باعتباره كان ولم يزل مساويا لنفسه على مر العصور .. ففي العصر الحديث تراجع التشابه والتماثل مع النماذج ؛ التي كانت تعمد إلى دمج الظواهر والموضوعات في وحدة واحدة ، كما كان الأمر قديما ، وهو ما نجده متحققا في الفلسفة ، من خلال فكرة واحدة (هي القانون الكلى الحاكم للنسق الفلسفي برمته) ؛ فى إطار الميتافيزيقا نفسها ، بماهي (البحث في ماهية الوجود) ..

هذا وقد ظلت المسافة تتسع باستمرار مع تطور العلوم والمعارف ، حتى استقلت الظواهر عن الفكر الماهوي ، وظهرت العلوم وتطورت وفقا لاختلاف الظواهر أو الموضوعات ومن ثم المناهج والأهداف / ولا ننسى أن مشروع (فوكو) الذي يتمحور حول ضرورة تحرير العلوم الإنسانية من الفلسفة ، لم يكن سوى إحدى حلقات تناول الغرب لأزمة العلوم عامة (الطبيعية – ابتداءا بديكارت ، ثم الإنسانية – هوسيرل ، هيدجر …) ..

من هنا حدث التحول على يد (كانط) من الوجود إلى المعرفة ، أي من الوجود في ذاته إلى الوجود لذاته ، ومن ثم صارت الأشياء تعرِّف بعلاقاتها بالأشياء الأخرى ، مما أدى لانفجار الوحدة الأيديولوجية القديمة ، وظهور التعدد والاختلاف والتنوع … كل هذا أدى إلى تباينات فى علاقات الفرد بالأفراد والجماعات ، بل وبالمجتمع ككل .. وهاهو الأمر ينتهي إلى (الذات) نفسها ؛ إذ تشظت وتعددت ولم تعد تنطوي على وحدة ما ..

هذا مع ملاحظة أن فكرة عدم التطابق بين الكلمات والأشياء ، قديمة قدم الفلسفة نفسها – فعند (كاسيرر) مثلا، كان ظهور الفلسفة قرين ظهور مشكلة اللغة ، وفى المسرح اليوناني كذلك – حسبما يذهب (جان بيير فرنان) ، سوء الفهم اللغوي (الناتج عن تعدد دلالات العلامة اللغوية) ، هو ما يصنع المأساوى ، وكذلك الأمر عند شيكسبير ، إذ يتم التصريح بإشكالية التعدد الدلالي اللغوي مباشرة (كما نرى في “مكبث” مثلا) ..

وإذا كان هذا ما يقدم على خشبة المسرح ، فقد كان المتفرج هو المهيمن على ذلك التعدد ، لا لشيء سوى لأنه يقبع خارج الحدث ، ويراقب العالم الدرامي من الخارج .. ومع ذلك فلم يكن هو نفسه منفصلا عن ذلك التعدد الدلالي وما يمكن أن يفضى إليه ، فإقراره بوجوده في الواقع اليومي ، هو ما يجعله يشفق على البطل التراجيدي ، ويخاف على نفسه … مما يعني أن علاقة الوعي بالعالم عبر اللغة، كانت – وما تزال – علاقة إشكالية ..

ما أريد أن أخلص إليه مما سبق ، هو أن تحول المتفرج من الذات الفردية إلى الذات الجماعية ، أثناء تلقيه للعرض، يبدو أنه (خرافة) صدقها المسرحيون واعتنقوها بل وتماهوا معها ، ولم تزل إلى الآن تقف وراء جميع النظريات المتعلقة بالعرض المسرحي ..

خالد أمين:

شكرا أصدقائي الأعزاء على تفاعلكم الإيجابي … شكرا عزيزي الأستاذ محمد السلموني على ما تفضلت به بخصوص إشكاليات دراماتورجيا المتفرج … ولكن قبل الحديث عن الأسئلة المرتبطة بالموضوع وعلاقته بما بعد الدراما، أريد أن أبرز أهمية المتفرج في صناعة الحدث المسرحي .. لقد كان المتفرج دائما في صلب نظرية العرض المسرحي … عكس اللوحة التشكيلية التي توجد داخل إطار، شيء ملموس، حسب ريتشارد شيكنر، والرواية التي تنبعث من الكلمات، فالفرجة المسرحية توجد من حيث هي فعل ورد فعل وعلاقة بين طرفين. وأيضا حسب فيشر ليشته، يكمن جوهر مفهوم الفرجوية/ الأدائية performativity في الوجود الجسدي بين المؤدين والجمهور كشرط مسبق لإنجاز فرجة ما. وحينما تشدد فيشر ليشته على البعد الاجتماعي للقاء المسرحي، فذلك لكونها تريد إبراز دور المتفرج في تحقيق الفرجة المسرحية من حيث هي حدث استثنائي بيني؛ فالتفاعل المتساوي بين الفاعلين يصبح علامة كل الأحداث الفرجوية: “تنجز الفرجة داخل ومن خلال الحضور الجسدي لكل من الممثلين والجمهور؛ ذلك أن كل فرجة تستدعي مجموعتين من الناس: “الفاعلون” و”المتفرجون”، يوجدون في زمن محدد ومكان معين لأجل تقاسم موقف ما … تنبعث الفرجة من لقائهم وتفاعلهم”. كما أكدت ذات مرة في أحد ندوات طنجة … وهنا أريد أيضا أن أدعو الثلة الكريمة من أصدقائنا الباحثين لقراءة كتاب إيريكا فيشر ليشته تحت عنوان “جماليات الأداء نظرية في علم جمال العرض” والذي ترجمته الباحثة المصرية المتألقة الدكتورة مروة مهدي. من جهة أخرى، يجب التشديد في هذا المقام أن دراماتورجيا المتفرج تحيلنا أيضا للتحولات المتسارعة في عالم المسرح والانتقالات من التركيز على المؤلف إلى مسرح المخرج … إلى دراماتورجيا المتفرج … وهو أفق أصبحت فيه “الشذرة” سيدة المقام المسرحي، إذ لم يعد هناك وصل بين مختلف مكونات الخطاب المسرحي. كما أدى انتشار الكتابة الشذرية إلى إرباك العلاقة بين الدال والمدلول … لذلك أصبح لكل متفرج مونولوغه الداخلي يغرق فيه لوحده … وبالتالي فبناء المعنى لم يعد مهما بنفس القدر الذي أصبحت فيه التجربة المسرحية ذاتها في ما يعرف الآن بمسرح ما بعد الدراما … من جهة أخرى, أصبح السيميوزيس المسرحي مكثف وموغل في الإغراق لدرجة أن هنالك دراماتوجيات متعددة تشتغل في نفس الآن…. وهذا يؤدي بدوره إلى تأثير معين في الجمهور … من الممكن أن ينصب اهتمامي على جانب معين من الفرجة والمتفرج الموجود بجواري قد يكون منغمسا في جانب آخر …

