اشكاليات مسرحنا العراقي المعاصر – العراق

وليد خالد احمد 

مجموعة اشكاليات يعاني منها مسرحنا العربي اليوم، تتركز في: مسؤوليته كرسالة سياسية/ اجتماعية، وثوريته في استلهام التراث، وبالتالي فان هاتين الاشكاليتين تتركز اساساً في وجود النص المسرحي المبدع (المفقود) والقادر على ايصال الرسالة المسرحية الى الجمهور المنتمي الى كل الطبقات الاجتماعية.

فاشكاليات مسرحنا العراقي تتمثل في كونه لم يصل بعد الى ان يكون عليه المسرح الاحترافي، حيث مازال غير منظم ولا تحكمه أية قوانين او اسس او تخطيط، كما ان ثمة هم يواجه ويحد من دوره يتمثل في الخوف من الكلمة الصادقة التي تكشف وتعري ولا تجامل ولا تداهن.

ان المسرح في عراقنا يحتاج الى مناخ من الحرية والى الاجواء التي يستطيع ان يتنفس فيها حتى يكون مسرحاً ايجابياً. وأنا هنا لا اتحدث عن المسرح الغوغائي والفوضوي والتهريجي الذي يلوح بالشعارات السياسية الجوفاء، ويحرض لمجرد التحريض، وانما عن المسرح الملتزم الهادف، المسرح الذي يعرف جيداً رسالته وينطلق من واقع مدرك لحقيقة الدور الذي ينبغي ان يقوم به. والمتمثل في توعية الجماهير وتوصيل الافكار الثورية الملتزمة عن طريق مخاطبة عقل المتلقي بكل طبقاته، وفضح الانظمة المضطهدة للانسان وقيمه التاريخية والتي تعمل على استلابه وضياع حريته بطرق تعسفية لا انسانية، وبالتالي حث هذه العقول المتلقية للتفكير من اجل اتخاذ موقف من المطروح والعمل على تغييره نحو الافضل.

من هنا يستوجب على مسرحنا اليوم ان يواكب كل التطورات والتغيرات التي تطرأ على الواقعين السياسي والاجتماعي في عراقنا ليكون واجهة من واجهات نضاله الوطني اليومي.. وانه يستوجب على المسرحيين العراقيين العمل الدؤوب والنضال المستمر للحصول على المزيد ولو جزئياً من حرية التعبير المفقودة التي اصبحت اكثر بكثير من المعوقات التي حدث من انطلاقته في عرض جوانب حياتنا السياسية/ الاجتماعية، ايجابية كانت ام سلبية، ليتمكنوا من بناء مسرح تتسع افاقه للنقد وان لا يضيق صدرنا به، لأن مهمة المسرح يجب ان تتمثل في النقد، والمسرح الذي يكون المجتمع/ الشعب اهم مجالاته ولا يؤدي هذه الرسالة، مسرح عديم الفائدة. هو الامر الذي اعتبر فيه المسرح اكبر الواجهات المهيأة لذلك.

*اشكالية الكتابة للمسرح

ان هذه الاشكالية تتفرع الى مجموعة من الفروع المتقاربة والمتباعدة. فالكتابة للمسرح يفترض فيها حد ادنى من السيطرة على تقنية الكتابة المسرحية، كما تفترض معرفة بتاريخ المسرح ومدارسه واتجاهاته.

فالكاتب المسرحي العراقي يسير على نهج المسرح الغربي ويتأثر بطرائقه وفنونه ومذاهبه وتياراته، فمنهم من تأثر بالرومانسية او الواقعية او الرمزية او اللامعقول، ولا نستبعد ان نجد منهم من تأثر بشعراء اليونان او شكسبير او تشيخوف او آبسن.. وقد تجتمع في كاتب واحد عدة تأثيرات لعدة كتّاب وتيارات، فمثلاً بعضهم اخذه التصنيف مثل المسرح السياسي الوثائقي البريختي العبثي.

