أخبار عاجلة

التجريب في الإخراج المسرحي والسينوغرافيا

لم يعد المؤلف هو مركز عالم التجريب المسرحي الجديد الذي ينبغي أن يدور في فلكه ومحيطه المخرج المعاصر، وتسير على هديه مفردات العرض المسرحي. منذ بدايات القرن العشرين على أيدي مصلحين مسرحيين كبار، تتشكل حركات الإصلاح الكبرى في المسرح. ومن أهم هؤلاء المصلحين الذين كان لهم دور الريادة في ابداع هذا المسرح الجديد في النصف الأول من القرن العشرين هم: جوردون كريج، في انجلترا، وأدولف ابيا السويسري، وليون شيلير البولندي، ثم بيتر بروك وييجي غروتوفسكي، وغيرهم في انحاء متفرقة من أوروبا والعالم. لقد اهتم هؤلاء على مختلف مناهجهم بصياغات جديدة تسير نحو تنوع سينوغرافية خشبة المسرح، وتباين معمارها، وإحالتها الى مساحات مكتشفة تصوغ العرض المسرحي بصياغات تختلف عن المألوف، وتضع أسساً جديدة للابتكار والابداع. لقد منح هؤلاء المسرحيون المسرح مساحات جديدة من التفسير والتأويل، لا تعتمد في فحواها على تأويل الممثل وتفسيره المترجم لكلمات المؤلف، بل أصبحت هناك مساحات جديدة تبحث ـ عبر تشكيل فضاءات المسرح ـ عن مفردات لغة مسرحية تضع تقنيات جديدة للرؤية الجمالية للعرض المسرحي التي ترى في “الفراغ المسرحي” وظيفة درامية تحل محل النص الأدبي، وتستعين بجغرافية المكان، تشكل بدورها سينوغرافية العرض المسرحي المستند بدوره على تشكيل المساحات الفارغة ـ على حد تعبير “بيتر بروك” ـ حيث يتعامل المخرج / السينوغراف معها ليشكل منها مفردة الزمان والمكان المسرحيين دون الاستعانة بالديكور المسرحي أو الاثاث. فضلاً عن أن المنصات المسرحية “البراتيكابلات” والستائر والاضاءة المعتمدة على “الكونتراست”، أضحت عناصر وعوامل جوهرية، كونت ـ فيما بعد ـ مفردات لغة التجديد في آليات المسرح الطليعي وما بعده عند هؤلاء المخرجين / السينوغراف (في النصف الثاني من القرن العشرين) والمخرجين / السينوغراف من الجيل التالي (أي من منتصف القرن العشرين وحتى الآن) بحثاً عن متغيرات أخرى لتعديل المنصة المسرحية واعادة صياغتها، أو الخروج منها للذهاب الى المسارح المفتوحة واعادة تشكيلها، لتتماشى مع اللغة المسرحية الجديدة.

مبدعان

“المخرج / السينوغراف” هذا المصطلح؛ يجمع ـ اذن ـ ما بين مبدعين: المخرج والسينوغرافي في شخص واحد. حيث يقوم “الفنانان” في شخص واحد بتشكيل فضاءات العرض المسرحي، بل تتوحد الرؤيتان وتمتزجان، وتشكلان معاً رؤية يصعب فيها فصل رؤية المخرج عن رؤيته كسينوغراف للعرض المسرحي وتشكيل مفرداته. يصبح المسرح بهذا المعنى مسرحاً عضوياً في الرؤية المسرحية الدرامية والسينوغرافية التشكيلية على مستوى المعالجة الدرامية التي تتشكل وفقاً لتوحد الشخصين معاً. ومن هنا يحدث ايضاً تخل واضح عن رؤية المؤلف، والتزام العرض المسرحي برؤية اخراجية تستند في مدلولها على “الرؤية السينوغرافية” لتخلق نصاً مسرحياً جديداً، قد لا يكون متوازياً مع النص الأصلي أو حتى متفقاً معه.