محمد حامد السلاموني:

في الإشارة الأخيرة التي تفضل بها الدكتور خالد ، عن دور المتفرج في صناعة الحدث ، ربما وجب التنويه إلى أن (الآخر) الذي اكتشفه هيجل ، واعتبره مكونا أساسيا من مكونات وعى الأنا بنفسها ، ذلك الآخر ، كما ذهب هيجل أيضا ، من الممكن أن يكون واقعيا أو متخيلا ، هذا على الرغم من أنه قال بوجوب (أن يكون كل منهما مرئيا للآخر) !..

وفى المسرح تحديدا ، يتواجد النوعان ، فالممثل يدخل في علاقة مع (الآخر الخيالي – أي الشخصية) ، ومع (الآخر الواقعي ، المرئي – أي المتفرج) ، بل إن المتفرج يحضر بالنسبة إلى الممثل منذ اللحظة الأولى التي يقيم فيها الممثل علاقة مع الشخصية ؛ أثناء البروفات (إذ يلعب المخرج والممثلون الآخرون دور المتفرجين، هذا بالإضافة إلى الممثل نفسه ؛ حين يشاهد نفسه في المرآة – بالملابس والمكياج ، فالعين التي تراه متماهيا مع الشخصية ، هي عين المراقب والمتابع ، أي عينه هو كآخر ، تلك العين ستتحول إلى عين المتفرج أثناء العرض) .. وبدرجة ما يتكرر الأمر بالنسبة للمتفرج ، فهو يقيم علاقة مع الممثل والشخصية معا ؛ أي مع الآخر الواقعي والآخر الخيالي (رغم تداخلهما) ..

وتواصلا مع ما سبق أن ذكرته عن (الخرافة) التي لم تزل تشغل حيزا كبيرا من نظرية العرض ، أقول : يبدو أن علاقتنا بالمعنى تحولت من الواحدية (الطقسية) إلى التعددية (المسرحية) ، لكنها تحولت الآن أيضا من التعدد (المهيمن عليه) إلى (الانتشار – بالمعنى الدريدى) ..

ويمكن القول أن المعنى العام ، الأول ، التقريري ، يمثل أحد مستويات التلقي (وهو ما نشترك فيه جميعا ؛ كقولنا مثلا أن مسرحية عطيل تتحدث عن الغيرة ، وهاملت عن التردد …) ، أما (الدلالة) فترتبط بالموقف المعرفي للمتلقي ، إذ هي المعنى الخاص أو الثاني أوالإيحائي أوالرمزي … الذي يستخلصه المتلقي لنفسه، وهو يختلف من متلق لآخر ..

عدم التطابق بين العلامة اللغوية والشيء ، هو الذي أثار (مشكلة المعنى) – ويقول (ريكور وفوكو) أن نيتشه هو الذي حول الفلسفة إليه ؛ عوضا عن (مشكلة الشيء) ، الديكارتية ..

مشكلة المعنى هذه ، وعلى الرغم من جذورها القديمة ، إلا أن المسرحيين لم يلتفتوا إليها من منظور (النوع المسرحي) : على ما يتأسس ؟ ، وإذا ما كان يتوجب علينا إعادة تأسيسه – ذلك لأن التأسيس القديم؛ بماهو الشرط المؤسس للمسرح ، أو بماهو الذي أتاح للنوع المسرحي إمكانية الوجود، كان يتخذ من التعدد الدلالي مرتكزا له (ولعل النوع المسرحي ولد تحديدا ، حين ازدوجت الدلالة التي كان ينطوي عليها الطقس القديم) ، هذا التعدد الدلالي (المهيمن عليه) ، تحول الآن إلى انتشار دلالي (غير مهيمن عليه) ، مما يعنى أن العرض المسرحي تحول من (قوة جذب مركزية) إلى (قوة طرد مركزية) ؛ أي أنه صار تعبيرا عن اختلافنا وتنوعنا ..

ذلك أن المتفرج – في لحظة التلقي – إنما يصنع في مخيلته (من مجمل تلقيه لنصوص العرض المجسد أمامه على الخشبة – أي بوصفه دراماتورجيا) ، عرضا خياليا خاصا به، وكلا العرضين يتناوبان لعب دور المرجعية ، أو أن كلا منهما يلعب دور المرجعية بالنسبة للآخر ، ولاشك أنها عملية أكثر تعقيدا مما نظن، لكن المؤكد هو أن المتفرج قد يندمج في مشهد هنا وآخر هناك ، أو في جزء من مشهد ، غير أنه لا يندمج إلا في لحظات عابرة ، لأنه منشغل طوال الوقت ببناء عرضه الخيالي ، ومقارنته بالعرض المجسد، وبالعكس أيضا، (وسنلاحظ بأن تلك المقارنة هي أساس حكم القيمة الذي يصدره على العرض والمؤدين) .. هكذا ، وبقدر تقارب العرضين يكون الاندماج ، أما اتساع المسافة بينهما فتفضي حتما إلى الانفصال ، (وقد أشار بيتر بروك إلى أن عرضا ما قد يصادف نجاحا في الشمال ، بينما يفشل في الجنوب/ مع ملاحظة أن برخت كان يعتقد بأن المتفرج سينشغل بمقارنة العرض بالواقع فقط، لذا عمد إلى إضفاء الغرابة على العرض ، أملا في إضاءة الوعي بالواقع) .. في عملية شديدة التعقيد، كتلك ، كيف يمكن لأيا كان قياس مقدار الاندماج ومقدار الانفصال ، ومتى يحدثان بالضبط ، وبأي درجة ، ولماذا ؟ … لاشك أنه أمر مستحيل تماما ، نظرا لاختلافه من متفرج لآخر ومن عرض لآخر ..