وخطورة الامر تكمن، ان هذا التراث العالمي صب دفعة واحدة دون ان يستند الكاتب العراقي الى تراث مسرحي عربي يعينه على التمييز والتقييم، لذا يسهل على النقاد المسرحيين ان يتبنوا في الكاتب المسرحي تأثيره بتلك المسرحية او بذاك المذهب. ولا ينتبه الكاتب العراقي الذي يعتمد على عدد من البنى الفنية والاشكال المسرحية، لا ينتبه انه يضيع خصوصيته، عدا ان تلك الاشكال الغريبة تنتمي الى مراحل زمنية وظروف حضارية متعددة ومتغايرة.. لذا، قد نلاحظ في بعض المسرحيات ان التأثر بالشكل الغربي، وان حمل مضموناً عربياً، قد ادى الى انفصام العلاقة بين الشكل والمضمون، مما جعلنا نرى او نلحظ خلطاً كبيراً على مسارحنا.

فمن ابرز عيوب التقليد للشكل الغربي، انه جعل بين مسرحياتنا الدرامية وشخصياتنا المسرحية لا تسير في مسار خاص بها رغم انها من واقعنا المحلي، وتحمل اسماء عراقية / عربية، فهناك بطبيعة الحال اختلاف في الرؤية بين الكاتب المسرحي العراقي وقرينه الغربي، نظراً لاختلاف ظروف الواقع الاقتصادي والاجتماعي في كل بلد، ونظراً لتنوع مصادر التأثير الغربي، مما يدفع الادب العراقي / العربي للانتقال من تغيير الى تغيير بشكل مستمر.

لكن ذلك لم يمنع وجود تيارات جديدة للكتابة المسرحية في عراقنا تحاول باخلاص البحث عن اشكالنا التراثية، كمحاولة جادة لتأصيل مسرح عراقي.

* اشكالية النص المسرحي

اما بخصوص النص المسرحي المبدع، فأن المسرح العراقي عاش لفترة طويلة على الترجمة والاقتباس منذ ان ترجمت اول مسرحية لموليير، وفيما بعد اتجه الى التراث.

يجب ان نعترف اننا ترجمنا واقتبسنا الكثير، ومازلنا للاسف، وقد آن لنا ان نعطي، واعتقد انه بأمكان المسرحي العراقي الآن ان يقدم اعمالاً جيدة. صحيح نحن في حاجة الى نصوص مسرحية جيدة، لكن ينبغي الا ننسى ان المسرح العالمي يعاني من ازمة نصوص في بلدان غربية لها تقاليد في المسرح. واني اعتقد ان ازمتنا المسرحية ليست بالدرجة الاولى ازمة نصوص وانما الكلمة الحرة التي لا يمكن لمسرحنا التطور الا في مناخها الحر.

ان الحل الانسب لمعالجة هذه الازمة وللنهوض بالحركة المسرحية، هو ان يتم اولاً رد الاعتبار للعمل المسرحي واعتباره رسمياً من اهم المجالات التي تكوّن الشعب. وان يعلم الجميع ان مسيرة التنمية الاقتصادية لا يمكن ان تتم الا بمؤازرة التنمية الفكرية والفنية، وهو الامر الذي يعتبر المسرح اكبر الواجهات المهيأة لذلك. ثم لابد من التفكير بحرية واتزان في وضعية المبدع المسرحي اانطلاقاً من المؤلف ثم المخرج ثم الممثل ثم التقنيين.

فلا يمكن بأي حال من الاحوال ان نطالب هذا المبدع بنهضة مسرحية دون ان نؤمن له مستوى الحياة اللازمة وكل الضمانات الضرورية للاطمئنان على مستقبله، وكل هذا يتطلب العديد من العزائم القوية والنيات الحسنة حتى يمكن للمسرح ان يؤدي وظيفته الاجتماعية والتربوية والتكوينية التي خلق لها اصلاً.

* الرقابة الذاتية على النص المسرحي.

