إشكاليات ترجمة المسرح المعاصر

 

| د. ميسون علي

عندما نتناول موضوع ترجمة المسرح المعاصر، لا بد من التركيز على أمرين: أهمية ترجمة هذا المسرح، لما لذلك من علاقة وثيقة بمعرفة ثقافة الآخر ونشر الثقافة بين الشعوب، ومن ثم خصوصية ترجمة هذا المسرح وإشكالياته، من حيث إدراك الطبيعة الخاصة للنص المسرحي وبنيته الدرامية، وطبيعة الكلام أو الخطاب الذي يستخدمه الكاتب.
وتكمن أهمية ترجمة المسرح المعاصر ليس لجماليتها الخاصة بها وقيمتها الفنية، إنما لأنها ترسم حقبة مهمة في تاريخ الحياة الاجتماعية والأدبية والفنية في أوروبا عامة.
إن غياب التراجم أو ندرتها على هذا الصعيد، هو باعتقادي وليد مشكلات وصعوبات متعلقة بترجمة هذا النوع من المسرح، فما هذه الإشكاليات والصعوبات؟

أشير بداية إلى أن النص المسرحي هو نص ناقص، كما تقول الناقدة «آن أوبرسفلد»، بمعنى أنه نص مكتوب ليعد للعرض على خشبة المسرح، أي يتعدى كونه مجرد نص أدبي. ومن هنا فإن ترجمته تستوجب التفكير بكيفية إعداده على الخشبة. هذه الفكرة لا تعني إلزام المترجم رؤية العرض المسرحي، فهذا الأمر قد لا يكون غالباً ممكناً، بل على المترجم أن يدرك الطبيعة الخاصة للنص المسرحي، الذي يتضمن فراغات على المخرج وفريق العمل ملأها، لذا فإن ترجمة هذا النص يجب أن تراعي في أولوياتها إمكانية تقديمه على الخشبة.
وتكمن صعوبات الترجمة في عدة أسباب، منها أن اللغة أضحت الشغل الشاغل لكتّاب المسرح المعاصر، وتثويرها أمرٌ لا غنى عنه، إذ بعد دخول الصورة (السينما وغيرها من أشكال الفرجة) على عالمنا، أدرك المسرح أن تحقيق هدف مشابهة الواقع سيظل محدوداً، إذا ما قورن بإمكانيات الصورة، ما دفع الكتّاب المسرحيين للتفكير بالمكانة الحقيقية التي يجب على المسرح أن يحتلها، وبوظيفته الخاصة وأدواته، فقد ابتعد المسرح المعاصر عن هدف تصوير الواقع، وتحوّل إلى نوع من خطاب حول الواقع، أي يقول شيئاً ما عن ذاك الواقع، لكنه لا يطمح إلى تصويره بمنطق الصورة المحصّنة، التي يمكن للشاشة أن تقدمها بمصداقية أكبر، ومن ثمَّ عادت الكلمة لتأخذ مكاناً كبيراً في المسرح المعاصر كنتيجة من نتائج محاولات المسرح البحث عن أدواته، التي يمكنه من خلالها إثبات اختلافه وقوته في النصوص التي اختارت اللغة حجر أساس، كحامل أساسي للشكل والمضمون.
كأن القول استعاد مكانته في المسرح، وكأننا انتهينا من إشكالية الكلام – الصمت، التي بدأت في المسرح في القرن الماضي عند «أنطون تشيخوف» و«صموئيل بيكيت» و«ناتالي ساروت»، كذلك ابتعدنا عن إشكالية الشخص / الكلمة التي لا تعي الواقع لكن تقوله من منظور صاحبها، ومن هنا نشأت إشكالية ترجمة نصوص المسرح المعاصر المعتمدة على خصوصية الكاتب بحد ذاته، واللغة التي تحمل الكثير من القصدية الشخصية والخصوصية والعلاقة بالبيئة، والواقعية المغرقة في محليتها، والحامل الأكثر وضوحاً لها هو عنصر اللغة، واللغة المحكية بشكل أدق.
ومما يزيد من صعوبات الترجمة، غياب عنصرين مهمين في النص المعاصر هما الحكاية ذات الأحداث المتسلسلة والحبكة بالمعنى التقليدي، وكذلك الهوية الواضحة للشخصيات، ما تطلب عند الترجمة العمل على الكلمة وإيقاعها، ومحاولة نقل موسيقية تجاور الكلمات والعبارات، أكثر من اللحاق أو الاهتمام بتاريخ الشخصيات وعلاقتها بعضها مع بعض، وحكاية النص وحبكته بالمعنى التقليدي. أن نصوص الكاتبة الإنجليزية «سارة كين» على سبيل المثال، هي مونولوجات شعرية، لأن استخدام الكاتبة للغة صار أغنى وأكثر حسية من قبل، حتى لتبدو سرداً عاطفياً، لقد نشرت هنا اللغة كموسيقا… يعزّز ما سبق كله عدم وجود حكاية في النص، مهما حاولنا تتبع مسار الكلام، ومهما حاولنا تركيب العلاقات بين الشخصيات، فإن الحكاية تظل منقوصة وذات فجوات من الصعب ملؤها.
