منذ عقدين تقريباً وهو عضو نشط في جماعة "الناصرية للتمثيل"، أبتدأ مشروعهُ معها، ممثلاً، ليحط رحالهُ مع النص المسرحي، بعد أن رأى ان هناك حاجة ماسة لخوض تجربة الكتابة للتعامل مع واقع فريد وخاص، تشترطه البيئة والزمن العراقيين الاستثنائيين.

عمار نعمة جابر : أمسرح ‘الضحك الأسود’ كمرآة للواقع العراقي

منذ عقدين تقريباً وهو عضو نشط في جماعة “الناصرية للتمثيل”، أبتدأ مشروعهُ معها، ممثلاً، ليحط رحالهُ مع النص المسرحي، بعد أن رأى ان هناك حاجة ماسة لخوض تجربة الكتابة للتعامل مع واقع فريد وخاص، تشترطه البيئة والزمن العراقيين الاستثنائيين.

 

 

أعتلى المسرح منذ 1993 في أول عمل مع الجماعة، بعنوان “من البلية” فالوباء الابيض، ثم في أعالي البحر فالواقعة، و كوميديا الأيام السبعة وغيرها العديد من الأعمال التي قدمتها الجماعة.

كتب للمسرح مجموعة من النصوص منها ما تم اخراجه محلياً، اصدر مجموعة من الكتب المسرحية، اخرها كتابه “صلبان ومآذن “.

في هذا الحوار يتحدث عمار نعمة جابر عن تجربته وافق المسرح العراقي، خصوصا بعد مقتل “الرقيب” الديكتاتوري وبروز رقيب “ديني” في العراق الجديد.

= لنبدأ من مجموعتك الاخيرة، “صلبان ومآذن “، هل هي مجرد مقاربة تاريخية، أم مقاربة فلسفية، تريد أن تصل الى هدف معين.؟

صلبان ومآذن هو نص مسرحي طويل يتكون من خمسة فصول كل فصل يحتوي على اربعة مشاهد، قوام هذا النص هو البحث الفكري والمقاربات الجدلية حول ما تمتلك منظومة المقدسات في الفكر الاسلامي والمسيحي وهما اكبر منظومتان تحكم الفكر الانساني اليوم، يقودنا للبحث في المشتركات بين هاذين العملاقين بشكل خاص وبين مشتركات كل الافكار والرؤى التي تحكم العالم.

النص هو مد لجسور الحوار بين شخصيات مقدسة لازالت تترك اثر كبير في حركة الفكر الانساني، فكما ان الحسين (ع) لازال يمثل قوة دافعة في الحياة البشرية كمؤثر حي يدفع الانسانية نحو ممارسة انسانيتها، نجد ايضا ان القديس يوحنا المعمدان مثال حي لشراكة انسانية من نمط يشارك بشكل متميز في تحريك الضمير الانساني باتجاه الكمال الذي نبحث عنه.

= المتابع لتجربتك يجدك تقترب من مساحة “الفنتازيا السوداء” على الأقل في اختيار عناوين مسرحيات، هل هي رؤية للسخرية من الواقع؟

قد لا اكون بعيدا عن الواقع الذي نحيا فيه، بكل ما فيه من ملامح للمرارة والألم والبحث عن سبل التعبير المناسبة، وكما المسرح الذي لا ينفك ملتصقا بمحيطه، فالنص المسرحي الذي اتبناه هو أطروحة لقراءة الواقع بأسلوب يصطلح عليه بالكوميديا السوداء أو (الضحك الاسود) وهو لون تتشكل فيه معطيات النص من خلال احداث وشخصيات تصور الواقع المرير بصورة ساخرة تدفع المتلقي الى الضحك بصوت عالي، بوصف الضحك اعلى درجات البكاء، وهذا هو مرآة الواقع الذي غادرته الطمأنينة وسيطر عليه اليأس والبحث عن الحقيقة وعن الخلاص.

لقد وصل الوعي في المسرح الى مرحلة البحث عن الخصوصية فيه، كيما يشكل “موزائيك” للعطاء الانساني متكأ على ما تملك الشعوب من التراث، الذي سيشارك في قراءة الذات الإنسانية بشكل اعمق واكثر وضوحا. والتراث الذي ننتمي له يمتلك عمقا وثراء غريب حيث يتشكل من كم هائل من الموروثات الاجتماعية والفكرية، والتي لازالت بكراً لم تمتد لها يد المبدع لكشف المخبوء من أسرارها المثيرة، وفن المسرح شارك في اكتشاف الإرث الانساني وتفعيل دوره في المجتمع الانساني، وغاية ما اسعى اليه هو تسليط الضوء على هكذا ارث ومحاولة التعامل معه لا كونه موروث خاص لمجتمع او مذهب ما، بل هو ارث انساني من حق الجميع ان يتعامل معه.