الكاتب المسرحي في هذه الاشكالية محاصر بمجموعة من المقاييس الاخلاقية والفنية التي تقيد حريته. وتتفرغ الرقابة الذاتية لتصبح رقابة اخلاقية من جانب آخر، فهذه الرقابة تسلط على الكاتب المسرحي من خارج العملية الابداعية باعتبار

ان النص موجه الى مجموعة من المتفرجين لهم قيم ومستويات اخلاقية وحضارية تشمل الدين والجنس والسياسة وهذه تختلف عن الرقابة الرسمية التي تحمل صفة الزجر، تعتمد على اجراء وقائي. اما الرقابة الفنية، فهي تنبع من الفن ذاته، ومعروف لدينا ان لكل منا حدوده وقوانينه التي تبرر المعاناة وتضبط مقاييس الجودة وتحدد ثقافة الكاتب ومستوى هذه الرقابة.

* اشكالية اللغة

وهي من اخطر الاشكاليات في المسرح العراقي. واللغة الفصحى هي المظهر الوطني القومي الاول، فالمسرح له نحوه وقواعده وله لغة فيها رموز واصطلاحات، وهذا ما يجعله مختلفاً عن مجال الادب، بل تتميز عنه، الا ان تأرجح اداء بعض الممثلين العراقيين بين الفصحى والعامية، ابرز عقبة اللهجة العامية المحلية المسيطرة على لغتهم الفصحى، فانه على الرغم من استعمال الكاتب المسرحي لغة عربية حاول تبسيطها في المسرحية العصرية الى اقصى حدود التبسيط، الا ان الممثل فوق خشبة المسرح لا يمكن ان يندمج تماماً في شخصية عصرية عادية باستعمال الاعراب واسماء الاشارة والاسماء الموصولة التي نراعيها عند الكتابة، وكذلك فأن النص المسرحي عملية اختزال للواقع نستقي منه مواضيعه بشكل مكثف، اي اعادة خلق الواقع لا وصفه وصولاً لنفهم قوانين الواقع بغية تغييره بحرية ومسؤولية. فللنص سيادة تفرض نفسها، وهي تثبت كتابة وتتحدى بذلك المكان والزمان، اما بقية عناصر العرض فانها تتهاوى مع العرض وتغوص في الذاكرة ولا يبقى من مساهمة الممثل والمخرج وبقية الفنيين في ايجاد مادة العرض الا بعض الذكر الذي يمحى بسرعة.

ان المادة المسرحية شيء مركب متعدد العناصر متنوع التركيب متحول الاشكال، وكلها مرتبطة ببعضها ويصعب تحديد العنصر المسير او الغالب الا داخل الشكل المسرحي نفسه، والفكرة في المسرحية ليست منفصلة عن الشكل، فهي تذوب في العمل نفسه ككائن موضوعي، وهنا يكتسب العمل الفني شخصيته المميزة له ويصبح عالماً قائماً بذاته، والنص الجيد المدروس ينقذ عرضاً مسرحياً لمخرج وممثلين ذوي امكانيات متوسطة، بينما لا يستطيع مخرج عبقري وممثلون موهوبون ان يقدموا عرضاً متميزاً من نص رديء يستطيعون ان يقدموا امكانياتهم دون وظيفة شأنها شأن مشاهد استعراض الجمال الجسماني، بينما الكتابة للمسرح متحركة لأن المسرح لغة حركة، ويجب ان يكون عنصر الكتابة فيه وظيفياً وجدلياً، مع بقية العناصر من ناحية ومع ثنائي البصر والدهشة من ناحية اخرى.

ان معظم المسرحيين العراقيين راغبون في القفز عن مسألة النص، بالتركيز على العرض المسرحي ومستلزماته وآفاقه وايجاد الحلول له، وهذا ما ادى الى تراكم العروض الرديئة التي قتلها غياب النص المسرحي، فالمادة المسرحية ليست من عمل خالق واحد فقط بل انسجام بين عناصر العرض المسرحي.

* جمهور المسرح

من الواضح ان الدراسات المتعلقة بجمهور المسرح في عراقنا ما زالت قليلة الى حد الندرة، وان الاهتمام بالجمهور قد بدأ متأخراً بعدما لوحظ من انصراف هذا الجمهور عن كثير مما يقدم على مسارحنا، وكان رد الفعل المباشر لانصراف الجمهور هو ارتفاع اصوات هنا وهناك ملقية باللوم على الجمهور لارتياده المسرحيات الهابطة وعزوفه عن المسرحيات الجادة ــــــ على ندرتها ــــــــ التي تحمل مضموناً ورسالة، في الوقت الذي لم يتوقف احد ليسأل عدداً من الاسئلة ذات مغزى: هل وضع كتّاب المسرح عندنا الجمهور في اهتمامهم وهم يكتبون؟ وهل حدد كل كاتب نوعية الجمهور الذي يرتاد مسرحه؟

وهل حاول الكاتب ان يدفع جمهوره الى الاهتمام بالقضية المطروحة بنفس مستوى اهتمامه؟ وهل وازن الكاتب بين متطلبات الدراما والعرض المسرحي وبين الافكار التي تزخر بها مسرحيته؟ وهل بذل احد جهداً ليعرف علة انصراف الجمهور عن ما هو جاد واقباله على الهابط؟

ان مثل هذه الاسئلة هي التي تحدد نوعية العلاقة بين كتاب المسرح وجمهورهم. ولكن من الواضح انها اسئلة لا تلقى الاهتمام الكافي من كتابنا، وربما كان هؤلاء الكتّاب مهتمين بالجمهور لاسباب متعددة ولكن يبدو ان الاعتبارات السابقة لا تحتل لديهم المقام الاول.

ان الجمهور هو الذي يحس بصورة تقديم لون مسرحي جديد، وعلى الكتّاب ان يبادروا الى استشعار هذه الرغبة الملحة والاستجابة لها. فعلى الكاتب المسرحي عندما يكتب نصه، عليه ان يدرك في قرارة نفسه ان الجمهور بحاجة الى نوع جديد من المسرح يتفق وتطلعاته. لذلك مثل هكذا مسرحيات تنجح نجاحاً كبيراً ويقابلها الجمهور بحماس بالغ ويضع كاتبها في مكان الصدارة. وهذا دليل على ان الكاتب كان يفكر في جمهوره ويعرف ميوله ورغباته دون ان يعني هذا بطبيعة الامر الخضوع لنزواته او تملق غرائزه على حساب الفن المسرحي.

ان ما نسميه بجمهور المسرح ينقسم الى ثلاثة انواع: النساء، ورجال الفكر، والعامة. النساء تميل في المقام الاول الى العاطفة، يبحث رجال الفكر عن تصوير الطبيعة البشرية، بينما تستهوي الحركة المسرحية عامة الشعب قبل اي امر آخر.. وكل هذه الفئات تبغي المتعة. فالنساء يرغبن في المتعة العاطفية، ورجال الفكر ينشدون المتعة الذهنية، والعامة يبحثون عن المتعة المحسوسة. لهذا فان المادة المسرحية تنقسم الى ثلاثة انواع، عام واقل مستوى وعمقاً من النوعين الآخرين- فالميلودراما للعامة والمأساة العاطفية للنساء والملهاة التي تصور الطبيعة البشرية لرجال الفكر.

مشكلة جمهور المسرح ليست وليدة الفترة الراهنة فحسب، كما انها مشكلة ذات جوانب وابعاد عديدة، ولسوف احاول ان اتعرض لهذه الاشكالية من خلال جانبين فقط، لسبب بسيط وهو ان الجوانب الاخرى تتطلب من هو اكفأ مني واكثر مقدرة، فليس بوسعي على سبيل المثال ان اقوم بدراسة ميدانية عن جمهور المسرح او ان اعتمد على استبيانات عن هذا الجمهور –ولوكان لمثل هذه وجود- اذ اعتقد ان هذا من اختصاص البيوت المسرحية او الفرق المسرحية بالتعاون مع علماء النفس وعلماء الاجتماع وغيرهم من المهتمين بقياس الرأي العام واتجاهاته: سأتعرض اذن للمشكلة من جانبين هما –كتّاب المسرح اولاً، والحركة النقدية ثانياً.

فاذا ما تناولنا الجانب الاول الذي يتعلق بالكاتب المسرحي فاننا قد نصاب بالدهشة حينما نعلم انه باستثناء عدد محدود جداً من كتّاب مسرحنا العراقي حاولوا التعرف على ميول الجمهور العربي، وادركوا ان هناك ما يميزه عن غيره من جماهير المسرح الاوروبي، وعملوا مع تفاوت في النجاح على وضع ذلك في اعتبارهم عند التأليف.