من هنا ، وجب التنويه إلى أن المتفرج باعتباره مستهلكا ومنتجا للعرض أيضا ، لم يزل معتقلا في مجهولية صميمة، نعم، المتفرج – ذلك الذي لايكف المسرحيون عن الإشارة إلى أهميته القصوى والتحدث باسمه، هو العنصر الوحيد الذي لم يزل غائبا حقيقة عن الوعي المسرحي ، ذلك أن كل ما يقال عنه لا يزيد عن تمثلات أو تصورات مجردة ، هي آخر ما تبقى من ميتافيزيقا المسرح (ربما) ، وأعتقد أن لا مخرج لنا من أزمة المسرح ؛ بماهي أزمة نوعية في الأساس ، سوى بالعودة إلى المتفرج الواقعي ؛ بالاستعانة بسوسيولوجيا وسيكولوجيا المسرح ..

خالد أمين:

نعم صديقي في المعرفة، الآخر يعتبر مكونا أساسيا حتى في تمثيل الذات … وهو البؤرة التي تنبعث منها الذات حتى عند هايدغر … ولكن حديثنا عن المتفرج الغارق في مونولوغه الداخلي للإعادة بناء ما يجري من حوله فذلك يرتبط أكثر بالثورة المستمرة على المركزية … بما فيها مركزية الذات التي نلمسها مع الكوجيطو الديكارتي … ف”الشذرة” قد توغلت في كل شيء فينا محدثة ذلك الشرخ بين الأنا التي تفكر والأنا التي توجد … كما هو واضح لدى جاك لاكان في نظرية المرآة. إذ لم يتبق لنا إلا وهم التمثيل ووهم الإدراك … وهي كلها مجرد أوهام … المهم بالنسبة لنا … وحتى لا نتيه وسط هذا الزخم من النظريات، كيف يمكن أن نتمثل دور المتفرج الآن وسط هذه الموجة من الدراماتورجيات البديلة؟ هل علينا أن ننتظر عودة ليسينغ جديد أم علينا أن نعود للدراماتورجيا الكلاسيكية؟

محمد حامد السلاموني:

تواصلا مع الدكتور خالد أمين، في الحوار حول (المسرح البديل ومشكلة التمثيل)، وفى محاولة للإجابة عن سؤال : (كيف نتمثل دور دراماتورجيا المتفرج ، في المسرح البديل ؟) – أنشره منفردا ، نظرا لعدم تمكني من نشره كتعليق في الصفحة الأصلية ..

تمثلنا لدور المتفرج (العربي تحديدا) الآن – يحتاج في الحقيقة ، لأبحاث مطولة ، وليس شذرة عابرة … عموما سأشير إلى بعض الأطر، علها تفتح آفاقا أخرى، قد تجتذب البعض من الإخوة المسرحيين الأفاضل ممن نعرف أن لديهم الكثير مما يمكن إضافته..

ربما كان علينا العمل على توسيع (دراماتورجيا المتفرج) ؛ بأن ندعه يستحضر (نص الواقع ، الخاص به) إلى المسرح – كيف ؟ ..

كل ما لدينا هو اللغة فقط ؛ فاللغة هي التي تخلق الوضوح الذي نفهمه كواقع (كما يقول هيدجر) .. هذا ، والدولة هي التي كانت تصنع المعنى المركزي ؛ الذي هو (تحديد الواقع ، المركزي أيضا)- من خلال مؤسساتها -غير أنها وبحكم عوامل عديدة، لم يعد بمقدورها أن تفعل ذلك الآن ..

هكذا ، تمحورت إشكالية الدولة القومية، لدينا – الآن- حول عدم استطاعتها إنتاج وتمثيل (المعنى المركزي) ؛ الذي تتحدد بالنسبة إليه المعاني الأخرى المتصفة بالهامشية ، مما حول كل معنى على حدة إلى معنى أصلي ، مركزي ، بالنسبة إلى المعاني الأخرى، وبذا سـقطت الدولة القومية ذاتها في تناقض مع ما يؤسس سلطتها .. وبتعبير آخر، يمكن القول إن أزمة الدولة القومية لدينا تتجلى في أزمة الوعي بوجود واقع محدد، يمكن الإمساك به بوضوح، من خلال اللغة – لذا فأزمة الدولة هي أزمة اللغة ..

وبوضوح أكثر : (المركز الدلالي)- الذي تمثله الدولة القومية لدينا- والذي تنتظم في محيطه جميع اللغات الاجتماعية عادة ، أدى غيابه إلى إحداث فوضى لغوية هائلة ، هي (تجزر اللغوي)- أو تشظي وتبعثر … وبمرور الوقت أمكن تحديد هذا الغياب كـ (فراغ مرجعي) ..

ومن الغريب أن هذا الفراغ نفسه امتلك لغة خاصة به – هي لغة المركز الدلالي الغائب !.. ذلك أن السؤال (من أنا ؟)- بما هو سؤال عن التيه في فوضى اللغات المتجذرة ، التي ضاع معها (الوضوح- الواقع المركزى)- بقدر ارتباطه بالسؤال عن (أين أنا ؟) ، إنما يشير أيضا – وبالأساس- إلى (غياب الآخر) على مستويين ــ الأول : هو غياب (الدولة) نفسها ، لذا فـ (أين أنا ؟) تعنى (أين الدولة ؟) .. الثانى : نظرا لتميز تلك الفترة بالصخب الجماعي- إذ كان الجميع يصيحون في كل مكان تقريبا وفى وقت واحد ؛ كل بشكواه … لكن أحدا لم يكن يعر الآخر اهتماما- كأنما لا يفهم ما يقول ! .. حتى أنه يمكن الزعم بأن (الحوار- الاجتماعي، السياسي، الثقافي) تحول إلى منولوج فردي مفعم بمرارة متفاقمة ..

