»الإقامة المسرحية« تجارب تؤسس لعرض متكامل

تمثل تجارب برامج التأهيل المتخصصة في حقل «الإقامة المسرحية»، مساق بناء نوعياً لمضمون العرض المسرحي الشامل داخل فضاء العرض الممتلئ بالعناصر البصرية والحركية لمحترفات التدريب الخاصة بالهواة والمواهب الصاعدة.

وهو فعلياً، ما جارته وجسدته، أخيراً، إدارة المسرح في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، من خلال ورشة بعنوان (الإقامة المسرحية) وتطبيقات عملية لها من خلال مسرحية (الفخ) للدكتور يوسف البحري، ذلك في إطار خطة لتدعيم وتطوير واستقطاب المزيد من المواهب المسرحية في مدن الإمارة كافة، واستكمالاً لمشروعها الذي استهلته منذ أربع سنوات في مدينة كلباء عبر مهرجان الشارقة للمسرحيات القصيرة، والذي قدم العديد من الوجوه الإماراتية الجديدة في الإخراج والتمثيل وفنيات العرض المسرحي الأخرى.

عناصر العمل

مسرحية «الفخ» جاءت كمشروع ثقافي وأدائي شارك فيه 8 ممثلين من الهواة، إضافة إلى فريق تقني في اختصاصات الصوت والإضاءة والتنفيذ، وتناول العرض الذي استمرّ نحو 45 دقيقة قصة خمس شخصيات من أعمار مختلفة، وبمرجعيات ثقافية واجتماعية متباينة، ضلّت طريق إلى أبواب الخروج في مركز تسوّق.

ويرى المشرف على العرض الدكتور يوسف البحري، وهو مؤلف مسرحي ودراماتورغ وأستاذ جامعي، أن مشروع «الإقامة المسرحية» يقوم على خلق وبناء جميع العناصر المسرحية المكونة للعرض المسرحي فوق خشبة المسرح. ويقصد بهذه العناصر، بناء الشخصية المسرحية (تاريخها – علاقاتها – أفعالها – ردود أفعالها)، وبناء النص المسرحي، وبناء الديكور والموسيقى.

وأيضاً جمع العناصر الأخرى معاً، لتكون متضافرة في وحدة عضوية نهائية وبصرية تمثل وتؤلف العرض المسرحي، ويضيف البحري: ضمن هذا المعنى، فإن جميع الأشخاص المسؤولين عن هذه العناصر هم شركاء في تكوين العرض من ألفه إلى يائه، ويقود هذا المشروع قائد سيتحول في المرحلة الثانية إلى مخرج عندما ينتهي الممثل من بناء شخصيته، وينتهي مصمم الديكور والمؤلف الموسيقي من عملهما.

فكرة ملحة

ويشير يوسف البحري إلى أن هدف هذا المشروع الذي تتبناه (ثقافية الشارقة)، إنتاج عرض مسرحي يبدو وكأنه نابع من الأشخاص أنفسهم، وليس غريباً عنهم.

فالنص يبدو وكأنه خرج منهم بقيادة المخرج والحركة، وهذا مختلف عما إذا كان النص مكتوباً أصلاً من قبل كاتب ربما تكون له آراء مختلفة، أو بيئة مختلفة، أو خلفية زمانية ومكانية وثقافية مغايرة، فالفكرة الملحة في النموذج المطبق لمشروع الإقامة المسرحية (الفخ)، هي فكرة الاتجاه نحو الآخر، وهنا يستعرض العمل عبر الإضاءة الموظفة، على نحو تعبيري، ومن خلال حركة الممثلين وحواراتهم، مشكلات عدة تعانيها الشخصيات، سواء في صلاتها الأسرية، أو في فهمها للعالم من حولها.

كما أضاء العمل في مواضع عدة منه، على تصورات بعض الشخصيات حول فكرة التسوق. وبين البحري أن التسوق في مثل هذه الأعمال المسرحية يمكن أن يتحول إلى نوع من التزجية والتسلية. فيمكن أن يتسوق المرء لأنه لا يجد شيئاً آخر يفعله، كما يمكن أن يتحول السوق إلى سجن كبير.

رموز ودلالات

يؤكد المخرج خليفة المطروشي، أن ورش «الإقامة المسرحية» تشكل إضافة نوعية إلى معارفه هو وأقرانه، موفرة القدرة على فهم تكوين العمل المسرحي وبنائه، وفهم دلالات الرموز التي تعتمد على المدركات الحسية والمفاهيم المرتبطة بها بحدود الخبرة، وكذا تعتمد على المدركات العقلية والقدرة على التفكير والتأويل.