= في المقاربة الفنية واشتراطاتها الابداعية، أرى أن التعامل مع الحدث التاريخي القار في العقل الجمعي، كمعركة “الطف” مثلاً، يقلص مساحة الحرية لدى الكاتب، ما رأيك؟

ما يمتلكه الابداع من معطيات متجددة ومتسعة تضع المبدع أمام امكانية التعامل مع أي حالة يمكن ان يخلق من خلالها صنف من صنوف العطاء الفكري والفني، وكون الحدث التاريخي متجذرا في العقل الجمعي فهذا يزيد من امكانية التعامل معه بشكل اوسع من خلال الاعتماد على ما تشكل مسبقا عن هذه الحادثة، ومن ثم انتاجها بمساحات اخرى لتقديم وجهات نظر جديدة قد يستفاد منها في حيثيات اخرى. ومعركة “الطف” تم التعامل معها في احد نصوصي بوصفها حدث راسخ بكل تفاصيله في العقل الجمعي، كي اتكأ عليه لنبذ سياسة المقابر الجماعية المتكررة على طول خط الزمن الانساني. من خلال نص “قبور بلا شواهد” والذي قدم عام 2005 في قاعة الشهداء في مدينة الناصرية ببصمة المخرج ياسر البراك.

يمكنني ان اصور التعامل مع المقدس بالضبط كالمشي وسط حقل الغام، اذا لم تكن متسلحا بالمعرفة الحقيقية والواضحة لكنهِ هذا المقدس وتاريخه والمفاهيم التي تحوم حوله، فانك ستتشظى حتما الى قطع صغير سيضيع معها المنجز.

أن تناول هكذا شخصيات او احداث حساسة الى درجة كبيرة في وجود الذات الانسانية يمكن من خلال اليات متعددة استخدمت منها سحب الحادثة او الشخصية الى الموضوعة الآنية او الزمن الحاضر، او تعاملت معها بوصفها غائب غير مرئي فاعل ومتفاعل مع الواقع وشخوصه المخطئين. أو من خلال محاكاة الشخصية أو الحادثة بأخرى آنية في الوقت الآن. وما خدمني هو المرحلة الحالية التي منحت فيها مساحات كبيرة للمبدع بعيدا عن قلم الرقيب وعيون السلطات سواء الاجتماعية او السياسية او الدينية.

= لكل كاتب تقنية في عملية انتاج نصوصهِ، أنت ككاتب مسرحي وقبل ذلك ممثل، الى أي تقنية في عملية الكتابة؟

إن أهم تقنية عملت عليها في جميع منجزي المسرحي هو البحث عن الخصوصية من خلال البحث في كل ما حولي، ورصد التجارب المعاصرة لتجربتي ومحاولة عدم الوقوع في مطب التكرار او الانجرار للتقليد. وتقنية البحث الدائم عن مواضيع وشخصيات مثيرة للدهشة، ومحركة للساكن من الفكر، ومارست فعل الخروج من الواقعية والكلاسيكية في الكتابة وتهشيم وحدات البناء التقليدية، عابرا باتجاه وضع قواعد جديدة للعبة النص المسرحي.

والمسرح العراقي بشكل عام يمثل حالة متقدمة على صعيد انتمائه لمنظومة المسرح العربي، والنص العراقي لا يعاني مطلقا من القصور او الوهن بل على العكس تماما كان معينا زاخرا للمخرج العربي قبل العراقي يهبه فوق ما يتوقع من الصور المسرحية المبدعة.

ومثال ذلك انني ككاتب نص عراقي قدمت نصوصي في ستة دول عربية ولأكثر من عشر مرات، وحققت ثلاث جوائز في النص المسرحي العربي اولها افضل نص في مهرجان فلادليفيا في الاردن 2008 وثانيها جائزة الهيئة العربية للمسرح في الشارقة 2010 واخرها جائزة دبي 2011.

= هل يمكن القول أن هناك تأسيس نظري “لمسرح حسيني”، يمكن من خلالهِ الوقوف على الحادثة التاريخية، وتحويلها الى ايقونة مسرحية، أم أن هذه مجرد عاطفية؟

لازال مفهوم التأسيس بعيدا عن ما يصطلح عليه بالمسرح الحسيني، حيث اننا سجلنا محاولات للبحث في هكذا نوع من المسرح في بلدان متعددة مثل العراق ولبنان والكويت والبحرين، ولكن لم تخرج كل هذا المحاولات سوى باشراقات مسرحية، هنا وهناك، بينت كيف لهذا الارث التاريخي ان يخلق ايقونة مسرحية فاعلة ومتفاعلة في مساحة الوعي المسرحي، متخلصة شيئا فشيئا من جلباب القدسية الدينية لتكون مشروع قادم ننتظر جميعا أن يكون مذهبا في الغد القريب.

= ماذا عن المؤسسة الثقافية الرسمية في العراق، كيف ترى دورها في دعم الابداع بشكل عام والمسرح بشكل خاص؟

ما يدور في العراق شارك بشكل واضح في اضعاف المؤسسة الثقافية في العراق والتي لم تتمكن من جمع شتات الثقافة العراقية، فتوعكت واصابها الوهن، مما حولها الى كيان ضعيف لا يستطيع ان يدعم الابداع عموما والمسرح على وجه الخصوص، فصار الابداع العراقي يوصف بالفردية، حيث يعتمد المثقف والاديب على ما يملك من قدرات لدعم مشروعه الثقافي.

 

ذي قار (العراق) – من حيدر قاسم الحجامي

http://www.middle-east-online.com/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *