أخبار عاجلة

«أنا هنا موجود».. صرخة ضد «الجوع» في «البقية تأتي»

انتهت أمس، فعاليات الدورة السادسة من مهرجان “البقية تأتي”، التي استمرت ثلاثة أيام على التوالي بمسرح الفلكي، وتمثلت في ثلاثة عروض تنوعت بين الرقص، والمسرح، حضرها عدد كبير من الجمهور، ضم بعض أسر المشاركين في العروض، الأمر الذي بث البهجة في نفوس ذويهم، ذلك لأن بعضهم يدخل المسرح للمرة الأولى فقط ليرى إنجاز أبنائهم.

تتجلى في القاعة السابقة للمسرح، الدعاية لمهرجان “دي كاف” القادم  للفنون المعاصرة 2016، الذي ينظمه استوديو عماد الدين، المُنظم أيضًا لمهرجان “البقية تأتي”، من خلال عرض بعض الفيديوهات لفعاليات المهرجان العام الماضي، والإعلان عن موعد إنطلاقه في 31 مارس القادم.

إضافة إلى وضع بعض الأوراق الصغيرة على الحائط ليعبر خلالها الجمهور عن رأيه في العروض عقب مشاهدتها، واستفتاء يجريه القائمون على المهرجان لمعرفة ما هو (أفضل عرض – أفضل إضاءة – أفضل ديكور – أفضل موسيقى) من وجهة نظر الحضور.

الأزرق كل الألوان

“عمرك جربت تكون سمكة؟”.. سؤال طرحته هند البلعوطي، مصممة عرض الرقص المعاصر “ظل السمكة”، الذي سيطر عليه اللون الأزرق وصوت البحر طوال مدة عرضه، بدا الديكور بسيطًا وملائمًا لروح العرض، حيث تظهر ثلاثة سيدات يرتدين فساتين زرقاء تزيد من جمالهن، ويقفن أمام البحر وكأنهن يبحثن عن أنفسهن، ثم تظهر سيدة أخرى ترقص على صوت البحر الذي يمثل موسيقى العرض في بدايته.

ثم يختفي صوت البحر وتتسرب في بطء الموسيقى الإليكتروية إلى المسرح، وتتراقص عليها البطلة الرابعة للعرض، التي تخلع حذائها، وحلقها الذي يزين وجهها، فترقص حافية،  لتبدو الموسيقى هنا وكأنها لغة غير منطوقة تبوح بما يسكن روح البطلة ولكنّ في صمت، ويشاركه في ذلك الرقصات التي تقدمها في مرونة  للجمهور على المسرح.

وفي أحد مشاهد العرض ظلت البطلة تتساقط يمينًا ويسارًا متعبة وكأنها كانت في معركة تحارب  فيها طواحين الهواء، أصوت أنفاسها تتسارع تكسر صمت المسرح وغياب الموسيقى.

يعتذر ويشكر عرض “ظل السمكة” لكل الأسماك، ويتحدث عن الذاكرة الممتلئة، العلاقات التي تغتفر، الحاجات المستمرة للتحقيق، الأسئلة التي لم تتم الإجابة عليها قط، والجانب الأخر من البحر.

العرض أداء (نورا سيف، و سمر عزت، و أماني عاطف، و نيرمين حبيب)، تحت إشراف:روندوني، إضاءة: عزيزة محمد، و أزياء: هند البلعوطي، و موسيقى: عبد الله المنياوي، و منفذ الصوت: شادي محمود، مدير خشبة المسرح: باسل نظمي.

يذكر أن هندي البلعوطي، مخرجة فنية، راقصه ومصممة رقصات مصرية، تخرجت من المعهد العالي للسينما عقب دراستها للإخراج الفني وتصميم الملابس، بدأت في ممارسة الرقص عام 2012، عقب انضمامها لبرنامج مركز القاهرة للرقص المعاصر، الذي تعرفت من خلاله علي أنواع متنوعة من أساليب الرقص.

مفيش قوة تقدر تلغي وجودي

“أنا هنا.. أنا موجود”.. صرخة يطلقها بطل العرض المسرحي “الوافد” للمخرج هاني سامي، يبدو ديكور العرض بسيط إلا أن فحواه يسبح في أعماقه الكثير من المعاني والإسقاطات، التي يجد الكثيرون فيها ضآلتهم فور أن يبدأ الحوار الذي يبتادله أبطال العرض، ويستمعون إلى صرخات تسكن داخلهم تدوي على خشبة المسرح، وأسئلة تدور برأسهم لا يجدون لها إجابة، يساعدهم العرض على تفسيرها حتى تضح الصورة كاملة.