تكمن إشكالية غياب الوضوح الذي تضيء به اللغة ؛ والذي نفهمه كواقع ، في تعدد الإحالات ، فتعريف الشيء بإحالته إلى شيء آخر، هو (المستعار منه) ، يحول هذا الأخير إلى (مرجعية)، وإشكالية عدم الوضوح تكمن أساسا في تعدد المرجعيات- إذ يصير لكل منا مرجعيته الخاصة في ظل غياب المرجعية العامة ، المشتركة .. ومع ذلك فغياب الدولة- كمركز دلالي أو كفراغ مرجعي- أدى إلى وجود لغة (سياسية) موحدة ؛ ذات وضوح خاص تم إدراكه كواقع .. أي أن الوضوح اللغوي الذي أمسكنا به كواقع ، كان هو (الفراغ) ؛ وهو نفسه ما التقينا عنده جميعا، متخذين منه مركزا دلاليا ، تتحدد بالنسبة إليه الدلالات الأخرى (الهامشية) ؛ التى نتبناها .. فكل كان يتكلم لغة اجتماعية وسياسية مختلفة ، وكل لغة كانت تحتل موقعا هامشيا عند من يسمعها ؛ مقارنة بلغته هو المركزية ، وبذا تحولت اللغات الاجتماعية إلى أوهام انفرادية ، إلى كهوف مغلقة على ساكنيها؛ على جدران كل كهف منها ترتسم ظلال شبحيه غامضة لآخرين- كأنما كنا نتكلم دون أن تعنى كلماتنا ما تقول ، ولكي نسِمع الآخرين أصواتنا فقط .. هكذا، فـ (الآخر) كان يعانى من فقدان صفته الواقعية؛ ذلك أنه لم يكن ينتسب إلى (واقع الأنا) ، لذا كان غريبا وملتبسا ويدعو إلى الشك !.. لقد كان مطموسا في الفجوة الفاصلة بين اللغات الاجتماعية المتباعدة والمتشظية والمبعثرة- هذا (الضجيج الاجتماعي) ، كما نلاحظ، يتمحور حول (حضور الصوت الإنساني) ، وعلى الرغم من غياب التواصل اللغوي (الأيديولوجى)، إلا أنه (أي الصوت) كان يشير إلى (الجسد)؛ ذلك الشبح الذي كان يقترب من بعيد، وسيظل يقترب حتى يحتل المركز (الاجتماعي ، السياسي ، الثقافي) .. في هذه المرحلة كنا نعانى من صمت اللغة عن قول الواقع بوضوح- لذا فقوات الأمن لم تكن تحرس الواقع ذاته ، ذلك أن الواقع يغيب عن اللغة التي يعوزها الوضوح ، قوات الأمن كانت مدخرة فى أفق توقعات النظام ؛ إلى أن تعثر الجماهير على الوضوح- الواقع ، فتتجاوز (اللغة – القول) إلى (الجسد – الفعل) .. هذا تحديدا، هو ما أدى إلى تراجع المسرح الرسمي ؛ التابع للدولة ؛ بما هو (مسرح الممارسة اللغوية) ، في مقابل تنامي الاتجاه نحو مسرح (الممارسة الجسدية) ..

لماذا تراجع الفن المسرحي ، وبالأحرى ، ما الذي تراجع في الفن المسرحي تحديدا وأدى بدوره إلى تراجع الجمهور عن المسرح ؟ ..

إذا كان المسرح هو (فن اللحظة الزائلة)- كما قال بيتر بروك- وإذا كانت اللحظة (الزائلة) هي اللحظة (الراهنة ، الحاضرة ، الماثلة …) التي ترتكز على (الآن) ، بما تتضمنه من زمن غير متعين، إذ سرعان ما تزول مخلية مكانها لـ (آن) أخرى ، إذن ، الذي فر من المسرح هو علاقته بالزمن الآني ؛ أو بالوضوح اللغوي الآني- بما هو الواقع نفسه ؛ كما يحدث في المحاورة الشفهية بين اثنين ، فالمستمع يفهم ما يقوله المتكلم فى التو واللحظة ، وهو نفسه ما يحدث فى العرض المسرحى .. وهذه هى (ميتافيزيقا الحضور) التي يتأسس عليها فن المسرح- مما يعنى أن المسرح لدينا تجاوز الشرط المؤسس لوجوده النوعي ، دونما سعي منه لإعادة تأسيس نفسه ؛ استجابة للمتغيرات ..

واختصارا، أقول : لقد فقدنا الواقع المركزي، وكل متفرج الآن صار يستحوذ لنفسه على كمية ما من الواقع الخيالي ، يعكف عليها ويرعاها في كهف لغوى خاص به ..

وضعية كتلك لن تجدي معها العودة إلى (دراماتورجيا هامبورج) ، إذ لم يعد هناك متسع للأيديولوجيات الهوياتية .. وأعتقد بأن علينا العمل على توسيع (دراماتورجيا المتفرج)؛ بأن ندعه يستحضر (نص الواقع ، الخاص به) إلى المسرح ؛ (خياليا بالطبع) ، في حضرة نص لغوى (سردي) .. أعني أن علينا أن نتخلى بقدر المستطاع عن (المشهدية) التي اتصف بها المسرح طوال تاريخه ؛ بما هي (التمثيل ذاته) ، فالمسرح يجب أن يكف عن أن يكون (فعلا يؤدى عن طريق ممثلين) ، وبدلا من ذلك عليه أن يلجأ إلى الأشكال التعبيرية اللغوية (السردية) ، بانفتاحها الدلالي الذي لا تحده حدود، سعيا إلى إثارة وتفعيل مخيلة الجمهور (عبر الإيهام الأدبي) ، أعنى أن على الجمهور أن يصنع (العروض – الخيالية) التي سيوحي بها النص اللغوى .. مع ملاحظة أن المسرح السردي في مصر يكاد يتحول إلى حركة مسرحية أو تيار مسرحي ، كما لاحظنا في عروض (نورا أمين وعبير على وعصمت يحيى وهاني المتناوي وعز درويش وريهام عبد الرازق … وغيرهم) ..

هذا ومسرح (نجيب سرور) ، ينطوي على نظرية دراما خاصة به، لم يلتفت إليها أحد إلى الآن ، وتنبني على (تغييب الطرف الآخر من الصراع – لاسيما الممثل للسلطة) ، مما يحول العرض إلى فعل مسرحي مُسرَّد ، عوضا عن الفعل الممشهد ، مما يدعو المتفرج إلى استحضار مشاهد القمع والقهر من ذاكرته المنفتحة على التاريخ ، وامتداداتها في الواقع الراهن أيضا ..

وأعتقد أننا بمزيد من البحث والتنقيب سنعثر على ما يمكن أن يثرى مثل هذا النوع من المسرح ، وكما قال (برخت) – ما معناه : (علينا أن نزيد من عنصر السرد ، وحين نروي فإن المتفرج مدعو لأن يروى معنا) ..

ملاحظة أخيرة :

إذا كان مسرح ما بعد الدراما – كما قال الدكتور خالد – (يعتمد كل مكونات العرض بشكل متساو ، وهو بذلك لم يلغ النص الدرامى … بل فقط اعتبر النص مثله مثل غيره من المكونات الأخرى ..) .. فحسبما أعتقد، نحن هنا نواجه مشكلة هائلة ، تصيب مثل هذا النوع من المسرح في مقتل !..

إذا كان قد تم تدمير العلامة اللغوية ، كما أشار دريدا ، وغيره … وإذا كان مسرح ما بعد الدراما ، يحاول تعويض إخفاق اللغة اللسانية في تحقيق التواصل ، بالاستعانة بالوسائط الأخرى ، وإذا كانت تلك الوسائط (المرئية) ، تتحول- في لحظة التلقي- إلى لغة لسانية (كما أشرت من قبل) ؛ خاصة بكل متفرج على حدة (وهو ما عبرت عنه بالمنولوج الداخلي عن عالم وهمي) ، فهذا كله يعنى أن اللغة اللسانية الخاصة بالنص الدرامى، ستتحول إلى مجرد (دوال) أو أصوات متراكمة، غير دالة .. هذا المنحى في تناول اللغة ، يجرد اللغة من قوتها ؛ أي من سلطتها القديمة (في البدء كان الكلمة) ، ويحولها إلى أشياء مرمية ، خردة أو نفاية تاريخية .. لكنه يعنى أيضا – وأعتقد بأن تلك الملاحظة تمتد إلى المشروع الدريدى نفسه – أن (الفكر) صار منفصلا عن العالم وعن اللغة كدوال … هكذا، فالمدلول صار وجودا بدون دال !..

وإذا كان الأمر يتعلق هنا بـ (الإرجاء) ، كما يذهب دريدا ، فهو يعني العودة إلى حالة ما قبل اللغة !.. وهى تلك الحالة التي يتكون فيها المدلول داخل النفس الإنسانية (كما يقول أرسطو) ، على اعتبار أن الإنسان كائن طبيعي ، أو جزء من الطبيعة ، وبوصفه (حيوانا ناطقا ، عاقلا) ، فهو المتحدث باسمها !..

والسؤال الآن : أليست هذه عودة من جديد إلى الميتافيزيقا ؟ – أليست عودة إلى البذرة الأصلية الخاصة بالميتافيزيقا ؛ حالة ما قبل (التمثيل) اللغوي (ما قبل ظهور الدال) ؟ ..

وإذا كان الأمر كذلك – حسبما أمكن لي أن أفهم – أفلا يمكن أن نعده نوعا من (ال – عود على بدء) ؟ …

يبدو لي أن وضع اللغة في مسرح ما بعد الدراما ، إشكالي ، وبحاجة إلى مزيد من التأمل ..

خالد أمين:

صديقي في المعرفة. يبدو أنه من الضروري إعادة قراءة موقف أرسطو من العرض المسرحي حتى نتمكن من التخلص من التمركز المنطقي الذي ورثناه مذ ذاك الحين … لقد كرس أرسطو سلطة النص الدرامي واعتبر ‘اللعب’ و’الفرجة’ و’القناع’ كلها ملحقات بالقصيدة الدرامية، وهو موقف لا يزال منتشرا إلى يومنا هذا، في الغرب والشرق على حد سواء. بل حتى عدم الاهتمام بالمسرح الروماني والكوميديا الرومانية بخاصة مرده هذا الولع الأرسطي بمدى حبكة المتن الحكائي والميتوس. لذلك لم يعر النقد المسرحي الغربي نفس الاهتمام للكوميديا الرومانية وخاصة تقليد fabula palliata المستمد من الكوميدية الإغريقية وتطور مع Plautus & Terence.

• في سياق أحد الخصومات المسرحية المعاصرة بمهرجان أفنيون لسنة 2005، برز المؤلف والمخرج المسرحي الفرنسي Olivier Py من حيث هو أشرس مدافع على المنظومة المسرحية الأرسطية. أبانت خصومة أفينيون 2005 بالملموس أن المحافظين الجدد بفرنسا والمنتصرين لمسرح النص في مقابل مسرح الصورة ومسرح ما بعد الدراما يشكلون تيارا قويا في المشهد المسرحي الفرنسي على عكس ألمانيا ودول أخرى في أوربا الغربية. لقد خلصت الباحثة الفرنسية Florance Dupont في قراءتها لهذه الخصومة المسرحية أنه “لتحرير الخطابات حول المسرح ينبغي أن تمر عبر مراجعة تاريخ المسرح في الغرب والانفتاح على مسارح العالم.” (وهو ما جاري فعله الآن بالمعهد الدولي لتناسج ثقافات الفرجة ببرلين والذي أتشرف بالانتماء إليه كعضو الهيئة العلمية) هكذا أقدمت الباحثة على طرح ما يشبه مرافعة ضد المنظومة المسرحية الأرسطية، الكلاسيكية والكلاسيكية الجديدة والمستحدثة، معتبرة أرسطو مصاص دماء المسرح الغربيVampire du Théâtre OccidentalAristote ou le. واعتبرت Dupont المسرح مختلفا عن الأدب رغم كل المحاولات لاختزاله على مر العصور. “وكما يقول DarrioFo ‘هذه المسرحية فيها عيب واحد كونها جميلة للقراءة'”. لذلك صديقي العزيز، أقول أن المسرح له لغاته الخاصة به من حيث هو وسيط موسع، ورغم كونه فن زائل، إذ ينبعث إلى الوجود جراء هذا اللقاء بين المؤدين والجمهور في مكان واحد وزمان واحد هو زمن الفرجة المسرحية…. فهو أيضا يخلف هذا الأثر الساحر… كما أشرت إلى ذلك فيما قبل …