اقول، باستثناء هذا العدد المحدود لا نعثر على من يهتم بذلك او من يحاول فيما لو اهتم. ومن اكثر الامور التي تبعث على الحيرة ان بعض الكتّاب يتصوران جمهوره يتكون من كافة سكان العراق، في الوقت الذي لم يشغل نفسه بفهم ما يدور ابعد من حدود وطنه.

ان قدرة الفنان على استخدام ادواته وصياغة افكاره داخل الشكل الفني تأتي نتيجة للاحتكاك، ومن تعلم الفن المسرحي السابق عليه استيعابه وهضمه.

ومن الانصاف ان نذكر هنا، ان المسرح العراقي في بداياته كان مهتماً بما يكفل توفر هذا الاحتكاك، وانه وضع نصب عينه ان يقدم الكثير من التجارب المسرحية العالمية الراسخة جنباً الى جنب مع القليل من الاعمال العراقية و العربية الرائدة. ولقد تمخضت هذه السياسة عن ظهور كتّاب ممتازين دون جدال، لكن هذه السياسة الحكيمة قد تغيرت واصبح معظم ما يقدم على مسارحنا الآن من الاعمال المحلية، وبات لزاماً على الفرق في العراق ان تظل في نوع من السبات الى ان تجود عليها قريحة احد كتّاب المسرح المحليين بنص مسرحي جديد دون ان تفكر طوال العام في تقديم عمل من روائع المسرح العالمي، على الاقل ليتدرب ممثلوها على انماط مختلفة من الاداء، وليتعلم مخرجوها كيف يطبقون اساليب متنوعة في الاخراج او من اجل اتاحة الفرصة امام مختلف الفنانين لاستنباط طرق جديدة في مجال الديكور والازياء المسرحية والاضاءة.

انني لا اعتقد ان الفن المسرحي لدينا سيتطور لو ظل هذا الحال كما هو دون تفكير في تغييره. فاذا انتقلنا الى الجانب الآخر وهو الحركة النقدية فعلينا ان نوضح بادئ ذي بدء ان الحركة النقدية مرتبطة دائماً بالانتاج الادبي او الفني لأن الادب والفن هما المادة الخام التي يقوم الناقد بدراستها بغية تقنيتها او بغرض تفسيرها وتقييمها والخروج من هذا بمنظور يساعد على فهم القوانين المنظمة للابداع، ومن الضروري ان تواكب الحركة النقدية حركة الابداع او تأتي على الاقل كمحصلة لها، ولكن ما حدث في عراقنا هو ان حركة النقد قد تأخرت عن هذه المواكبة، ويرجع هذا الى عدة عوامل من اهمها- تأخر انشاء الكليات التي تعد الناقد المتخصص وتؤهله للاضطلاع بهذه المسؤولية حيث ان النقد علم ودراسة قبل ان يكون خبرة مكتسبة ورغم وجود عدد غير قليلمن الدراسات النقدية الجيدة وظهور عدد من النقاد البارزين، الا ان الكم النقدي المتراكم عبر سنوات الثلاثين الاخيرة لم يتحول لدينا حتى الآن الى كيف. بمعنى انه لم يسفر عن نظرية نقدية متميزة يتم من خلالها تفسير الانتاج الادبي والفني المتزايد بصورة مطردة. ولكي لا نظلم الحركة النقدية في وطننا العربي ينبغي القول بأنه في المقابل لم تتبلور داخل ابداعنا الفني والادبي حتى الآن اتجاهات او ظواهر واضحة او تيارات فنية لها صفة الاستمرار والتأثير، بحيث تتيح للناقد ان يصوغ منها قوانين للابداع او ان يبلور على اساسها نظرية نقدية مبتكرة، وحينما يصبح الابداع الادبي والفني عندنا ابداعاً متميزاً بمعنى ان يتخذ لنفسه اتجاهاً لا يعتبر محاكاة لما هو سائد في الاداب الاخرى التي ينقل عنها، فلا شك ان الحركة النقدية عندنا ستجد امامها مجالات خصبة تؤدي بها الى التطور الخلاق، ومنذ اقدم العصور لم يقم انتاج ادبي بمعزل عن النقد او في غيبته، فكلاهما جناحان لطائر واحد.

* اشكاليات استلهام التراث

على الرغم من التجارب العديدة التي حاولت ان تستلهم التراث في مسرحنا، يواجهنا السؤال التالي: كيف يجب ان نفهم استلهام التراث دون ان يجرنا احياناً الى مزالق خطرة؟

ان الحديث عن استلهام التراث يذكرني بقول للمخرج المسرحي الطلائعي الفرنسي جان ماري سيرو، حين شاهد عرض لمسرحية عربية استلهمت مادتها من التراث الشعبي العربي قائلاً: ان العالم استنفد كل المنابع التي يمكن ان تغني المسرح، وامام مزاحمات عناصر الرؤيا الاخرى، لم يبق امام المسرح سوى نبع واحد هو التراث العربي.. نعم، انه حقاً لكلام جميل ولكن كيف نتعامل مع هذا التراث؟

التراث في رأيي هو كل ماضٍ له انعكاس على الحاضر، لأن الحياة هي استمرار وتجديد، فاذا استلهمنا الحكاية والاقصوصة والاسطورة الشعبية او ما تركه لنا الاجداد من فكر.. سواء تلك التي حملتها لنا المخطوطات العربية او الكتب الصفراء او تلك التي وصلتنا شفوياً وجعلناها ماضياً ينعكس على الحاضر نكون قد عرفنا كيف نستغل تراثنا.

اما ان نأخذ التراث بكل ما فيه وكما هو ونقدمه في المسرح، وهذا ما نرفضه ونرفض حتى الامثال التي تحد من جماح الفرد وتدعوه الى الكسل والتواكل. نحن نعرف ان المثل حكمة ولكن هناك امثلة لا فائدة فيها.

لابد اذن من ان نتعامل بوعي مع التراث، لابد من ترصد الحكمة عند الاقدمين، لأن هؤلاء لم يكونوا بلداء. القصص الشفوية التي وصلتنا عميقة ولو لم تكن كذلك لما بقيت في ذاكرة الشعوب، يجب ان نستفيد من هذه القصص، وذلك بمسرحتها او اعادة كتابتها. ينبغي الا نأخذ التراث بشكله المسطح بل بعمقه الواعي الذي يتصل اساساً بالانسان عاطفة وفكراً. بهذا الاسلوب وضمن هذا الفهم يجب ان نتعامل مع التراث.

انني اعتقد ان المسرح الذي يتعامل مع التراث ضمن فهم عميق للواقع، لا يمكن ان يرتكب الهفوات التي يجرنا اليها استلهام التراث، وان الخطر يتمثل في رأيي في الاهتمام المتزايد بعناصر الاثارة والابهار. وفي هذا النوع من الشعوذة سائدة للاسف في المسرح العراقي او العربي. هناك تهويل وتهريج ومباشرة وسطحية في اعمال كل المسرحيين عراقيين وعرب .

وانا اقول هذا حتى اكون صريحاً مع نفسي ووفياً لرسالتي كمثقف ملتزم بقضايا مجتمعي ووطني وامتي ، ولكلمة الحق التي ارى نفسي ملزماً بقولها. نعم، كل المسرحيين العراقيين والعرب سقطوا في هذا التهريج بشكل او بآخر حتى ان بعضهم اساء الى اعماله المسرحية الكبرى. والامثلة عديدة كأن نتحدث عن زعيم من الماضي ونسقط ظروفه على زعيم معاصر. وكثيراً ما يقع هذا بطرق ميكانيكية وفجة لا تليق بمسرحي فنان.

هناك مباشرة تدغدغ عواطف الجمهور بدلاً من ان تعالج مواضيع اساسية في حياتنا اليومية معالجة عميقة، تمتع وتربى في آن.

المسرح فن واخلاق ومتعة ايضاً يجب على المسرحي ان يقدم لجمهوره نماذج بشرية معينة في حالاتها المتعددة، نماذج تخاطب عقل هذا الجمهور ووجدانه. هذا هو المسرح الذي نتوق اليه.

————————————-
المصدر : مجلة الفنون المسرحية

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.