كما أن نصوص «كاريل تشرشل» «إدوارد بوند» و«هاينر موللر» و«ناتالي ساروت»، كما معظم نصوص المسرح المعاصر، مُترعة بالالتباس على عدة مستويات، من ذلك على سبيل المثال استخدام ضمير (you) بالإنجليزية مُربك حقاً، فالجملة قد تكون موجّهة إلى ذكر أو أنثى أو مثنى أو جمع، هذا إضافة إلى اللعب على معنى الجمل ومن المقصود بها واحتمالات تأويل النص الكثيرة لا تأتي فقط من استخدام ضمير you في اللغة الإنجليزية، فالضمير (IT) الذي يشير في أحد استخداماته إلى كائن غير محدد الجنس، أو يكون في بداية الجملة، يطرح إشكالية الجملة الاسمية والجملة الفعلية الموجودة في اللغة العربية، التي لا وجود لها في اللغة الإنجليزية.
وهكذا فإن الأولوية في ترجمة النصوص المعاصرة تنصبّ على الحفاظ – قدر الإمكان – على الطريقة التي تقول عبرها الشخصيات كلماتها، وكيف تركّب جملها. استخدام الضمائر وتحديد جنسها، تحديد من المخاطب، المذكر والمؤنث بالإنجليزية! وبما أن لغة الحياة اليومية موجودة بكثرة في نصوص المسرح المعاصر، كان من الصعوبة بمكان إيجاد وجود مرادف بالعربية لمصطلحات وتعابير موغلة في اليومية، معناها غير متاح في القواميس.
وما يعزّز صعوبات ترجمة النصوص المعاصرة، غياب الإرشادات الإخراجية ـ التي توضّح الزمان والمكان وسمات الشخصيات الداخلية والخارجية، وحال الشخصية النفسية والانفعالية أثناء الكلام.. إلخ، وحتى وإن وجدت هذه الإرشادات في بعض النصوص، فهي غالباً ما تكون مقتضبة جداً، ولا تفي بالغرض.
كما أن الالتباس في هذه النصوص مقصود على صعيد المعنى، حيث يتداخل الشعري والمسرحي، ويتجلى الالتباس أيضاً في تحديد معاني الجمل، أين تبدأ وأين تنتهي في بعض المقاطع، وأين تكمل إحدى الشخصيات الجملة التي بدأتها في مكان ما سابقاً، فقد تبدأ إحدى الشخصيات بجملة لا تكملها إلا بعد عدة أسطر أو صفحات!
كما أن علامات الترقيم في النصوص مخالفة للقواعد في اللغة العربية، ولكن لا بد من المحافظة عليها عند الترجمة بهدف الحفاظ على تقطيع الجمل ومن ثمَّ إيقاعها، إضافة إلى أن ذلك ينسجم مع روح النص الذي يكسر أعراف الكتابة، حتى في طريقة وضع علامات الترقيم واستخدامها في لغة النص الأصلية.
وما يزيد في صعوبة الترجمة أن الشخصية تحولت وخاصة على مستوى الهوية، فهي قبل كل شيء صوت متكلم، يأخذ هويته من شرط الكلام، أكثر من أي شيء آخر. وهذا يطرح مفهوماً جديداً عن الحوار، الذي لم تعد غايته تبادل المعلومات ومراكمتها، كما يطرح مفهوماً جديداً عن الحكاية والحبكة والشخصيات، يفرض نوعاً خاصاً من الخطاب المسرحي، والبيئة التي تنتمي إليها الشخصيات تتحكّم بقولها على مستوى التراكيب والمفردات والتعابير… من هنا أقول إن ترجمة نصوص المسرح المعاصر هي أقرب لأن تكون عملية لا تقتضي المعرفة باللغة فقط، وإنما كذلك المعرفة بالثقافة والحالة المجتمعية للنص المكتوب والتعرّف على الكاتب ونصوصه، وكذلك تحليل النص المترجم، ما يسمح لنا بتسميتها بشكل أدقّ (دراماتورجيا ترجمة النص)، وهذا يعتبر بحثاً طويلاً يتأرجح بين التعامل مع العقبات والتابو بمستوياته كافة، والأمانة الحرفية والقدرات المعرفية الجديدة التي يقدمها التحليل.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.