• أما بخصوص علاقة التمثيل بالحضور في مسرح ما بعد الدراما، فهي كما تفضلت جد معقدة .. ولعل هذا التعقيد هو عودة في حد ذاته لتصورات أرطو العميقة … يقول أرطو “إن الحياة هي الأصل غير الممثّل للتمثيل”، وهذا هو السبب في أن أرطو وعددا كبيرا من المشتغلين بالمسرح يتمثلون المسرح باعتباره أكثر واقعية من الحياة ذاتها، ولذلك اندراج قوي في الإنجاز المسرحي والطريقة التي يقارب بها باعتباره حدثا إنجازيا، وهو ما يحملنا على القول بأن أشكال التجريب التي ترسّم سمتها أرطو تنزع إلى التأكيد على ما يدعوه بتبعية المسرح للمخطوط script. وفي هذا السياق يقوم بكشف القناع عن البناءات المتمركزة منطقيا logocentric constructs والتي تم التوسل بها بغاية بسط الهيمنة على التراث المسرحي الغربي لأمد طويل: “تعتبر الهيمنة المسبّـقة للسطور في المسرح متجذرة بعمق فينا، ونحن ننظر غالبا إلى المسرح باعتباره مجرد انعكاس فيزيقي للنص المكتوب؛ بحيث إن أي شيء معزول عن المكتوب، في المسرح، وغير منضو ضمن سطوره أو محدد بدقة بواسطته، يلوح لنا باعتباره جانبا من الإنجاز الركحي، ويحتل وضعية دونية عن الكتابة”. إلى هنا يمكن القول بأن اللغات الهيروغليفية التي اكتشفها أرطو في الرقص الباليني سنة 1931 لم تكن لغة أدبية بل جسدية مفعمة بكتابة المحو، حسب منطق ديريدا. لذلك أصبح مسرح ما بعد الدراما يعتمد بقوة على المؤدي عوض الممثل الذي يتقمص الشخصية… والمؤدي ينطق النص ومعه كل الآثار الموشومة على ذاكرة جسده … وهنا تحديدا ينفتح أفق آخر بين المسرح والعالم … أمثل لهذا بتجربة ستفن كيكي وفرقة الريميني بروطوكول الشهيرة بألمانيا والذي وظف مؤذنين حقيقيين من القاهرة أثناء اشتغاله على “راديو مؤذن” (وهي مسرحية حول قضية ‘توحيد الأذان بالقاهرة الكبرى’) . وقد حاورت الإخوة المؤذنين في برلين حينها وكتبت عن الموضوع…. فالتجربة تدخل في خانة مسرح ما بعد الدراما كباقي تجارب الجيل الجديد من المسرح التسجيلي بألمانيا والذي يعتمد مبدأ “المؤدي الخبير”/ وهو ليس بممثل بل مؤذن حقيقي يقبل أن يؤدي دورا… أما ما تقوم به الدكتورة نورا أمين وتجارب أخرى ضمن ما يعرف بمسرح المقهورين أو مسرح المنتدى، فهو يدخل في صميم دراماتورجيا المتفرج كما تفضلت … فعرض “عدو الشعب” مثلا ينبني على ردود فعل الجمهور … وفي عروض أخرى، يصبح دور الدراماتورج خلق حوار مع الجمهور بعد العرض وتوظيف آرائهم في العرض المقبل … لذلك أصبح الجمهور الآن يضطلع بأدوار استثنائية في بعض التجارب التوليفية كاستضافته فوق الخشبة لمدة طويلة من الزمن الفرجوي وحثه على التفاعل مع مجريات العرض انطلاقا من استماعه لتعليمات دقيقة عبر جهاز يمنح له فور التحاقه بالركح …

محمد حامد السلاموني:

يبدو أن التعرض لقضية ما (جزئية) من قضايا المسرح ، سرعان ما يضعنا في القلب من النسق بأكمله ، نظرا لترابطه ؛ بحكم كونه نسقا .. عموما – وقبل التعرض لثنائية (النص / العرض) ، أنوه فقط إلى أن حديثي عن (نورا أمين) يخص عروضها السابقة على تحولها إلى مسرح المقهورين ، وقد سبق لي أن كتبت عن عدد من تلك العروض : (حياة للذكرى ، الخبز اليومي ، أبواب نورا) ، دراسات نقدية مطولة ، منشورة في (جريدة مسرحنا- المصرية) ، وفى موقع الجريدة على الشبكة الإليكترونية ..

أما من ناحية أرسطو، لو أذنت لي- فهو لم يعل من شأن النص على حساب العرض أبدا ، كل مافي الأمر هو أنه أكد على أن قراءتنا للتراجيديات لا تقل في متعتها عن مشاهداتنا للعروض التراجيدية ، وفضلا عن هذا، فهو لم يكن معنيا بالنص والعرض في ذاتهما بقدر عنايته بالمحاكاة ، أعني بكونهما ممارسة محاكاتية ، أو شكلين من أشكال التمثيل ..

وعلى الرغم من أن تناولنا لثنائية (النص / العرض) لابد أن ينطلق من مفهوم المحاكاة، بما هي التمثيل، الذي هو موضوعنا الأساسي، لكنني سأناقشه في إطار الثنائية ذاتها ..

ـــــ يبدو لي أن وجود ثنائية (النص / العرض) ، هو الإشكال ، وكما نلاحظ ، فكما وجدت لدى أرسطو، فإنما تستمر في الوجود أيضا حتى أيامنا هذه !.. والحل يكمن في ضرورة إعادة النظر فيها جذريا، فمادمنا نسعى الآن لإعادة تأسيس النوع المسرحي، إذن علينا أن نطرح جانبا، كافة الثنائيات المتعلقة بالتأسيس القديم ، لكنها – وفيما أعتقد – ثنائية أصيلة لن نتمكن من تجاوزها في وقت قريب ..

سأحاول هنا تناول الأمر باختصار شديد :

النص الدرامي (اليوناني) – التراجيدي خاصة – عادة ما كان يؤسس وجوده على (الدال اللغوي) كإشكالية؛ مزدوجة الدلالة، على نحو ما بيّن فرنان، غير أن تلك الازدواجية الدلالية ، ترتد في النهاية- بعد الفاجعة التي تلحق بالبطل – إلى الواحدية الدلالية .. أما العرض المسرحي (اليوناني) فيؤسس وجوده على التطابق بين المعنى والمرجع الأسطوري .. مما يعني أن النص يفصل بين الدال والمدلول، ومن ثم بين العلامة ككل والمرجع ، هكذا، لينبني مفهوم الدراما اليونانية على (تجربة – الشك في العقل) ؛ أي في قدرته على الاهتداء إلى ما هو معقول ، لكنه ينتهي بإعادة اللحمة بين شقي العلامة ، وبين العلامة ككل والمرجع .. أي أن العرض اليوناني نفسه ، هو التطابق الاستباقي، الحاسم، بين العلامة اللغوية بشقيها والمرجع ، هكذا، على أن يعود النص اللغوي للحاق به..