يخطفك البطل إلى عالمه، لتجد نفسك عزيزي المشاهد تدور في دوامته القاتلة وكأنك هو، تتسرب الموسيقى إلى المسرح في هدوء ثم تعلو شيئًا فشيئًا بما يلائم مشاهد العرض، ويظهر ممثل آخر مع البطل يسأله عن شخص يُدعى ميخائيل رومان، يتباهي هذا السائل في المشهد بما يمتلكه من معلومات التي تصل إلى معرفته اسم والدة البطل.

وتحت إضاءة تلعب دورًا هامًا خلال العرض، يظهر الجرسون الذي يطرح سؤال على  البطل يتكرر كثيرًا فيما بعد، وتتم الإجابة عليه في النهاية يقول “هو إنت معانا هنا في اللوكاندة”، كل من حول هذا المغلوب على أمره المُحاط بكم كبير من الأسئلة، يعملون بدقة، يحفظون كل معلومة عن ظهر قلب تحت شعار يرددونه دائمًا وهو “إحنا مخنا دفتر”، رغم أن جل ما يقومون به هو فقط الضغط على زر الآلة التي تعلو فوق إنسانيتهم وتتحكم فيهم وفقا لما يقدمه العرض.

ثم يأتي الحديث عما نتشاركه جميعا كل يوم (الجوع – الزحمة – الطوابير)، ولكنّ شعور الجوع الذي سيطر على بطل العرض كان محركًا للعديد من المشاعر داخله، والتي عبر عنها عند مطالبته بالطعام الذي لم يتناوله منذ فترة طويلة قائلاً:”أنا هطلب أكل ممكن يطلبه واحد محكوم عليه بالإعدام إشي حمام وفراخ محشية، يذل به السجان، عشان بس يشبع لذته ولو لمرة واحدة من غير ما يدفع التمن”.

وهناك إسقاط آخر بالعرض يشير إلى الظلم ومعاناة السجين لخصه البطل في تلك الجمل:”في أي تحقيق كل برئ ممكن يطلع متهم وياخد إعدام”، يامين يديني، غيار نضيف، إضافة إلى تقديم مونولوج يملئه الشجن يجمع كل من “حمدي” بطل العرض وصديقه “حسان” الذي لم يراه منذ 20 عامًا. يدور حول ذكرياتهم معًا، والحرب التي خاضوها جنبا إلي جنب وبطولاتهم التي يفتخرون بها، إلا أن “حسان” استجاب للآلة التي أفقدته كثير من إنسانيته واصبح عمله هو أن يضغط علي زر الآلة فتقوم هي بكل شئ ويختفي الإنسان.

تذكرة سفر

يُعاقب بطل العرض طوال الوقت على تذكرة السفر التي فقدها اثناء رجوعه إلى وطنه، فلم يعد هناك ما يؤكد أنه هنا، سواء ورق، أو معلومات تم تسجيلها على الآلة التي يعمل بها الجميع، أو حتى موعد محدد للقطار جاء فيه، فهو بشر ينسى أحيانًا ويتوتر أحيانًا فيفقد قدرته على التذكر، ولكنّ كل من حوله لم يغفروا شيئًا لإنسانيته محاولين طوال الوقت عبر حوار العرض أن ينفوا إنتماءه لهم، وينكروا وجوده لعدم توافر بيانات عنه، فيطلق آخر صرخاته في آلم بالغ تغذيه القوة  والمقاومة “كل كلب هيقولي فين بطاقتك أو يقولي أنت مش معانا في اللوكاندا، هرد عليه، أنا مفيش قوة تقدر تمحي وجودي، أنا موجود .. أنا هنا”.

يذكر أن عرض “الوافد” تدور أحداثه حول “حمدي” الذي وفد على عالم اللوكاندة، جائعًا متعبًا، وكل ما يغيه هو أن يأكل ويستريح، ولكن للوكاندة نظامها وقانونها الذي يفرض نفسه علي كل من يفد إليها، وهو نظام مانح مانع ومشروط، يفرض سطوته على من يدخلها، ليبدأ الصراع بين الوافد والسلطة حول مسألة الجوع الملحة، وعن الحق في الوجود.