ومع تزايد التجريب المسرحي في مختلف مفردات العرض المسرحي، يتسع هذا الدور، ويغدو أكثر فاعلية وتأثيراً في العرض المسرحي، بل يصبح “المخرج المؤلف” مسيطراً على التيار المسرحي الجديد. فمصطلح “المخرج” أو “المخرج المؤلف” يدخل كمصطلح في اللغة المسرحية الجديدة باعتباره مسؤولاً رئيسياً عن العرض المسرحي. فكلمات النص المسرحي لم تعد أهم مكون من مكونات العرض المسرحي، بل أصبحت مفردة من مفرداته، وعنصراً من عناصره، ان “العرض المسرحي الجديد” لم يعد مجرد رفض للنص، والتخلي عن حرفيته، بل الاصرار على تأليف رؤية سردية وتشكيلية أخرى، قد تتعارض بدورها مع “الوظيفة الدراماتوجية” للنص المسرحي، وتشكل نصاً جديداً يتوافق والرؤية التشكيلية للمشهد المسرحي.

من هذا المفهوم تهتز معايير وسائط العرض المسرحي وأدواته، مما يؤدي أحياناً إلى ان تقتصر وظيفة دور “الممثل” إلى ان يصبح في العرض المسرحي مجرد علامة من العلامات المتعددة داخل مجموعة العلامات، او اداة قابلة للتشكيل، او مجرد جزء من نسيج رؤية تشكيلية للاطار المسرحي داخل مفردات العمل المسرحي.

المصطلح الثالث

ولا تتناول مداخلتي في تفصيلها البحثي فن “الاخراج المسرحي” بمفرده، ولا تتناول ايضاً فن “السينوغرافيا” ككيان منفصل. بل تقوم هذه المداخلة على التركيز على المصطلح الثالث اي “المخرج/ السينوغراف”، أو ـ ان شئنا الدقة ـ “السينوغراف/ المخرج”، اي المخرج الذي يقوم عمله الابداعي على التشيكل “السينوغرافي” للعرض المسرحي، او يدخل ابداعه داخل عباءة “السينوغرافيا”، أو “السينوغراف” الذي لا يمكن ان تتحقق رؤيته التشكيلية لفضاءات خشبة المسرح دون ان يكون نفسه مخرجاً لهذه الرؤية. وتنبه هذه الورقة الى اجتياح هذا التيار وهيمنته على ابجديات لغة المسرح اليوم في معظم التجارب المسرحية الجديدة، وعلى وجه الأخص في معظم تجارب المخرجين/ السينوغراف البولنديين. اننا نرصد تنامي هذا التيار الذي اصبح له صدى واسع في عالم مسرح اليوم، وتحديداً في المسرح الأوروبي، وغيره من المسارح العالمية الأخرى. وبعد اكتشاف هذا التيار خاصة المسرح البولندي عند دعوة المهرجان الدولي للمسرح التجريبي في القاهرة لرواد المسرح البولندي الجديد ومن بينهم المخرجون/ السينوغرافي: “يوزيف شاينا ـ Josef Szajna و”فوودجيمييج ستانيفسكي ـ Woldzimierz Staniewski ومونجيك Madzik غيرهم، فضلاً عن اصدارات المهرجان الذي قدمت فيه ترجمات عن مسارح “تادووش كانتور” و”يوزيف شاينا” وغيرهم. وربما يبدأ تأثير هذا الاتجاه بتغيير موديل مسرح التيار الشبابي للمبدعين المسرحيين المصريين والعرب بشكل خاص، حيث ما يزال معظم الجيل الأقدم من مبدعي المسرح المصري والعربي تسيطر على مسرحهم الرؤى الواقعية من خلال الديكور الناسخ للواقع اليومي، أو الاجتهاد القائم على الدالة والرمز الأدبيين المتصفين بطابعهما الانشائي في الصناعة المسرحية، وليس الابداع المسرحي الخالص، ووقوع عروضهم في هذا المأزق التاريخي الذي لا يلغي عدم تحرر عروضهم من عبودية التفسير الخطابي والتأويل المباشر.