استثمار الطاقات

ويرى المخرج أحمد عبد الله، أن «الفخ» تجربة مثمرة لاستعادة طاقة الممثل واستثمارها في جميع الاتجاهات، وعلى المستويات كافة، وخاصة تقنية الرمز المغموس بها العمل، وهو ما أضفى مسحة جمالية تقود المتلقي نحو التعمق بالعمل الفني الناتج من التكوين العام والنسيج الكلي.

مفهوم الهوية

وحول أهمية البرامج التأهيلية في هذا المجال، يقول الممثل سعيد سالم السعدي، إن «الإقامة المسرحية»، التي ترافقت في برنامج التدريب مع تطبيقات على (الفخ)، مثلت بالنسبة إليّ عودة إلى مواجهة تحديات العمل المسرحي بعد توقف دام أكثر من 13 عاماً، ودفعتني وغيري من الشباب الهواة، إلى المشاركة في العملية المسرحية، حيث إن الغاية هي تثبيت وتكريس مفهوم الهواية، في خضم الاحتراف أو في حال عدم التفرغ، ذاك حتى لا يفقد الممثل روح الهواية والشغف بالمسرح.

تقنيات فنية

توضح الممثلة ريم الكندي أن مسرحية «الفخ» من التجارب التي فرضت تأهيلاً بمواصفات خاصة، وأطلعت المتخصصين على تفاصيل دقيقة كثيرة في حقل (الإقامة المسرحية)، وذلك بالتركيز على جوانب جديدة، وأحياناً على مسائل أدق في فن الممثل، تراعي طرق وأساليب المسارح الحديثة في العمل.

وكذا اختيار العروض، وغير ذلك من الجوانب. كما أنها منحت فريق العمل تكويناً جديداً يشمل القضايا الضرورية لإعداد الممثل، وذلك سواء من حيث التقنيات الجسدية أو الخبرة العملية في الفنون الأخرى (الرقص والموسيقى والغناء والرياضات القريبة من المسرح والمفيدة للممثل، إلى جانب ألعاب السيرك وفنون التهريج).

قنوات معرفية

ويعتقد المسرحي أحمد اليماحي بأن أهم ما يميز ورشة «الفخ» التي هي جزء من برنامج «الإقامة المسرحية»، فتح قنوات معرفية جديدة تتضمن أدوات معرفية لفهم الاختلافات في الثقافة، وفي آلية التفكير وطريقة الحياة. وتابع: إن مثل هذا التقارب ينتهي ويتوج بإنتاج عمل يفخر به الممثلون، ويقبل عليه الجمهور بشغف واهتمام.

ويتحدث الفنان علي سالم جوهر عن هذا الموضوع قائلاً: الإقامة المسرحية مسألة غاية في الأهمية، كونها، وكما تحقق في الورشة الأخيرة التي نظمتها (ثقافية الشارقة)، تكفل تحقيق العديد من القواعد والمفاهيم التي تجعل من الممثل نفسه نقطة الانطلاق، والمادة الأساسية في المنهج التأهيلي لتقنيات الممثل.

إذ يشكل هنا خيال الممثل وقدرته في الابتكار والخلق المادة الأساسية في التأهيل والإعداد، أي أن مادة الارتجال والرؤيا الإبداعية أو التصور الخلاَق تغدو أساسية في منهج الورشة عبر تجارب مسرحية مهمة كمسرحية «الفخ».

رؤى التكوين

ويؤكد الممثل علي الجوهري أهمية برامج «الإقامة المسرحية» ودورها الريادي في تنمية مهارات الممثلين والمواهب الشابة في الدولة، وذلك وفقاً لرؤى التكوين المسرحي.

ويوضح في الخصوص أهمية (الفخ ) كنموذج، حيث احتل الدكتور يوسف البحري موقع المركز في عملية تأهيل فريق العمل، ونقل للمشاركين العديد من الخبرات والتجارب المسرحية عبر اتفاق ضمني بقبول طرق التعبير وأساليب التجسيد والتصورات القديمة المتوارثة جيلاً بعد جيل. وهي في الوقت ذاته، تحمل، كما يقول، معايير ثابتة في النظرة إلى الحياة والفن.

تأثير لافت

تقول الممثلة شهد الرئيسي: تعلمت الكثير من العمل ضمن فريق يتقاسم الخشبة مع باقي الشخصيات عبر ورشة (الإقامة المسرحية)، في التنقل وفي الحوارات، وفي الدخول والخروج من الكواليس، وأمدتنا الورشة المنظمة من قبل (ثقافية الشارقة) في المجال، بركائز العمل كفريق واحد لتشكيل صورة متكاملة يشاهدها المتفرج.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن مثل هذه الأعمال تكفل تحقيق تأثير لافت في جانب الإسهام في القضاء على التطرف في الفكر والممارسة، وتقوي التواصل، وتحقق السكينة الاجتماعية.

 

 

رشا عبد المنعم

http://www.albayan.ae/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.