وإذا كان اليونانيون القدماء قد أنتجوا النوع المسرحي على هذه الشاكلة، بما يتوافق مع رؤيتهم للعالم، فما حدث بعد ذلك، هو أن النوع نفسه – بتأسيسه اليوناني – ظل كما هو ، في سياق رؤى للعالم مختلفة تماما عن الرؤية اليونانية ..

إن صحت هذه الفرضية، فهي تعني أن (المعنى)- لديهم – يتمتع بالجاهزية والاكتمال والمطلقية ؛ كشيء في ذاته، مصمت ومغلق ومعزول ، أي أنه سابق في الوجود على ما عداه ، كما يعنى أيضا أن العرض نفسه مجرد مناسبة لاستحضاره ؛ بما هو (ماهية) ..

تلك الفجوة الفاصلة بين النص والعرض، وإن كانت تضيق باستمرار إلى أن تصل إلى التطابق، إلا أنها –كما اتضح بعد ذلك من تاريخ المسرح نفسه ، ظلت ملازمة للنوع المسرحي ..

ظهور (الجمالية المسرحية) ؛ التي تعد (العرض) هو جوهر المسرح ، في بداية القرن العشرين ، كان تعبيرا، ليس فقط عن التقدم التكنولوجي (في الإضاءة وميكانيزمات المناظر … إلخ) ، وإنما – وفى الأساس – عن استفحال (مشكلة المعنى) : ففي عصر الأيديولوجيات ، تم وضع العلامة اللغوية في موضع سؤال – لذا لم يكن غريبا أن يترافق ظهور (مايرهولد) مع ظهور الشكليين الروس ، وتمحور مشروعهم حول (دراسة اللغة الأدبية بما هي انحراف عن اللغة السائدة) ، وكذلك (باختين) بحوارياته الشهيرة (صراع الخطابات وتعدد اللغات الاجتماعية – الذي تعد العلامة اللغوية حقلا له) ، دون أن ننسى أنه هو الذي قال بأن (العلامة اللغوية حقل صراع عقائدي) ..

التباس العلامة اللغوية، أحدث تحولا تاريخيا، إذ أعدنا مرة أخرى إلى (الشيء) في علاقته بـ (المعنى) ، مما دفع بوظيفة الدراماتورجيا إلى أن تتبوأ موقعا ممتازا في العملية المسرحية ، إذا اقتضى الأمر إعداد النص بما يتوافق مع رؤية المخرج ، وكذلك سائر عناصر العرض، درءا للالتباس الدلالي.. وإذا كان الأمر قد بلغ بـ (كريج) حد إلغاء النص تماما ، فـ (آرتو) أراد إعادة الالتحام بين الشيء وفكرته نفسها – محاولا القفز على فكرة المحاكاة، كأنما الفن يقدم الشيء الأصلي متحدا بالمثال idia !..

تلك الفجوة بين اللغة والأشياء، ستتسع أكثر مع مسرح العبث ؛ ففي الوقت الذي ستتراكم فيه الأشياء ، ستتحول اللغة إلى لغو فارغ (كما في مسرح يونسكو) ..

وتبعا لما سبق ، فـ (الصدمة) التي أحدثها مسرح النصف الأول من القرن العشرين لدى المتفرج ، في تقديمه للنصوص التراثية، إنما نتجت عن (اختلاف) المرجع أو المشار إليه (أي الشيء نفسه)، الذي يعرفه في الواقع، عما يراه على خشبة المسرح / ولا ننسى أن المتحفية التاريخية عند ساكس ميننجن ، والطبيعية عند أندريه أنطوان ، كانتا تنبنيان على التطابق أو التشابه بين العلامة اللغوية (النص) و(الشيء ؛ العرض) … والإشكالية هنا خاصة بعلاقة (الإيهام الأدبي) بـ (الإيهام المسرحي) ، ففي المسرح اللغوي (الشيكسبيرى مثلا – الذي لا يحفل بالعرض) ، كان المتفرج يقوم ببناء العرض في مخيلته هو، مستحضرا المرجع الذي يعرفه هو شخصيا، ومن ثم كان الاندماج بين النص اللغوي والعرض المتخيل ، مجانيا ، وكان التواصل على أشده (لأن الواقع المرجعي المشترك، بين النص والمتفرج ، كان هو ما يتمثله المتفرج، أي ما يعتقد أنه الواقع – مما كان يوفر الإمكانية لتحقيق الإيهام) ..

أما الآن، بعد وضع اللغة بين قوسين ، والاحتفال البالغ بالعرض المجسد على خشبة المسرح ، فقد صارت الفجوة شاسعة ، بين النص والأشياء المجسدة له ، من هنا جاءت الصدمة – فالعرض المجسد ، هو المرجع الخاص بصاحبه فقط ..

مما سبق ، يتضح أن إشكالية (النص / العرض) إن هي في الأخير إلا إشكالية العلاقة بين العلامة اللغوية والمرجع، بل وبالإمكان القول أن تاريخ العلاقة بين الكلمات والأشياء ، أي بين اللغة والوعي والعالم ، هو نفسه تاريخ العلاقة بين (النص والعرض) ..

أما ما يحدث في المرحلة الراهنة فقد تحدثنا فيما سبق .. وما أريد أن أخلص إليه هو أن إشكالية (النص والعرض) و الإعلاء من شأن أحدهما على حساب الآخر، فتفرض نفسها قسرا على الجميع ، ولا مهرب لنا منها ، باعتبارها إشكالية (التمثيل – الذي يستحيل تجنبه) ؛ وهى إشكالية ملازمة للنوع المسرحي نفسه، وستظل كذلك ما بقي المسرح – والأمر برمته يتوقف على رؤية كل منا للعالم ..

خالد أمين:

أشكرك صديقي في المعرفة على ما تفضلت به من تحليل شديد الدقة. والحقيقة أني جد ممتن لإضافاتك الغنية. فالحديث في مثل هذه المواضيع وحوارنا الممتد في الفضاء العمومي الافتراضي الآن هو إعادة طرح أسئلة قديمة وأخرى جديدة لكن من منظورين مختلفين من حيث القراءة، لذلك آمل أن لا يتحول هذا الحوار إلى “حوارية تقعيرية” بين اثنين فقط…. كما قلت لك صديقي في المعرفة، لا أرى اختلافا جوهريا بيننا فيما يتعلق بالإشكاليات المطروحة للنقاش… كذلك أتفق مع خلاصاتك التركيبية التالية: “إشكالية (النص والعرض) و الإعلاء من شأن أحدهما على حساب الآخر، فتفرض نفسها قسرا على الجميع، ولا مهرب لنا منها، باعتبارها إشكالية (التمثيل – الذي يستحيل تجنبه) ؛ وهى إشكالية ملازمة للنوع المسرحي نفسه، وستظل كذلك ما بقى المسرح – والأمر برمته يتوقف على رؤية كل منا للعالم.”