لقد أحببت في ورقتي هذه ان أعّرج على التجربة المسرحية الجديدة البولندية، فأنا مدين لها بمعرفتي وعشقي للمسرح من جانب؛ ومن الجانب الآخر قد خلقت لنا “بولندا” عدداً من رواد هذا التيار الجديد. لقد ارخ لنا التاريخ الفني هذا التيار المسرحي البولندي الجديد ـ “المخرج/ السينوغراف” في الثلاثينات من القرن السالف، بل ان معظم مجالات التجريب في “المسرح الطليعي البولندي” و”ما بعد الطليعة”، و”الحداثي”، و”ما بعد الحداثي”، تؤكده حركة التوثيق العلمي لمصطلح “المخرج/ السينوغراف” أو “السينوغراف/ المخرج” في المسرح البولندي المعاصر.

التجديد

لو أننا رصدنا التجريب في المسرح البولندي على مستوى المبدعين / السينوغراف لوجدنا أن حركة التجديد بالفعل قامت على أكتاف هؤلاء الفنانين التشكيليين الذين اصبحوا مؤلفين لعروضهم المسرحية عبر رؤاهم السينوغرافية، بعد رفضهم القاطع الاستسلام لرؤى مخرجين لا ينجحون في الوصول الى المنطق التفسيري والتأويلي لرؤاهم السينوغرافية التشكيلية لمسرحهم الابداعي.

ويمكن لنا أن نطلق حكماً نقدياً يرى أن أهم حركات التجريب في المسرح الأوروبي الجديد، قامت على تجارب هؤلاء المخرجين/ السينوغراف البولنديين، الذين ارتحلوا إلى بلدان أوروبا لعرض تجريبهم المسرحي الجديد مثل “غروتوفسكي” و”كانتو” و”سفينارسكي” و”شانيا” و”لوبا” وغيرهم، سواء بدعوة عروضهم المسرحية، أو بالتعاون المشترك معهم لتقديم ابداعاتهم المسرحية داخل الفرق المسرحية التابعة لهذه الدول في عصر لم يكن فيه المبدعون البولنديون قادرين من الخروج من بلادهم.

ولأن هؤلاء المسرحيين البولنديين كانوا يملكون امكانية التعبير الحر ـ في عصر كانت فيه بولندا واقعة تحت سيطرة النفوذ الشيوعي، واحتلال سوفييتي ـ فقد استخدموا الدلالات والرموز أحياناً في التعبير عما يودون التعبير عنه بشكل فني غير أدبي أحياناً، وأحياناً أخرى كانت الكلمة تتخفى عبر استعارات “سينوغرافية” ورموزها، محل الاستعارات والرموز الأدبية، لتحيلها على دلالات سينوغرافية/ تشكيلية، واستعارات مشهدية تجعل من المشهد المسرحي قوة لا تقاوم، وتدفع المتفرج إلى الثورة على المعتاد، والتمرد على المألوف. لذلك أصبحت لغة التشكيل السينوغرافي لفضاءات خشبة المسرح مدخلاً أساسياً للتعبير عن ما تعتمل به صدور المخرجين البولنديين للوصول الى تحقيق حريتهم الفنية.

لكن العلامة المهمة والمشيرة الى أهمية “السينوغرافيا” البولندية، أن معظم رواد مخرجي المشهد المسرحي المعاصر من المخرجين البولنديين قد خرجوا ـ كما قلت سابقاً ـ من عباءة السينوغرافيا: وعلى رأسهم المصلح المسرحي الكبير “غروتوفسكي” ـ وفنانو التشكيل المسرحي “تادووش كانتور” و”يوزيف شاينا” و”ججيجو جيفسكي” و”أنجي فايدا”، و”كونراد سفينارسكي” و”ليشيك مونجيك” و”كانييفسكي” و”كريستيان لوبا” وغيرهم من المخرجين البولنديين المبدعين.

والسؤال المطروح: لماذا أصبحت “ظاهرة المخرج/ السينوغراف”، أو “السينوغراف/ المخرج” السمة الأساسية للمسرح البولندي المعاصر؟! يقول ججيجوفسكي: “فن التصوير والرسم أي فنون التشكيل هي فنون الإبداع في أثناء وحدة الفنان الكبرى، ويسمح له بالحفاظ على فردية المشاعر والأحاسيس. إنه ليس فناً “مصطنعاً” كالإبداع في “فن المسرح”. لذلك فإنني ما أزال أحلم به بعد!! في لحظة من اللحظات ظننت أن “المسرح” قد يساعدني على استعادة الطريق لتهدئة حاجاتي الداخلية! وربما قد يحدث هذا عن طريق هذا الشكل الفني البديع “فن المسرح”؛ عندما سيكون بمقدوري عبر لغة اللوحات المشهدية، ومفردات لغتها التشكيلية، أن أصل الى نفسي وإلى المتفرج بشكل أكثر تكاملاً!!”.