أما المخرج هاني سامي، فهو مخرج مسرح وصانع أفلام، تخرج من قسم المسرح بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وحصل على درجة الماجيستير في الإخراج السينمائي من جامعة جان جورس بتولوز بفرنسا، ويعمل حاليًا كمدير لمدرسة السينما بجمعية النهضة العلمية والثقافية لجيزويت القاهرة

العرض للكاتب المسرحي ميخائيل رومان، إشراف:أحمد العطار، أداء (أحمد أشرفي  في دور “الوافد” – عمرو مدكور في دور “المندوب” – جوزيف جميل في دور “الخادم” – علي قاسم في دور “المسئول” – أرساني مشرفي في دور “الخبير)، ديكور: أحمد إسماعيل، إضاءة: سيد النجار، أزياء: محمود سبخاوي، موسيقي: أدهم زيدان، بوتسر العرض: شريف سامي، عرض الترجمة: أحمد موافي، مدير خشبة المسرح: نورا الطويل.

يا سم

في حنية بالغة، وأنوثة تتجلى بكل ركن في ديكور العرض، والملابس التي ترتديها بطلات العرض الأربعة، وألوانها التي تميل إلي درجة فاتحة من اللون الأحمر، يقدم العرض الراقص “يا سم” وجبة دسمة عما تتعرض له المرأة من ضغوط، ومشكلات، منها على سبيل المثال (التحرش – المضايقات التي تتعرض  لها نساء غير مصرييات).

إلى أن تفترق واحدة عنهم فتجلس تحت الوء تعزف بإحترفية كبيرة على الطبلة، التي يرقص على إيقاعاتها الثلاثة الباقيين، ثم يجلسون حولها فيما بعد وكأنها تروي لهن حكاية بالموسيقة يتشاركونها معا، كل منهن تعلم أنها أنثي فاتنة قوية وليست ضعيفة رغم ما تتعرض له من معوقات ومضايقات/ ذلك ما سوف يتسرب إليك من حركاتهن الراقصة، نطراتهن، خطواتهن، وخلخال كل منهن الذي يصدر موسيقى تخطف الأذان.

وفي أحد مراحل العرض تعبر بطلات العرض عن البراويز التي يحبسهن فيها المجتمع، ومعاناتهم، حتى يتمردن ويخرجن عن الإطار ليصبحوا كما يريدن، ومن أبرز المشاهد القوية في العرض، رقص السيدات الثلاثة بـ “النبوت” بقوة، الأمر الذي لفت نظر الحضور وأثار إعجابهم، ويقرعن به على أرضية المسرح في تحدي وكأنهن يعلن بدأ الحرب ضد كل ما يعطل حياتهن، و ينتهي العرض بمشهد تستعرض فيه كل منهن قوتها عبر حركات تتشابه مع تبرز عضلاتهن كما يفعل أبطال كمال الأجسام، معلنين التحدي لكل ما يضايقهن ويجبرهن أن يصبحن شخص آخر غير الذي يرغبن فيه.

تقوم فكرة عرض “يا سم” علي ترنيمة مصرية في الدولة القديمة تقول: ” أنا أم  الأشياء جميعا، سيدة العناصر، بادئة العوالم، بادئة العوالم، خاكمة ما في السموات من فوق، وما في الجحيم من تحت، أنا مركز القوى الربانية، أنا الحقيقة الكامنة وراء كل الإلهات والآلهة، عندي يجتمعون كلهم في شكل واحد وهيئة واحدة، بيدي أقدر نجوم السماء، ورياح البحر وصمت الجحيم، يعبدني الناس بطرق شتى، وتحت أسماء شتى، لكن أسمي الحقيقي هو أيزيس”.

يذكر أن شيرين حجازي مخرجة العرض، راقصة ومصممة حركات بمجال الرقص المعاصر، بدأت منذ عام 1998 مع المدربة ديانا مالنتي بورش، رقص البالية الشرقي، في مسرح البالون، قم ألتحقت بورش للرقص الحديث بدار الأوبرا المصرية في 2001، ثم انضمت برنامج تدريبي في الرقص المعاصر مدته 3 سنوات نظمه استوديو عماد الدين.

العرض إشراف: لورانس روندوني، أداء (نغم صلاح – أماني عاطف – شيرين حجازي) عزف الإيقاع: صابرين الحسامي)، سينوغرافيا وأزياء: ندى منير، دراماتورج: صابرين الحسامي وشيرين حجازي، إضاءة: طارق سعيد، موسيقي: صابرين حسامي، فيديو ومونتاج: سيد نجار، منفذ صوت: شادي محمود، رسومات: سمر القوبيصي، مدير خشبة المسرح: أحمد عادل، نائب مدير خشبة المسرح: يارا بيومي.

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.