في ذات السياق سأوضح أكثر موقفي فيما يرتبط بأرسطو. فنظرا للمسافة الزمنية التي كانت تفصل بين أرسطو وعروض مهرجان أثينا إبان القرن الخامس قبل الميلاد، فقد اعتمد المعلم الأول في تنظيراته على ما تبقى من النصوص المخطوطة وليس العروض المسرحية التي قدمت في المهرجانات المتعاقبة. بل أكثر من ذلك، يقول أرسطو عن العرض المسرحي: “يتميز العرض بجاذبية عاطفية خاصة به، ولكن بالنظر إلى موقعه داخل البناء العام، فإنه الأقل فنية، والأقل ارتباطا بفن الشعر.” (فن الشعر، 29) موقف أرسطو هذا ينم عن ثلاث أحكام أثرت إلى حد كبير في الدراسات المسرحية الغربية إلى حدود الآن. وحينما أقول أثرت أعني بذلك ‘مكر القراءات البرجوازية التي اختزلت أرسطو) : بداية، ينفي أرسطو استقلالية العرض المسرحي عن فن الدراما الشعرية؛ ثانيا، ينظر إلى خيال المؤلف الدرامي (الشاعر) باعتباره أدبي محض؛ أما الحكم الثالث والأهم في سياق حديثنا الراهن فهو تضمين غير معلن يروم اختزال دراماتورجيا العرض المسرحي ضمن خانة الثقافة الشعبية. والحال أن موقف أرسطو من العرض المسرحي قد انتشر واعتمد كمبرر لإعطاء الأولوية للأدب الدرامي أكثر من تحققها المادي على شكل فرجة مسرحية. إن موقف أرسطو قد كرس سلطة النص واعتبر ‘اللعب’ و’الفرجة’ و’القناع’ كلها ملحقات بالقصيدة الدرامية ، كما أشرت من قبل؛ وهو موقف لا يزال منتشرا إلى يومنا هذا، في الغرب والشرق على حد سواء. بل حتى عدم الاهتمام بالمسرح الروماني والكوميديا الرومانية بخاصة، مرده هذا الولع الأرسطي بمدى حبكة المتن الحكائي والميتوس. لذلك لم يعر النقد المسرحي الغربي نفس الاهتمام للكوميديا الرومانية وخاصة تقليد fabula palliata…

في مهرجان أفنيون لسنة 2005 والذي افتتح بعرض أدائي على غير عادته (محدثا ضجة من الانتقادات) عبر المؤلف والمخرج المسرحي الفرنسيOlivier Py بكل وضوح عن استمرارية المنظومة الأرسطية إلى يومنا هذا: “لا يوجد ثمة مسرح بدون حكاية، إذ لا يمكن أن يكون هنالك فكر إذا لم يتوفر لدينا متن حكائي. إن مجرد فكرة عزل القصيدة عن المسرح هي موت للمسرح ونهاية للحضارة الغربية. لا زلت أومن بأن المسرح يتحقق انطلاقا من القصيدة؛ وماعدا ذلك فهو سيرك.”( Olivier Py, le Monde, 5 Juillet 2005 ) واضح أن Olivier ينتصر بشدة لمسرح أدبي ودراماتورجيا تقليدانية تنبني على شاكلة متوالية من الأحداث المرتبطة فيما بينها بواسطة وحدة الموضوع والتي تفضي إلى استخلاص ‘نتيجة ما’ بعد ‘المدخل’ و’تطور الأحداث’. وهو بذلك يرفض بشدة كل الإبداعات المسرحية الأخرى (البديلة) أو المغايرة والتي غالبا ما تتوسل لدراماتورجيا شذرية تتعمد تفكيك الميتوس، وتصدع الخطاب وحبكته الدرامية، “وتقضي على الوصل فيه، ذلك الوصل الذي يرمي إلى بلوغ المعنى النهائي، واستخلاص ‘النتيجة’ بعد ‘المدخل’ و’النمو والتحليل’.” لذلك اعتبر الفيلسوف المغربي عبد السلام بنعبد العالي في مقاربته للإبداع الما بعد حداثي ‘الشذرة’ عدوة الخطاب، لكونها قد تختزل ما يمكن كتابته في صفحات وصفحات في إيماءة…

لقد أشرت فيما سبق إلى أرطو لأنه يجيب على الكثير من الأسئلة التي تطرحها بإلحاح (وهي تلك المرتبطة بأزمة التمثيل). فكتاب أرطو le théâtre et son double الذي صدر سنة 1938 قد تحدى الأسس الغربية للمسرح… في البداية، لم يهتم النقد الغربي للأمر، إذ اعتبر الرجل غير متوازن (لأنه أمضى 9 سنوات في مستشفى الأمراض العقلية)… والحال أن أرطو قد بشر برؤية استشرافية عميقة لما سمي فيما بعد ب “أزمة التمثيل”. الآن مع المنعطف الفرجوي أصبحت استراتيجيات الانعكاس الذاتي والوسائطية، والدراماتورجيات اللا أدبية…. كلها مقاومة للبناءات التقليدية للحقيقة… لم يعد الممثل، في الجيل الجديد لمسرح ما بعد الدراما مثلا، يتقمص دورا ما بل أصبح شخصية تناصية ، يجمع بين هويته، جسده، ومقاطع من الدور تبنى وتقوض في الآن نفسه… كما أصبح جسد الممثل مركزا للاهتمام ولكن ليس كحامل للمعنى بل كجسد وحركة… وبالتالي، أضحت أهم علامة مسرحية، وهي جسد الممثل، ترفض أن تخدم الدلالة.

وفي ختام هذا الحوار الجميل أشكرك جزيل الشكر صديقي الأستاذ السلموني وأحييك على نبلك وعلمك وكرم أخلاقك. مع محبتي وتقديري.

محمد حامد السلاموني:

أنا الذي أشكرك ، على نبلك وعلمك الكبير وكرم أخلاقك العالية جدا ، دمت لنا ..

 

 

د. جواد الرضواني

 

http://www.dramamedia.net/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.