من هذا المنطلق تأخذ الرؤية التشكيلية مسيرتها وتفرض وجودها على الساحة المسرحية البولندية. فتتبادل أفكار المخرج التي تصب في أفكار الفنان “السينوغراف”، واللذين يمثلان معاً “شخصية المخرج وقرينه السينوغراف” كياناً واحداً لشخصية مبدع واحد، هي التي تقوم بتشييد للعرض المسرحي لا يسمح بالفوضى، أو تشتت العمل الفني من خلال مبدعين اثنين متفرقين. لم يعد العمل المسرحي ـ إذن ـ ينطلق من “الفكرة الدراماتورجية” فحسب، والتي يقوم المخرج بتجسيد واقعها فوق خشبة المسرح، بل ينطلق المخرج/ السينوغراف من فكرة تشكيل فضاءاته المسرحية المستندة الى تشكيل الفراغ المسرحي فوق الخشبة مرة، وتشكيل الخشبة وصالة المتفرجين وكل ماله علاقة بمعمار المسرح معاً مرة أخرى. لم تعد فكرة الديكور المسرحي بمفهومها التقليدي تؤثر في واقع العمل المسرحي الجديد، فمهندس الديكور الذي كان يجسد البيئة الواقعية للعمل المسرحي، والذي كان اسمه كمصمم ديكور مقروناً بالمترجم الحرفي للعمل المسرحي. لم يتعد دوره إلا تصنيع مجرد خلفية للعرض المسرحي.

يقول الناقد والمنظر المسرحي البولندي “ليون خفيستيك ـ Leon Chwistek”: “(…) إن مفهوم “الديكور” أو “الديكوريست”، هو فشل ذريع لمفهوم التشكيل. فنحن شديدو الحساسية الآن تجاه تحمل فكرة المفهوم الطبيعي الرجعي للفن. لا تشاهد الآن في اية فراغات مسرحية فوق خشبة المسرح “صخور” و”أشجار طبيعية” أو “قصور شاهقة”، الطبيعة تنجز هذا بشكل أفضل من المسرح!”.

ويقول الشيء نفسه “أنجى بروناشكو Andrzej Pronaszko وهو واحد من أهم السينوغراف البولنديين الممثلين لحركة الطليعة في المسرح البولندي في النصف الثاني من القرن العشرين: “(…) انني راغب في تحطيم كل ما ينتمي لمفهوم “الديكور وهدمه”.

ففي النصف الأول من القرن العشرين لم يستقل “السينوغراف” بشخصيته تماماً. كان يعمل دوما خلف المخرج المفسر/المؤلف الثاني للعرض المسرحي. وكان يخضع في معظم الأحوال للرؤية المنبثقة عن المادة الأدبية، والتي أصابتها التعددية، وفقدان هارمونية العرض المسرحي وحدته، وأحياناً ما كان يستعان به في حالات استثنائية نادرة، عندما كان من المستحيل اغتصاب الحقوق أو التعدي على الحدود التي وضعها مؤلف العرض المسرحي، باعتباره المسؤول الأول عن الهاماته الفنية والابداعية، فيما بعد تغير ما كان يطلق عليه “مهندس الديكور”، وما ينفك ويصبح بديلا منه “الفنان السينوغراف” ليستحيل بدوره الى “مؤلف الفضاء التشكيلي ومخرجه”.

التجريب ـ اذن ـ لا عودة عنه، ولا مناص من الاستفادة منه في مسرحنا المعاصر. فالمسرح القديم ـ وربما وصل الامر به الى نهاية المطاف ـ قد توقف عن ان يكون مرآة للدرامات الانسانية، فالمخرج المبدع/ذلك السينوغراف/ذلك المؤلف الثاني للعرض المسرحي/ذلك المفسر في ايداعه لفن مسرحي عضوي/انما يحلم ويهدف الى تقديم فن مسرحي مستقل حر، يهيمن على المادة الأدبية، اي النص المسرحي ويخضعه لسيطرته.

ولذلك فان أعمال بعض المبدعين المخرجين المسرحيين/السينوغراف مثل “شاينا” البولندي، و”بروك” الانكليزي وغيرهم، انما يبدو جوهر رؤيتهم في كيفية تعاملهم مع نصوص ادبية برؤى بلاستيكية (تشكيلية). حيث يستخدم فيها شاينا فنون الرسم الحديث من جانب، والنصوص الأدبية ذريعة لرؤيته كـ”مخرج/سينوغراف” من الجانب الاخر كنصوص: “فاوست” لجوته، و”دون كيشوت” لسيرفانتيس، و”الكوميديا الالهية” لدانتي وغيرها، أو المخرج المسرحي بيتر بروك” صاحب فضاءاته المسرحية الجديدة في تعامله التفسيري السينوغرافي مع الملحمة الهندية ذائعة الصيت “المهابهاراتا” التي يحيلها الى عرض مسرحي مهم، وغيرها من نصوص شكسبير وميراث التراث الأدبي الانساني من مختلف قارات العالم. هذا النوع من التجارب يطرح تساؤلاً هاماً حول تفهم أطروحة التجريب في ابداع المخرج/السنيوغراف: أتكون المادة الأدبية المأخوذة من التراث الانساني اختباراً وتحدياً حقيقياً للمبدع المسرحي المعاصر.

لقد تعامل الفنان المسرحي البولندي “تادووش كانتور” صاحب المسرح الطليعي وهو مخرج ومؤلف “سينوغرافيات” عروضه المسرحية، كما يعد رائد حركة التجريب المسرحي في بولندا. تعامل مع النص المسرحي بشكل آخر يختلف عن تعامل المبدعين الآخرين، إنه ينتقي نصوصاً، وينتخب منها ما يعود تاريخها الى “الدرامات المسرحية المبكرة”، ودائماً ما كان لها حجمها الأدبي الخالص المؤثر في المسرح البولندي الطليعي. فالبنية الأدبية ـ عند كانتور ـ تقوم ـ في معظمها ـ على كتابات كاتب بولندي طليعي هو “فيتكاتسي”. ثم يستعين بعدها بنصوص يؤلفها بنفسه لعروضه المسرحية، وهي عبارة عن سيناريوهات يكتبها هو بنفسه، ويعدها عن مصادر أدبية متباينة ومتنوعة، ذلك لأن “كانتور” كان يشعر من خلالها أنها تعبر عن نفسه، وعن طموحاته الفنية، وعن إحباطاته، ومن ضمن هذه الأعمال كان يكتب سيرته الذاتية، لكن هذه النصوص ذات طبيعة تتسم بسمة الشمولية الانسانية. كانت هذه النصوص مدخلاً جوهرياً للتخلص من صيغ المسرح التقليدي من جانب، وتشكل من الجانب الآخر ـ على مستوى الاخراج لرؤيته التشكيلية ـ عروضاً أشبه ما تكون انتخاباً مثالياً للعرض المسرحي بتوحد مفردات لغة العرض المسرحي؛ بداية بإيقاع الرؤية السينوغرافية لعالم يصنعه “كانتور” فوق الخشبة، حيث يتوحد بدوره بأصوات الممثلين الملتاعة، والموسيقى المفاجئة التي تمثل تعليقاً أحياناً، وصدمة أحياناً أخرى، وتكراراً للملل الدرامي المقصود مرة ثالثة، ومزج كل ذلك بالمهمات المسرحية (قطع الاكسسوار) التي تمثل جزءاً لا يتجزأ من توحدها بجسد الممثل، ثم يخلق من هذا جميعاً بناء مركباً، ونسيجاً شديد الخصوصية، يصعب فصل عناصر ومفردات لغته المسرحية بعضها عن البعض!!

ويؤكد الشاعر المسرحي والمخرج ومؤلف الرؤى التشكيلية لعروضه المسرحية والمصلح المسرحي البولندي “فيسيبانسكي” (في المنتصف الأول من القرن العشرين، وكان على علاقة فنية حميمية بالمصلح المسرحي “كريج”) يؤكد فكرة البحث عن فضاءات مسرحية خلاقة من خلال الرؤية السينوغرافية الجديدة، عندما كان يقدم مشروعه الاخراجي لمسرحية شكسبير “هاملت” من خلال رؤيته السينوغرافية:

هاملت

“(…) إن نسيج أعمال “شكسبير” ـ يؤكد فيسبيانسكي ـ مكتوب بشكل متقن؛ لدرجة أن أية ديكورات غير حكمية أو غير منطقية، ليس بمقدورها ـ على الرغم من ذلك ـ قتل نصوص “شكسبير” وروحه. ولا يعنى هذا أنني أطالب بأن يقدم “شكسبير” فوق الخشبة بلا ديكورات مصممة تصميماً ينقصه النضج، كما يحدث ويقدم في العالم. فالحقيقة تقول لنا بأن المسرح الذي يقدم “شكسبير” زاخراً بالديكورات المتخمة، يعد مسرحاً عديم القيمة، ربما يبدو غنياً ظاهرياً على مستوى الشكل، لكنه فاقد لمحتواه وعمقه. وتبرهن هذه الحقيقة على أن هذا النوع من المسارح لا يحترم “شكسبير”، لأنها تترجمه ترجمة تتسم بالحرفية والدقة غير الملهمة، بل لا تفهم روحه، ولا تقترب من مدلولاته وخصائصه، وهي غير معبرة عن فكر شكسبير وروحه. علينا ـ إذن ـ أن نفكر في فضاءات مسرحية جديدة تتناوله، وأن نجعل الاطار “السينوغرافي” يدخل في صميم اللعبة المسرحية، وفي قلب أحداثها، عندئذ سنصبح أكثر قرباً من روح شكسبير وبلاغته!”.

وفي واقع الأمر إن المسرح العربي لم تكن هناك في معظم عروضه ثمة “رؤية مشهدية”، اللهم إلا مجرد رؤية منظرية (من المنظر)، أو ترجمة لها، بهذا المفهوم يصبح الديكور المسرحي ومعه الأثاث فوق خشبة المسرح نتاجاً حرفياً للواقع الفني، أو ـ على أحسن تقدير ـ إضافة أدبية في التعبير عن النص المسرحي الأصلي. هذه خلاصة وجيزة للواقع الفني العام لمسرح نهايات القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين لمسرحنا العربي، باستثناء بعض التجارب المسرحية الجديدة الفردية في أنحاء متفرقة من الوطن العربي في (تونس، والمغرب، وسوريا، ولبنان، والعراق، ومصر، وبعض دول الخليج العربي)، وهي تجارب على الرغم من أهميتها البالغة، إلا أنها تجارب فردية تنتمي لعبقريات أصحابها وفردياتهم، أكثر مما تنشئ تياراً رافداً. لم يعد هذا التفاؤل القديم للمسرح العربي مثيراً لمتطلبات حركة الابداع اليوم، ولا يستجيب لما يحلم به المبدعون الجدد ولا يمثل معادلاً موضوعياً أو فنياً لما يبدعونه.

نحن في حاجة الى مبدع مسرحي حقيقي يرى في التشكيل هدفاً، ولتكن في هذا التشكيل لفضاءات خشبة المسرح “تناولات سينوغرافية” جديدة، وعياً بمفردات العرض المسرحي جميعها. وأنا لا أطالب المبدعين العرب بأن يكونوا ـ على غرار المبدعين البولنديين ـ مخرجين “سينوغراف”، فهذا ليس بمطلبي، لكن حلمي ينحصر في أن يكون لدى مخرجينا عيون تستشعر التشكيل، وتفكر عقولهم قبل مشاعرهم فيما يقدمونه، برؤى “سينوغرافية” تبحث في فضاءات خشبة المسرح ـ أياً ما كان نوعها ـ تشكيلاً حقيقياً لمفردات العرض المسرحي، ليصبح خلاقاً وليس ترجمة، إبداعاً وليس انتاجاً، بعثاً وليس موتاً.

أيكون ما أطلبه كثيراً؟!

——————————————————————-

المصدر : مجلة الفنون المسرحية – د. هناء عبد الفتاح – قدّمت هذه الورقة في الندوة الفكرية التي عقدت ضمن مهرجان القاهرة التجريبي الثامن عشر

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.